| تصحيح الرواية التاريخية |
|
|
|
|
استند المنهج التاريخي عند العلايلي إلى سنّة التسلسل العقلي بصورة دائمة. وذلك يتطلب إعتماد أسلوب الشك في الراوي والنص بهدف تنقيته من كل ما علق به من شوائب، ودراسة البيئة والمجتمع والمنزلة التي كان يحتلها الراوي أو الإخباري، ودراسة نفسية الجماعات والمؤثرات التي تحركها، والاعتماد على قانون التطور العام في الاجتماع والمثل الأخلاقية، وضرورة امتناع الطفرة في التطور الاجتماعي. كذلك تصحيح الرواية التاريخية عن الماضي على أساس "طبائع العمران" أو ما يسميه العلايلي بمبدأ "الحاضر أداة لتفسير الماضي"، والتمييز بين ظاهرات التاريخ الطبيعية وظاهرات التاريخ الصناعية استناداً إلى مبدأ القالب العددي في التاريخ، والتمييز بين التطور والارتقاء، ورفض مقولة "التاريخ يعيد نفسه" التي أثبت العلم الحديث أنها من صنع خيال الإنسان.
وتثقفت على مقولات العلايلي النظرية مجموعة من المؤرخين الشباب الذين انتسبوا إلى مدرسة التاريخ الاجتماعي متجاوزين منهجية التأريخ للطوائف والقبائل والزعماء، فعملوا على تعرية الكتابات الطوائفية التي شوهت التاريخ. وساهم جيل المؤرخين الشباب غير المنتسبين إلى المنهج الطائفي في نشر دراسات علمية عن تاريخ لبنان والاسلام تجمع بين الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في إطار منهجية علمية جامعة تبرز تاريخ المجتمع اللبناني العربي والاسلامي بكل طوائفه وعائلاته ومناطقه. كان لمنهج التاريخ الاجتماعي غير الطائفي أثر واضح في إطلاق جيل كامل من المؤرخين الاجتماعيين اللبنانيين والعرب. فتزايدت أعدادهم في السنوات العشرين الأخيرة، وتزايد معها عدد البحوث التاريخية التي شددت على العامل الثقافي، وأثره في بروز مدن عربية ذات ثقافة عالمية، وبشكل خاص مدينة بيروت التي لعبت دوراً أساسياً في عملية التفاعل الثقافي بين الغرب الأوروبي والمشرق العربي بأكمله. وتمت الاستفادة العلمية من المعطيات التاريخية المتوافرة في الوثائق المحلية، إضافة إلى مناقشة علمية رصينة شددت على دور النخب الثقافية في عملية التفاعل الإيجابي مع الغرب، بجناحيه الأوروبي والأميركي، ومع الثقافات الآسيوية. وقدمت نماذج متميزة أكدت قدرة المؤرخين الجدد على استيعاب المقولات النظرية لمنهجية التاريخ الاجتماعي، وتطبيقها بصورة خلاقة على المجتمع اللبناني وباقي المجتمعات العربية. وأثمرت أبحاثهم بصورة مباشرة عن ولادة مؤرخين اجتماعيين تجاوزوا المرويات الطائفية وأخبار الملوك وزعماء الطوائف والقبائل إلى التاريخ الثقافي عبر رموزه البارزة وفي طليعتهم الشيخ عبدالله العلايلي. كان العلايلي منحازاً على الدوام الى الأبحاث العلمية التي تحلل القضية العربية الاسلامية انطلاقاً من موقف ايجابي اساسه الايمان الصادق بمستقبلها، ورسم معالم الطريق القويم لغد أفضل. فجيل الرواد في الحركة العربية الذي ينتسب اليه عبدالله العلايلي، عاش مرحلة التحولات الجذرية الكبرى في تاريخ العرب المعاصر. وشارك في النضال للتخلص من كل أشكال الوصاية والحماية والسيطرة والاحتلال والانتدابات وغيرها. ولم يكن هؤلاء الرواد بعيدين من المشاركة السياسية اليومية، والانخراط في كل أشكال النضال المتاحة التي تضع الافكار موضع التنفيذ العملي. وكان الشعار الثقافي الذي ظلل أعمالهم ومواقفهم أن لا قيمة للأديب او المفكر اذا لم تكن حياته العملية مرآة صادقة لنضالاته اليومية. لقد تعرف المؤرخون اللبنانيون غير الطائفيين إلى التفاصيل اليومية لمسيرة "الشيخ"، وأفردوا لها مساحة واسعة في دراساتهم. فتميزت أبحاثهم بنقد الوثائق والمصادر والمراجع الطوائفية السائدة عن تاريخ لبنان المعاصر، وقدموا فرضيات علمية تتلاءم مع المنهج العلمي الرصين الذي تعلموه من مقولات العلايلي عن المسألة اللبنانية. فساعدتهم منهجيته العلمية في فهم التاريخ وكتابته على إنجاز أبحاث تاريخية متميزة في مجال تاريخ لبنان الثقافي، حللوا فيها جوانب مختلفة من تاريخ لبنان الحديث والمعاصر بالاستناد إلى مقولات الشيخ العلايلي الثقافية بأبعادها السياسية والاجتماعية. وتوصل بعضهم إلى استنتاجات جديدة أعطتهم مكانة مميزة بين زملائهم من الباحثين الشباب الذين نشروا أعمالهم الأكاديمية فأغنوا بحق المكتبة العلمية التاريخية. واستفاد منها عدد آخر من المؤرخين العرب الذين تناولوا موضوعات تاريخية ذات صلة بالتاريخ الثقافي وعلم اجتماع المعرفة في العالم العربي. وقد اكتسبوا من مقولات العلايلي العلمية معرفة عميقة بالتاريخ الثقافي، والقدرة على تصويب المقولات الشعبوية الخاطئة، والالتزام بالموضوعية في النظر إلى النزاعات الطائفية في تاريخ لبنان. وتبنى معظمهم اسلوباً علمياً منظماً في طريقة عرض المعطيات التاريخية، وحسن تبويب المقابلات، والأسلوب العلمي التحليلي الذي استخدمه العلايلي بكفاءة عالية في تقديم النزاعات اللبنانية وتحليلها. إن مسيرة العلايلي العلمية والنضالية حافلة بالكثير من المقالات والخطب والمواقف المنشورة في الصحافة ووسائل الإعلام، والإنتاج الأدبي والفقهي الرائد الذي شكل معلماً بارزاً في تاريخ الفكر السياسي والثقافي اللبناني والعربي. لكن الاحاطة بفكره ومواقفه السياسية النضالية تتطلب الغوص في تراثه الثقافي والإبداعي والنضالي، وهو تراث كبير جداً ومتنوع. وسبق لعدد من كبار الباحثين أن كتبوا عن هذا التراث. وخصصت مجلات ثقافية أعداداً كاملة للاحاطة ببعض جوانبه. وعقدت مؤتمرات علمية متخصصة لمناقشة مقولاته العلمية ذات الطابع الريادي والتي كان لها دور أساس في تجديد الفكر العربي في جوانب عدة، وبالأخص في القضايا اللغوية والفقهية والتراثية. فقد أخذ العلايلي على عاتقه نشر ثقافة التجديد وليس التقليد. ختاماً، مع تراث "الشيخ" وأمثاله من المتنورين اللبنانيين والعرب تستعيد النخب الثقافية العربية اليوم بعض احترامها لدى الشباب العربي المنتفض. فقد ساهم الشباب في تفجير انتفاضات شعبية أسقطت رموزاً سياسية فاسدة، وملأت الساحات العربية بالملايين المطالبة بالتغيير الجذري، من دون أن تجد إلى جانبها رواداً كباراً يصوّبون مسارها النظري. فكم نحن اليوم بحاجة إلى استخلاص الدروس من مواقف العلايلي وأقرانه من رواد الإصلاح الحقيقي والتغيير الجذري في العالم العربي، وعلى كل الصعد. |