| وول ديورانت .. للحضارة قصة تســـــتحق أن تروى |
|
|
|
|
حسين فاضل الجوراني لا يمكن لمثقف أو دارس أو شغوف بالمعرفة لا يمر على الموسوعة الشهيرة بل الأشهر "قصة الحضارة" لمؤلفها ويل ديورانت وزوجته. ورغم ان اسم ديورانت ارتبط بهذا المؤلف الضخم والعملاق إلا ان لديورانت قصص وحكايات تستحق فعلا ان تروى وان يطلع عليها العراقيون والعرب ليعرفوا قيمة الانجاز وحلاوة التحقق ومعنى الإصرار في مجتمعات تحترم العلم والمعرفة وتشجع عليها وتدعمها بأقصى ما تستطيع. قصة الفلسفة ربط ديورانت في تفكيره ومحاضراته بين الفلسفة والتاريخ ربطا عضويا جميلا ومغريا. وبعد ان لاقت محاضراته نجاحا غير مسبوق قرر ان ينشر كتابا مستمدا في اغلبه من هذه المحاضرات اسمه "قصة الفلسفة". ولهذا الكتاب وظروفه حكاية لابد ان تعيها الأذن العربية والعراقية وتستفيد منها. فقد لاقى هذا الكتاب انتشارا كبيرا وقد عاد على مؤلفه بواردات مالية مكنته من التخلص مما كان يثقل عليه في عمله في الجامعة. فتحرر من هذا العمل وشرع في تأليف قصة الحضارة الذي استمر في تأليفه أكثر من ثلاثين سنة معتمدا في معاشه كل هذه الفترة بصورة رئيسة على ورادات كتاب قصة الفلسفة. وما يزال هذا الكتاب يلقى رواجا في العالم اجمع وقد ترجم إلى اللغة العربية مرتين. ولا تكاد تخلو مكتبة من المكتبات العامة والخاصة منه. وبعد تأليف قصة الفلسفة كتب ديورانت ما يمكن اعتباره تدوينا لرحلته الفكرية وقلقه المعرفي عندما اصدر كتابا بعنوان "التحول". تحدث ديورانت في هذا الكتاب عن ضيقه وبرمه بالتفكير المقولب وشغفه بمعرفة حياة البشر على حقيقتها خاصة من قبل العظماء والقادة التاريخيين الكبار. وبعد ذلك بثلاث سنين تقريبا اصدر كتابا رائعا هو الآخر بعنوان "مباهج الفلسفة". حاول في هذا الكتاب ان يقرب المفاهيم الفلسفية بطريقة أدبية رائعة إلى القارئ العام. واستمرت مغامرة ديورانت في الكتابة عن الشخصيات النافذة والمؤثرة عندما كتب بعد هذا الكتاب "مغامرون في بحار العبقرية". ثم تفرغ بعد ذلك وزوجته لأكبر مشاريع التأليف في العصر الحديث عندما وضع ديورانت قصة نابضة شيقة للحضارة في 39 مجلدا. وقد وعد قراءه ان يحرر كتابا في أعقاب إتمامه لقصة الحضارة بعنوان "عظات التاريخ" وقد كتب ذلك الكتاب فعلا. ثم كتب بعد ذلك كتابا آخر وفاءا لزوجته التي شاركته هذه المسيرة الطويلة بعنوان "سيرة حياتنا". وقد وضع اسم الزوجة على الأجزاء الأخيرة من كتابه قصة الحضارة. وقبل ان يغادر هذه الدنيا الفانية عام 1981 وقبل بلوغه مائة سنة مارس ديورانت هوايته في مداعبة أبطال التاريخ وتكريمهم فكتب آخر كتبه بعنوان "أبطال من التاريخ" وكأنه أراد ان يودع هؤلاء الذين أحبهم واعتبر وجودهم ضروريا في كل عصر ومصر. قصة للحضارة يعتبر العمل الذي وصغه ديورانت في توثيق الحضارة الإنسانية بهذا الأسلوب الشيق والجميل بمثابة العمل الخارق في المقاييس البشرية والتاليفية. لقد داعبت فكرة كتابة تاريخ منظم للإنسانية الكثير من الفلاسفة على مدى التاريخ. إلا ان مهمة عسيرة مثل هذه لم ينهض بها على وجه من الدقة والكمال سوى ديورانت. فقد كتب قبله ارنولد توينبي كتابا ضخما بعنوان "دراسة التاريخ" كما كتب المؤرخ الانكليزي الشهير هـ.ج.ويلز كتاب "معالم تاريخ الإنسانية". وصدرت كذلك موسوعة جماعية ضمها كتاب "تاريخ العالم" بمجلدات سبع كبيرة إضافة إلى موسوعة "تاريخ الجنس البشري" الذي تم إعداده من قبل اليونسكو. يضاف إلى كل ذلك كتاب "تاريخ الحضارات العام" بسبع مجلدات وهو نتاج جهود جماعية أيضا. كما عرف التأليف العربي والإسلامي جهودا رائعة في العمل الموسوعي وقدم أفذاذا في هذا السبيل مثل الطبري وابن قتيبة. وفي العصر الحديث قد شيخ ناحل لم يسمع به احد إلا لمام اسمه اغابزرك الطهراني جهودا خارقة في مجال التأليف الموسوعي المنظم. سر قصة الحضارة اعتقد ان أهم أسرار نجاح مجلدات قصة الحضارة هو الروح والأسلوب الذي "انتاب" المؤلف والطريقة التي كتبت خلالها أحداث العالم منذ فجر التاريخ حتى الحوادث الأخيرة لعصر نابليون. يشكل الكتاب صورة نابضة لحياة الإنسانية في صعودها وهبوطها، أفراحها وأحزانها. ومن الميزات الأخرى التي تحلى بها المؤلف انفتاحه على جميع الحضارات الإنسانية. فلم تكن لديه هذه النزعة العنصرية أو النوايا المسبقة لبعض المستشرقين فانطلق يكتب موسوعته وقد حدد لنفسه هدفا بقوله في الجزء الثاني عشر "ان الغرض الذي أبغيه من تأليف هذا الكتاب هو ان اعرض قصة الحضارة كاملة بعيدة عن الهوى بقدر ما تسمح به الطبيعة البشرية، أما الطريقة التي اتبعتها في تأليف فهي النظر إلى التاريخ كله عل انه وحدة شاملة يكمل بعضه بعضا. لم يركز ديورانت "وهذا سر آخر من أسرار النجاح" على الحروب ومفاخر القادة الذين أحبهم بل غاص في النشاطات الإنسانية محيطا بالنواحي القانونية والاقتصادية والدينية والعلمية وكل الجوانب مارس الإنسان خلالها رغباته بنجاح وفضيلة أو بفشل وانحطاط. أما قيمة التسامح والنظر باحترام إلى الحضارات والديانات الأخرى فيمكن اعتبار ديورانت رائدا إنسانيا رائعا ورائدا من رواد الكتابات الموثقة علميا والمبراة علميا من الهوى والتحيز. كتب ديورانت عن النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم) في قصة الحضارة الجزء 13: "يبدو ان أحدا لم يعن بتعليم محمد (ص) القراءة والكتابة ولم يعرف عنه انه كتب شيئا بنفسه ولكن هذا لم يحل بينه وبين قدرته على تعرف شؤون الناس تعرفا قلما يصل إليه أرقى الناس تعليما". ويقول في نفس الجزء ص38”" كان النبي ( ص) من مهرة القادة بالإضافة إلى هذا سياسيا محنكا يعرف كيف يواصل الحرب بطريق السلم". وفي نفس الجزء ص 47 يتحدث ديورانت عن النبي الأعظم بقوله: "إذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من اثر في الناس قلنا ان محمدا (ص) كان من أعظم عظماء التاريخ فلقد اخذ على نفسه ان يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحا لم يداينه فيه مصلح آخر في التاريخ كله. وقل ان نجد إنسانا غيره حقق ما كان يحلم به.... الخ". ويصف السياسة الاقتصادية للنبي محمد (ص) بقوله: "لسنا نجد في التاريخ كله مصلحا فرض على الأغنياء من الضرائب ما فرضه عليهم النبي محمد ص لإعانة الفقراء ". بهذا النفس والتفكير نظر ديورانت إلى تاريخ الشعوب والديانات متخففا من العنصرية والنظرة الاستشراقية الضيقة. مايزال ديورانت في كتبه الرئيسة وخاصة قصة الحضارة حاضرا في ارفع الأكاديميات العالمية ومترجما إلى جميع لغات العالم تقريبا. وأنا شخصيا ”وعذرا من كلمة أنا" لا استطيع في كل مراحل دراستي وبحوثي الاستغناء عن رفيق المعرفة ديورانت الذي تسكن حروفه بهجة المعرفة وصرامة المنهج وأخلاقية التقييم.
|