مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

التأريخ ليس اجتهاداً PDF طباعة أرسل لصديقك

يعتبر الشيخ عبدالله العلايلي واحداً من أبرز رموز الثقافة العربية النقدية في القرن العشرين. لذلك حظي فكره باهتمام بالغ من جانب عدد كبير من الباحثين. وكتبت عنه أطروحات أكاديمية متميزة سلطت الأضواء على جوانب عدة من فكره الموسوعي. فقد نشر دراسات علمية موثقة، ومقالات سجالية رائدة في مجال التجديد النظري حول مسائل دينية ولغوية وسياسية وقومية وفقهية وقاموسية واجتماعية وتاريخية.

وزاوج بين التفكير النظري والممارسة العملية عبر نشاطه الثقافي والإعلامي والسياسي والفقهي الكثيف. وعمل على إصلاح دنياه بحماسة لا توازيها إلا حماسته لعمل البر والتقوى طلباً لراحة ضميره ومرضاة ربه.

 

واجه العلايلي بجرأة نادرة مشكلات تاريخية حساسة في التاريخ العربي. فتعرضت كتبه للمصادرة والنقد الشديد لأنها حملت في عناوينها عزم "الشيخ" على تصحيح الخطأ، وتصويب المفاهيم، وتبني مقولات جديدة، واعتماد النقد والتحليل في الدراسات التاريخية، وإرساء مقدمات نظرية جديدة لفهم التاريخ العربي في مختلف مراحله.

لقد أتيحت لي الفرصة لعقدين من الزمن كي ألتقيه مرات عدة استمرت حتى أواخر أيام حياته. فاستفدت الكثير من منهله الثقافي العذب، وكنت ازداد إعجاباً به كلما اكثرت من التردد اليه. وفتحت مناقشات الشيخ العلايلي أمامي آفاقاً رحبة في مجال فهم التاريخ وكتابته.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، تمتاز معالجة العلايلي للقضايا التاريخية بكثير من الدقة والموضوعية. واستند إلى مقولاته النظرية عدد من المؤرخين الاجتماعيين الذين اختاروا منهجية التاريخ الاجتماعي. وهي منهجية حديثة العهد في أيام العلايلي لكنها تشكل اليوم حجر الزاوية في الكتابة العلمية عن تاريخ العرب والاسلام في مختلف المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. رأى العلايلي أن البحث التاريخي يتوزع على أربع مراحل متعاقبة: مرحلة التجميع، وتعني جمع أكثر ما يمكن من الوثائق والمصادر الأخرى، إذ لا تاريخ بغير وثائق. ومرحلة النقد، وتعني فحص الوثائق، وتدقيق الأصول الأخرى، ومناقشة استعمال الألفاظ من حيث دلالتها الزمنية التي هي دائمة التغير. ودائماً تكون أقدم الوثائق أجدر بالاعتماد، لكنها تبعث على الشك في الزيادات التي تحتفظ بها الوثائق المتأخرة. ومن هذا يظهر كبر الخطأ الذي يقع فيه بعض المؤرخين باعتمادهم اعتماداً كلياً الوثائق المعاصرة للأحداث ونفي الزيادات نفياً باتاً متذرعين بأوهن الوسائل الأخرى. وشيء آخر في نقد الوثائق هو محاولة التوفيق بين نصوصها ما أمكن، قبل اللجوء إلى الموازنة بينها موازنة تنتهي بطرح بعض واعتماد بعض. ومرحلة التأويل، وهي أشق المراحل لأنها تقتضي تطبيقاً واسعاً للميزان التاريخي، ونفوذاً في خفايا الماضي البعيد. وهي لا تستقيم إلا للعبقريين من أعلام التاريخ. وأخيراً مرحلة صوغ الرواية التاريخية، وهي ذات أهمية كبرى لأنها الوسيلة إلى إبراز قضية التاريخ إبرازاً قوياً، يخيل إلينا معه أنه تقرير للواقع في شيء من المشاهدة والمداناة.

 

التوقيت


انت الان هنا  : Home شخصيات التأريخ ليس اجتهاداً
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة