مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

قصتي مع "جابر بن حيان" PDF طباعة أرسل لصديقك

د. نضال الصالح

كنت أمس جالسا مع بعض الأصدقاء العرب في قهوة وسط المدينة حين تقدم مني شاب سلوفاكي وفي يده كتاب لي طلب توقيعي عليه. عندما أخبرني عن أسمه وهممت بإهداء الكتاب له خطر لي أن هذا الاسم ليس غريبا علي فسألته إن كان فلانا يقربه أم أنه اسم على مسمى. أخبرني بأن من سألت عنه هو والده. دعوته إلى الجلوس إلى طاولتنا مضيفا أن والده كان مدرسي في الجامعة وأن لي معه قصة ظريفة، فطلب مني سردها.
كان والده رئيس قسم الكيمياء في كلية الصيدلة السلوفاكية حيث كنت طالبا فيها. لقد قام بامتحاني في الكيمياء العامة وكان يشتهر بشدة تعامله مع الطلبة الممتحنين ويحاسب على أي خطأ، وكثيرا ما كان يطرد الطلاب من الامتحان لأبسط الأخطاء في الإجابة على أسئلته.

أذكر أنني دخلت مكتبه وقت الامتحان، قدم لي يده مصافحا، ثم قدم لي مجموعة من البطاقات وطلب مني اختيار واحدة منها فاخترت. كان في البطاقة ثلاثة أسئلة، جلست دقائق أكتب ملاحظاتي تحضيرا للإجابة، ثم أخذ يسألني مجموعة من الأسئلة، وكنت أجيبه عليها، وكنت ألمح على وجهه علامة الرضى. بعد أن انتهينا من الأسئلة والأجوبة أشار إلى صورة معلقة على الحائط، وسألني من يكون صاحب الصورة. كانت الصورة لرجل شرقي الملامح، يلبس على رأسه عمامة تغطي رأسه ورقبته وجزء من كتفيه. ظننت للوهلة الأولى أنها صورة لابن سينا ولكنني تداركت حين قرأت تحت الصورة الاسم باللغة السلوفاكية "جابر بن حيان" فأخبرته بذلك.
أخذ البروفسور يمتحن معلوماتي عن ابن حيان ولم تكن في ذلك الوقت واسعة، فكل ما كنت أعرفه عنه أنه من أشهر الكيميائيين العرب. سألني عن كتبه فسميت له كتاب "الخواص" ولم أتذكر غيره ولم أكن أعرف محتواه. أخذ البروفيسور في تسمية عشرات الكتب لابن حيان في الكيمياء وفي مختلف العلوم الطبيعية، كنت أجهل معظمها. سألني عن اختراعاته واكتشافاته فلم أتذكر أي شيء منها، مع أنني كنت أعرف بعضها. لقد تلعثمت وأغلقت المفاجأة عقلي. نظر إلي باستغراب وأخذ يعدد بعض اختراعات ابن حيان:" إنه أول من استحضر "حامض الكبريتيك" واستحضر "حامض النتريك"، وهو أول من أكتشف "الصودا الكاوية"، وكربونات الصوديوم، وكربونات البوتاسيوم، ودرس خصائص الزئبق ومركباته وأستحضرها". تابع البروفيسور في جرد قائمة منجزات واختراعات ابن حيان وأنا صامت غارق في عرقي و أنظر إليه فاغرا فاهي كأنما أصابني البله.
أخذ البروفيسور كتيب الامتحانات، كتب تاريخ الامتحان والمادة التي امتحنني فيها، ثم نظر إلي وقال: " كانت أجوبتك في الامتحان ممتازة وتستحق عليها تقدير ممتاز ولكنني سأعطيك تقدير جيد، فقط لجهلك بواحد من أهم العظماء في تراثكم العربي، وهو إلى جانب ذلك كيماوي وأبن صيدلي وكزميل لك وأحد مواطنيك كان عليك أن تعرفه معرفة جيدة، فلقد كان أشهر الكيمائيين العرب ومن أشهرهم في العالم في ذلك الزمان. نظر إلى الكتيب مدة من الزمن ثم كتب مقابل التقدير كلمة "جيد"، وقع صفحة الامتحان وأعاد الكتيب لي، ثم صافحني وودعني قائلا:" إذهب إلى مكتبة الجامعة فهناك عدد من الكتب عن جابر بن حيان، أستعرها وطالعها. خرجت من عنده وعرق الخجل ينصب مني، ومنذ ذلك اليوم أصبحت صديقا وفيا لابن حيان أبحث عن أخباره وأطالع كل ما تقع يدي عليه من الكتب والدراسات التي كتبها أو كتبت عنه .
سألني أحد الجالسين:" من هو جابر هذا الذي تحدثت عنه؟" قلت له، إنه جابر بن حيان. قال: " أنا لم أسمع به." سألته بشيء من الحدة والاستغراب: " ألا تعرف جابر بن حيان، الكيميائي العربي المشهور، الذي كان ملك الكيمياء في زمانه؟ قال" لا، لا أعرفه"، ثم أضاف وماذا يفيدني لو عرفته، وماذا يضرني لو جهلته؟ ثم أجاب بنفسه على كلا السؤالين بالنفي وأضاف: " جميعها خراريف قديمة لا تسمن ولا تغني من جوع.”
لقد كتبوا عن جابر بن حيان كثيرا وعن كل جوانب أعماله، وأعترف أنه ليس بحوزتي ما أضيفه لما كتبوا ولكن مقالي هذا هو فقط للتذكير برجل عظيم من رجالنا الأوائل، لعل أحد الجاهلين بهذه الشخصية العبقرية يقرأ مقالي فيعلم أن تراثنا ليس ركاما من الكتابات التقليدية وحسب، وإنما يحتوي على أعمال رجال عظام عرفهم العالم وقدرهم ويحتفظ بكثير من مخطوطاتهم في مكتباتهم، وأننا قادرون على أن نمشي في خطاهم وأن ننتج مثلهم أعمالا وعلوما عالمية وأن نشارك في بناء الحضارة العالمية.
ولد جابر بن حيان حسب أشهر الروايات في سنة 101 هـ/721 م وقيل أيضاً 117 هـ / 737 م، وقد اختلفت الروايات على تحديد مكان مولده فمن المؤرخين من قال بأنه من مواليد الجزيرة على الفرات شرق سوريا، ومنهم من قال أنه ولد في مدينة حران من أعمال بلاد ما بين النهرين في سوريا، ويذهب البعض إلى أنه ولد في مدينة طوس من أعمال خراسان في إيران.
يحدثنا المؤرخون أن والده حيان بن عبد الله الأزدي قد هاجر من اليمن إلى الكوفة في أواخر عصر بني أمية، وعمل في الكوفة صيدلانياً وبقي يمارس هذه المهنة مدة طويلة، إلى أن هاجر، وذلك لارتباط عمل، إلى حران أفي أعالي بلاد ما بين النهرين، وفي حران ولد جابر بن حيان. رجعت عائلة جابر بن حيان بعد حين إلى الكوفة، وتعلم جابر وأقام في الكوفة وتوفي فيها وقد جاوز التسعين من عمره. ويقول هولميارد في كتابه صانعوا الكيمياء أن نسب جابر يرجع إلى قبيلة الأزد التي نزحت من جنوبي الجزيرة العربية إلى الكوفة واستوطنت هناك.
إنظم جابر إلى حلقات الإمام جعفر الصادق (ع) وتلقى علومه الشرعية واللغوية والكيميائية على يد الإمام (ع) وقيل أنه درس أيضا على يد حربي الحميري. ولم يخل معظم مؤلفات جابر من ذكر جعفر الصادق وكثيرا ما كان يشير إليه "بسيدي" وكان يعتقد بإمامة جعفر (ع) والرجوع إليه في معظم معتقداته وعلومه.
لقد استقبل جابر في بلاط الرشيد بحفاوة بالغة وكانت صلته بالبرامكة قوية وبعد محنتهم غضب الرشيد عليه فاضطر إلى الاختفاء والعيش متنقلا في البلاد وقيل أنه سجن في الكوفة. لقد تعرض جابر في حياته وفي مماته لخصومات سياسية ومذهبية إلى جانب الشخصية من جانب من حسدوه على علمه وموقعه، ولقد تركت هذه الخصومات جرائرها تعمل في آثاره العلمية تضييعا وتحريفا وتشكيكا. والمعروف أن جابرا ترك مئات الكتب من تأليفه معظمها في العلوم الطبيعية والطب والكيمياء، ولم يصلنا منها سوى القليل الذي لا يزيد عن ثمانين رسالة وكتابا، فقد ضاع أكثر كتبه، وبقي بعضها مخطوطات تحتفظ بها عدة مكتبات أوروبية، ولقد ترجم بعضها إلى اللاتينية. ومن كتبه التي وصلت إلينا كتاب " الخواص الكبير"، ويرى هولميارد أنه أهم كتب جابر. ويقول جابر في المقالة الأولى لهذا الكتاب أن جملة ما كتبه في الخواص واحد وسبعون كتابا، منها سبعون كتابا ترسم الخواص وكتاب واحد يعرف بخواص الخواص. وقد أدخل جابر في الكيمياء ما أطلق عليه "علم الموازين" وألف في هذا العلم عدة كتب معروفة، ولقد بين فيها ما في المعادن من طبائع وجعل لكل من الطبائع ميزانا، ولكل جسد من الأجساد موازين خاصة بطبائعه. وفي كتاب "التجميع" يوازن بين النبات والحيوان من حيث الطبائع. وفي موضوع الخواص والموازين، يبحث خصائص الأشياء وحدودها، ويبني موازين الأشياء على أساس هذه الخصائص. وفي كتاب "الحدود" يقسم العلوم عامة إلى قسمين: علم الدين وهو علم الأفعال المأمور بإتيتنها للصلاح فيما بعد الموت، وعلم الدنيا وهو علم جميع ما في عالم الكون من الحوادث، الضارة والنافعة، بأي وجه كان ذلك فيها.
لقد اشتهر جابر بعلم الكيمياء حتى أقترن هذا العلم باسمه، وبقيت جامعات أوروبة حتى القرن الخامس عشر لا تعرف مراجع تدرس في علم الكيمياء إلا كتب جابر بن حيان. ولقد كان له أثر كبير في تطوير الكيمياء الحديثة. وفي هذا يقول ماكس مايرهوف : يمكن إرجاع تطور الكيمياء في أوروبا إلى جابر ابن حيان بصورة مباشرة. وأكبر دليل على ذلك أن كثيراً من المصطلحات التي ابتكرها ما زالت مستعملة في مختلف اللغات الأوربية. ولم يقف جابر عند الآراء النظرية فقط، وإنما دخل المختبر، وأجرى التجارب وربط الملاحظات على أسس علمية. لقد كان جابرا شخصية فذة، جمعت بين الحكمة والفلسفة والطب والمنطق والتصوف، إلى جانب علم الصنعة ويستحق منا أن نفخر به وأن نقتدي به حتى نكون أعضاء عاملين في موكب الحضارة العالمية.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home شخصيات قصتي مع "جابر بن حيان"
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة