|
بن فضلان .. سفير العراق الى اوربا |
|
|
|
|
سهر العامري لم يعرف الرحالة العراقي أحمد بن فضلان في أدب الرحلات عند العرب، مثلما عرف الرحالة المغربي ابن بطوطة عندهم مثلا، لكنه اشتهر في أوربا أكثر من أية رحالة عربي آخر، فرسالته المعروفة باسم: رسالة ابن فضلان قد ترجمت ترجمات كثيرة إلى لغات أوربية عديدة، مثل الانجليزية، والألمانية، والروسية، والسويدية وغيرها، وربما ترجمت في اللغة الواحدة أكثر من ترجمة، كما تناولها في البحث والتقصي أكثر من باحث في أكثر من بلد من البلدان الأوربية، ودارت الدراسة حولها عبر المحيط الأطلسي، وتحديدا في الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد اكتسبت رسالة ابن فضلان شهرتها في أوربا من موضوعها الذي تحدث فيه عن أحوال شعوبها في فترة من أحلك فترات الظلام التي كانت تعيشها تلك الشعوب، وأعني بها مطلع القرن العاشر الميلادي الذي كان واحدا من القرون الوسطى المثقلة بالتخلف والانحطاط، والذي لم يكن لهم ما يؤرخ لتلك الفترة غير كتابات الجغرافيين، والرحالة العرب والمسلمين، ويأتي ابن فضلان في الريادة من هؤلاء. لقد كانت رسالة ابن فضلان تندرج فيما يسميه العرب بأدب الرحلات، والتسمية هذه لا تجانب الحقيقة، فالكتابة في هذا اللون من ألوان الأدب تقترب من كتابة القصص بمفهومها القديم عندهم، ذلك المفهوم الذي يقترب من مفهوم العمل الروائي الذي عرفه الكتّاب العرب في الزمن القريب، متأثرين بغيرهم من كتّاب القصة والرواية في أوربا الحديثة، رغم أن رسائل، كرسالة ابن فضلان وما يشاكلها، قد عرفها تاريخ الأدب العربي منذ أزمنة بعيدة، وتأتي رسالة الغفران التي كتبها الشاعر أبو العلاء المعري، ورسالة حي بن يقظان لابن طفيل في مقدمة هذه الرسائل، يضاف إلى هذه الرسائل لون آخر من ألوان الأدب القصصي هو أدب المقامة الذي عرف عند بديع الزمان الهمذاني، وعند الحريري كذلك، وما ترجمه عبد الله بن المقفع منه إلى العربية من حكايات في كتاب: كليلة ودمنة، وما أبدع منها العراقيون زمن ابن فضلان في كتاب: ألف ليلة وليلة. ولكن رسالة ابن فضلان تتميز عن كل ذلك بأنها تحدثت عن واقع عاشه كاتبه عن كثب، وكتب من خلاله عن أقوام، وحواضر، وطرق عيش متباينة، وعلاقات اجتماعية مختلفة، وأساليب حكم متخلفة.. الخ، وهذا ما يجعل الرسالة في موضوعها تقترب مما يسمى في زمننا الحالي بالدراسات السكانية،Anthropology ولكن ابن فضلان حرص على كتابة دراسته تلك بأسلوب قصصي، وعلى اختصار كبير، واصفا ما رآه، وما صادفه، وهو في طريقه إلى ملك البلغار، رسولا من قبل الحاكم المقتدر بالله الذي بويع بالخلافة في بغداد سنة 295هـ. كما أنه واصل وصفه القصصي هذا كذلك للعثار الكثيرة التي اعترضت طريقه غير ما مرة، والتي كادت أن تودي به، وبمن معه في هلاك أكيد، فالريح كانت باردة، زمهريراً، وكان الجو قارصا يتجمد الماء فيه على لحيته، مثلما كان الغرق يتهدد الدواب الكثير الذي يحمل هدايا الحاكم المقتدر بالله إلى ملك البلغار، المش بن يلطوار، ذلك الدواب الذي كان يخوض في ثلوج، ومياه الأنهار العديدة، والذي زاد عدده على ثلاثة آلاف دابة، يرافقه خمسة آلاف رجل من رجال بعثة الحاكم في بغداد، كان بعضهم غير مأمون الجانب، يضاف لكل ذلك مشقة الطريق ووعورته، وقطاع الطرق وغدرهم، هذا مع استغراق هذه الرحلة مدة طويلة بلغت في الذهاب أحد عشر شهرا، إذ أنها قد بدأت التحرك من بغداد في يوم الخميس، المصادف 21 من شهر حزيران سنة 921م، وانتهت عند مملكة ملك البلغار، قريبا من ضفاف نهر الفولغا في يوم الأحد المصادف 11 أيار سنة 922م. لقد ظلت رسالة ابن فضلان، بعد ذلك، مجهولة للناس في البلدان العربية في زمننا القريب هذا، رغم أن بعض الجغرافيين، والرحالة العراقيين والعرب ممن جاءوا بعد ابن فضلان قد نقلوا عنه صفحات كثيرة منها، مثلما فعل ياقوت الحموي ذلك في مؤلفه الشهير، معجم البلدان، لكن المستشرقين الغربيين هم أول من اهتم بها في العصر الحديث اهتماما ملفتا وكبيرا، وكان ذلك في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، ومع هذا لم يعثر على مخطوطة الرسالة الوحيدة للساعة، والموجودة في خزانة المخطوطات بمدينة مشهد الإيرانية إلا في سنة 1924م. في رسالته تلك كتب ابن فضلان عن مجموعة من الأقوام الذين مرّ عليهم في رحلته الطويلة، وقد كان العجم و الأتراك (التركمان) أول من كتب عنهم، مفردا لهم عنوانا خاصا بهم في رسالته، مثلما فعل مع غيرهم كالصقالبة الذين خصهم الحاكم المقتدر بالله بمعونته تلك، والذين يعتقد أنهم هم البلغار أنفسهم، أو مثلما فعل ذلك مع الروسية، والخزر. وإذا لم يكن قد وقع لبس كبير في تحديد هوية اغلب هؤلاء البشر الذين كتب عنهم ابن فضلان فإن لبسا كهذا قد وقع في تحديد هوية (الروسية) الذين أفرد هو لهم فصلا خاصا بهم، مثلما أسلفت، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أنهم من الأقوام المعروفة في زمنه، والذين يشغلون حيزاً مهماً من تلك الأرض البعيدة التي وطأتها أقدامه. فهل كان ابن فضلان يعني بالروسية الروس الذين ينحدرون من القومية السلافية أم أنهم قوم آخرون غيرهم لحقتهم هذه التسمية؟ وجوابا على هذا السؤال أقول: لقد ظن البعض ممن كتب عن تلك الرسالة أن ابن فضلان كان يعني بهم الروس السلافيين، سكان ما هو معروف اليوم بروسيا (الاتحادية)، ولكن كل الدلائل تشير إلى أن ابن فضلان كان يعي تماما أنه كان يكتب عن قوم آخرين هم سكان الشمال، أي سكان ما يعرف اليوم بالدول الاسكندنافية، وعلى وجه الخصوص سكان السويد، وتحديدا هم أولئك البشر من السويديين الذين ينحدرون من بين أهم القبائل السويدية العريقة، والمعروفة بـ(Svearerna) والتي استوطنت الإقليم الأوسط- الشرقي من السويد، المعروف بـ(Svealand)، وهي ذات القبيلة التي منحت اسمها لدولة السويد القائمة اليوم، حيث تسمى السويد بلغة أهلها بـ (Sverige)، ويبدو أن قرب مواطن هؤلاء القوم من الضفة الشرقية الأخرى لبحر البلطيق هو الذي سهل عليهم الانتقال إليها في العصور الوسطى، وعلى زمن ما يعرف في تاريخهم بزمن القراصنة (Vikingarna)، حيث استولوا هناك على مدن استخدمت، فيما بعد، كمحطات للسلب، والتبادل التجاري ما بين سكان دول الشمال الاسكندنافية من جهة، وبين بغداد واسطنبول من جهة ثانية. لقد عرفت واحدة من هذه المدن باسم هو: (G?rdarike) التي يعتقد أنها هي مدينة:Novgorod الحالية في روسيا الاتحادية، والتي تقع على بعد مئة وخمسين كيلو مترا إلى الجنوب الشرقي من مدينة سانت بطرسبورغ الروسية المعاصرة، ولفظها يعني: مملكة البيع في معنى من معانيه في اللغة السويدية، ويعتقد كذلك أن الناس في روسيا هم الذين أطلقوا على القراصنة من التجار، أو من قطاع الممرات المائية، القادمين من الدول الاسكندنافية، وبخاصة من السويد، لفظ (Rus) وتجمع في اللغة السويدية على صيغة (Ruserna)، وقد تتبعت أنا الأصل الذي جاءت منه هذه الكلمة، فعثرت عليه في كتاب: familjebok Nordisk وهو كتاب بين القاموس، وبين الانسكلوبيديا، ووفقا لما هو مدون فيه يكون البناء الأول لتلك الكلمة يُرد إلى كلمة (Rhos) التي أطلقها اليونانيون على تشكيل عسكري من خمسمائة رجل من سكان الدول الاسكندنافية الذين كانوا يسمونهم بالفرنجة كذلك، وذلك حين ضمهم القيصر إلى فرقة عسكرية قام بتشكيلها لحمايته. ومنذ بداية القرن التاسع عشر الميلادي ظلت الكلمتان تطلقان سوية على الاسكندنافيين، كما أن كلمة (Rhos) تُرد إلى أصلين هما: الكلمة السويدية (rodd) التي تعني التجذيف، إحدى وسائل القراصنة في البحار، أو للكلمة الفنلندية (Ruotsi) التي تعني السويديين عامة. ويصف المصدر المذكور سلاح الواحد من هؤلاء القراصنة بذات الوصف الذي وصفه به ابن فضلان في رسالته، وهو الفأس، والسيف، والسكين، كما أن صلابة بناء أجسادهم، وطول قاماتهم التي وصفها ابن فضلان بطول النخيل تدل على أنهم احترفوا القتال، وخاضوا غمار الحروب إلى جانب التجارة التي كانت تدر عليهم ربحاً وفيراً، دفعهم إلى المغامرة بركوب البحار، ومن ثم السير على اليابسة، فالأنهار الطويلة ذات المنحدرات المائية الخطرة، مثلما هي الحال مع تيارات المياه في نهر الدنيبر المنحدر نحو البحر الأسود جنوبا، مستخدمين في رحلاتهم التجارية تلك السفن المصنوعة من خشب الأيك الصلب، والخفيف في آن واحد واسطة لتنقلهم هذا، والملاحظ أن كلمة الأيك Ek العربية هذه ما زالت تعيش بلفظها في اللغة السويدية، وتطلق على ذات الشجر الذي يأتي منه أجود، واخف أنواع الخشب الذي يعتبر مصدرا مهما، وثرا من مصادر الدخل القومي في السويد، وما شركة بيع الأثاث المنزلية السويدية المعروفة بـ(Ikea) التي غزت أسواقها بلداناً كثيرة، بما فيها بعض الأسواق العربية، إلا دليل على أهمية صناعة الخشب كأحد مصادر ذلك الدخل. كانت سفينة القراصنة، الذين التقاهم ابن فضلان في مدينة أتل عاصمة ملك البلغار الواقعة على مقربة من ضفاف نهر أتل (الفولغا)، في التواء قرب مدينة قازان، وهو ينحدر جنوبا نحو بحر قزوين، تشبه إلى حد بعيد بتصميمها وشراعها سفينة الاهوار في جنوب العراق المسماة بالمهيلة، والتي أخذت هندسة بنائها من تصاميم عراقية تُرد إلى العصر السومري، إلا أنها تختلف عنها بكثرة المجاذيف على جانبيها، والتي يعمل عليها أكثر من أربعين إلى خمسين ملاحا، وسبب خلو سفينة الأهوار من المجاذيف عنها في سفينة القراصنة يرد إلى ضحالة مياه الهور التي تتطلب مردياً وليس مجذافا، وعلى عكس مياه البحر العميقة التي تتطلب المجداف، ولا تتطلب المردي، ويبدو أن القراصنة كانوا يطلون سفنهم بزيت سمك الحوت، مثلما كان يفعل العراقيون القدماء ذلك مع سفنهم منذ عهود بعيدة خلت، وتعمد شركات البناء في السويد اليوم إلى طلاء الأسيجة الخشبية لحدائق البيوت التي تبنيها بذات المادة، وتعيد طلاءها ثانية بها بعد مرور عشر سنوات على زمن الطلاء الأول. |