|
محي الدين بن عربي .. احب الحقيقة واتنفس الشريعة |
|
|
|
|
عبد الكاظم الامارة شهد التراث العالمي " والاسلامي خاصة " شخصيات مثيرة للجدل كثر حولها الكلام وما يزال . واذا صنفنا قائمة لهذه الشخصيات فلابد ان يكون الشيخ محيي الدين ابن عربي " 558 - 638 للهجرة " " 1164 - 1240 م " في مقدمتها . وحتى نقف على مقدار الاختلاف نذكر ان الكثير من محبي الشيخ ابن عربي يلقبونه ب " الكبريت الاحمر , الشيخ الاكبر " . اما خصومه فاقل ما يصفونه به" الزنديق ". كما توقف قسم منهم في الحكم على ابن عربي . وفي كل الاحوال فان الطبيعة المركبة والغامضة لافكار ابن عربي هي التي جعلت الاختلاف حوله واسعا . كانت ولادة ابن عربي في احدى مدن الاندلس الزاهرة " مرسيه " ينحدر من اسرة عربية ثرية جدا ومعروفة بالعلم والتقوى وقد وصل مع اسرته الى اشبيلية وهو في عور التاسعة ونظرا لثراء اسرته لم تظهر على حياته اثار التصوف في بداية نشاته فقد اختلف الى هوايات الاثرياء التقليدية مثل الصيد وجالس الشعر والاداب الا ان الحدث الابرز في حياته والذي غير مجرى هذه الحياة تمثل بزواجه من السيدة الفاضلة مريم بنت محمد بن عبدون التي غيرت في شخصية بن عربي الى حيث المعرفة والشوق الى الله ومحاولة فتح اسرار العلوم اضافة الى استعداداته الخاصة كما لا يخفى .
يذكر بن عربي انه وفي مرضه الشديد الذي اوشك فيه على الموت راى في المنام مجموعة كبيرة من الاشرار يريدون قتله وفجاة ظهر رجل جميل حمل على هذه الكائنات القبيحة والشريرة ففرق صفها وقضى عليها جميعا . ثم يسال ابن عربي هذا الرجل الجميل والقوي الذي انقذه عن هويته فيجيبه انا سورة ياسين . وعلى اثرها يستيقظ محيي الدين فيرى والده متوسدا فراشه الى جانبه يتلو بخشوع سورة ياسين على راسه . وبعد ذلك وبمعية السيدة المؤمنة مريم زوجته امن ابن عربي عميقا ان استعداداته لا تقف عند حدود الظاهر وان اعماقه الروحية بعيدة الغور وانه راها في سورة ياسين باكمل وجه . تردد ابن عربي في هذه الفترة على مدارس الاندلس وجامعاتها العامرة التي كانت تعرض مذاهب الفلسفة الاغريقية والهندية بما فيها الاشراقيات . الا ان ذلك لم يرو عطش ابن عربي للمعرفة فعكف يقرا القران الكريم حتى نال " اكبر قدر من الاسرار " . اتضحت صورة ابن عربي في هذه الفترة بوقوفه على احوال الدول من فارسية واغريقية وحياة النساك فيها والطريق الموصل بين هؤلاء وبين ما زخر به القران الكريم من طرق الى الله ليست معهودة . ويروي ابن عربي في هذه الفترة نفسه واقفا امام عظمة العرش الالهي وان طائرا جميلا يحلق حول العرش ويامره بالذهاب الى الشرق . وهذه اللقطة من الرمزيات التي استخدمها ابن عربي كثيرا خاصة في ابرز كتبه على الاطلاق " الفتوحات المكية " . بين الشرق والغرب توجه ابن عربي من اشبيلية الى مدينة فاس وجال في رحلة على مدن المغرب العربي ثم اتجه من فوره الى الشرق واستقر فيه حتى وفاته فقد زار مكة المكرمة والقاهرة والموصل وبغداد التي التقى فيها الصوفي الشهير السهروردي ثم زار حلب ودمشق وتركيا عائدا مرة اخرى الى دمشق التي اقام فيها حتى وفاته ودفنه عند جبل قاسيون في المدينة . وفي مكة المكرمة تزوج ابن عربي من ابنة شيخ ايراني كان في مكة . وكانت هذه الاسرة التقية معجبة بافكار الشيخ ابن عربي وقد اثمر هذا الزواج اعظم دواوين الشعر الاشراقي العربي والعالمي هو ديوان " ترجمان الاشواق " الذي ضمنه ابن عربي حبه لزوجته التي تدعى نظام من خلال حبه لله ولاياته في الكون . مذاهب شتى حتى اليوم يختلف الباحثون والاكاديميون حول مذهب ابن عربي . فمثلما احتار فيه القدماء ما يزال يشكل حيرة للمحدثين والمعاصرين . وتشن مواقع التكفير الوهابية حملات يومية على الشيخ متهمة اياه بتبني مذهب الحلول والاتحاد . علما ان ابن عربي نفسه قال عن مذهبه اكثر من مرة : " من قال بالحلول فدينه معلول ومن قال بالاتحاد الا اهل الالحاد " . وكان يردد دائما ان " الحكم نتيجة الحكمة والعلم نتيجة المعرفة فمن لاحكمة له لا حكم له ومن لا معرفة له لا علم له " . ولم يجاوز ابن عربي اساسيات العقيدة الاسلامية في مضانها الكبرى . وقد انطلق من رؤية كونية للانسان تجسيدا لقوله تعالى " اني جاعل في الارض خليفة " . وفي كتابه الفتوحات المكية يتحدث ابن عربي عن الانسان الذي يجمع العالم في نفسه : " فالعالم انسان كبير والانسان عالم مختصر " . كما ان الانسان " مخلوق تولد من تزاوج الروح الكلي والطبيعة الكلية فالروح ابوه والطبيعة امه " . يتحدث الشيخ ابن عربي في موضع اخر من الفتوحات عن الامل بالامام المهدي المنتظر : " اعلم ايدنا الله ان لله خليفة يخرج وقد امتلات الارض جورا وظلما فيملؤها قسطا وعدلا ولو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد طول الله هذا اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ومن ولد فاطمة يواطئ اسمه اسم رسول الله " . تجاوز ابن عربي الانغلاق الذي عاشته الفترة الصعبة التي عاصرها خاصة مع استمرار الحروب الصليبية وبداية الزحف المغولي على الشرق الاسلامي . اثر ابن عربي في الفكر الفلسفي والصوفي والعرفاني الاسلامي والغربي بدرجة واسعة . وينظر اليه انه الجسر الذهبي الذي ردم المسافة القلقة بيم جانبي المتوسط . وينظر العلماء والمدققون الى تاثيره الواضح في فلسفة رايموندو لوليو ودانتي وفي الفلسفة التاوية الصينية وفي الفيلسوف الشهير اسبينوزا والفيلسوف لايبنتز . صنف ابن عربي اكثر من 900 كتاب ورسالة اهمها على الاطلاق كتابه الاشهر " الفتوحات المكية " الذي استغرقت كتابته اربعين سنة ويعد دائرة معارف ضخمة وعملاقة رغم الكثير من الغموض والتعقيدات في مصطلحاتها واسرارها . تاثر ابن عربي كثيرا بالامام علي عليه السلام ومدرسة اهل البيت حتى حسبه كثيرون من اتباع هذه المدرسة العظيمة . لخص ابن عربي فلسفته في ابيات من الشعر يقول فيها الا يا حمامات الاراكة والبان قد صار قلبي قابلا كل صورة فبيت لاوثان وكعبة طائف. |