مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

حين تعبث السياسة بالعلم PDF طباعة أرسل لصديقك
لطيف عمران التميمي
من علامات التطور في الدول الراقية رعاية العلماء والموهوبين. ان ذلك لا يشكل امتيازا او منة من الدولة بل يعتبر من صميم واجباتها خاصة اذا كانت الامور في الدولة تسير سيرا ملائما وطبيعيا باتجاه النمو والترقي.
والمجتمعات المتخلفة تفرط بعلمائها وموهوبيها كما تفرط بثرواتها وبتاريخها. فمنطق التفريط واحد وسببه دائما ضعف شرعية القوى السياسية الحاكمة وعدم تعبير هذه القوى عن حاجات وتطلعات المجتمع.
وبدون شك مثل النظام المقبور مشكلة كبيرة امام نمو حركة وازدهار علماء ومفكري العراق. ان الطريقة المعتادة في عمل النظام ازاء علماء العراق اما الاحتواء او القتل. وليس بعيدا عن الذاكرة ما اقترفه النظام من جريمة اعدام المفكر الاسلامي الكبير محمد باقر الصدر.
ان عشرات العلماء والمفكرين من العراق تمت مصادرة موهبتهم في ظل نظام يخشى العلم والموهبة والابداع.
ونحاول في السطور التالية الالمام بحياة احدى الشخصيات العلمية وقد طواها النسيان رغم انه قد توفي في فترة قريبة نسبيا.
العالم العراقي الدكتور محمد حمزة الدجيلي يمثل ثروة وطنية عراقية في مجال العلم بددها النظام حتى مع عدم تدخل حمزة في السياسة وعمله سالما في ظل النظام نفسه وفي احد اهم المرافق العلمية أي علم الفيزياء والطاقة النووية. يتحدر الدكتور الدجيلي من محافظة بابل- مدينة المسيب من عائلة متماسكة حيث ساهم اخوته في ايصاله الى مراحل الدراسة العليا بعد الرحيل المبكر لرب الاسرة. اكمل دراسته المتوسطة في الحلة ثم الجامعية في بغداد وتزوج في هذه المرحلة وله ثلاث بنات وولد واحد.
ابتدا حياته العلمية بالتدريس في المدارس الثانوية. ونظرا لمعدله العالي حصل على فرصة الدراسة في الولايات المتحدة الاميركية مبعوثا من العراق. اكمل هناك الماجستير والدكتوراه وكان موضوع الاطروحة "مقاربة نهائية للمرحلة التاسعة لمعادلة الاختلاف في الهندسة الاسطوانية". وبعد عودته الى بغداد عام 1974 تم تعيينه في منظمة الطاقة الذرية.
وزن الظل
في بداية عام 1969 سمعت الاوساط العلمية لاول مرة باسم الدكتور حمزة الدجيلي عندما اذاعت اوساط علمية في لندن خبرا حول عالم عراقي استطاع ايجاد نظرية يمكن خلالها قياس وزن الظل. استمر الدجيلي في ابحاثه رغم قسوة الظروف التي مرت بالبلاد وتعسف السلطة البعثية في شروطها ازاء العاملين في دوائر الدولة وخاصة في القطاعات المهمة والحساسة مثل تلك التي يعمل فيها الدكتور الدجيلي. واثناء انغماسه في العمل والبحوث العلمية اهتم ايضا بطريقة موازية وباليات علمية بما ورد في القرآن الكريم من علوم حاول ان يستنبط من اياته امثلة حول قياس سرعة الضوء ونشاة الارض. وكان مغرما منذ وقت مبكر بنظرية اينشتاين وامكان الوصول الى تصنيع اجهزة تسير بسرعة الضوء في الفضاء الخارجي. ورغم ان ذلك يعتبر في حينها نوعا من الحلم او “الهرطقة العلمية” الا انه اعتبر العمل في هذا المضمار جزءا من تنشيط الخيال ومحاولة ربطه بالمعارف الاحصائية والرياضية. ويذكر اصدقاؤه والقريبون منه انه كان يقرأ القرآن الكريم باستمرار وله مساهمات في الخط العربي وكان مغرما بنفس الوقت بالموسيقى الكلاسيكية الغربية.
اصيب الدكتور الدجيلي مطلع العام  1998 بمرض خبيث لم يمهله طويلا رغم ما يبدو عليه من علامات الصحة والعافية ورحل في العام 1999 وهو في قمة نشاطه العلمي والوظيفي.
مأساة العلم والعلماء
رغم الحرص الشديد من الدكتور الدجيلي ومحاذرته ان يعارض النظام المقبور الا انه لم يحظ سوى براتب تقاعدي بسيط متواضع لا يتجاوز 125 الف دينار. 
وقد اضطرت عائلته بعد وفاته لبيع الاثاث ثم البيت. وفي الفتنة الطائفية الاخيرة التي وقى الله تعالى العراقيين شرها تم تهجير اسرته ولا اعرف بالضبط اليوم ما هو مصير هذه الاسرة وما هو مكانها. واعتقد بضرورة ان تراعي حكومتنا الوطنية الرشيدة هذه الاسرة حتى تثبت انها راعية للعلم والعلماء حتى وان كانوا من العاملين في ظل النظام المقبور اذ لا هوية سياسية للعلم اذا لم يشارك العلماء ويتورطوا في انتاج اسلحة ضد شعوبهم قاصدين متقصدين.
مقدرة علمية كبيرة
في عام 1961 فرض الدجيلي نفسه على قسم الفيزياء في جامعة بغداد عندما نال شهادة البكلوريوس بامتياز وسط توقعات اساتذته ببلوغه درجات رفيعة في هذا العلم. وبعد ذلك بعشر سنوات تقريبا حصل على شهادة الماجستير من جامعة منهاتن المرموقة في قسم الهندسة النووية. وفي عام 1974 نال الدكتوراه من قسم الهندسة النووية من جامعة ولاية ايوا الشهيرة خاصة في علوم الهندسة النووية على مستوى العالم.
تقول ابنة الدكتور السيدة رغداء عنه: "كان نعم الاب دائم العطاء حتى عند رحيله الى مثواه الاخير. ظل علمه وذكره الطيب على لسان كل من عرفه او سمع عنه. اعتمد على نفسه منذ الصغر وعمل بجد ليوفر لقمة العيش لنفسه ويكمل تعليمه. صارع مصاعب الحياة وكان يقول دائما: لقد عملت نفسي من لا شيء". وكان الدجيلي قد ختم القرآن الكريم في سن السادسة بالدراسة الملائية التقليدية في المسيب. وقد اظهر نبوغا مبكرا في مادة الرياضيات. وكان يردد "درست اكثر من ثلاثة ارباع الطلبة في العراق".
التفسير العلمي للقرآن الكريم
كان اختصاصه العلمي الدقيق يتعلق بالرياضيات التحليلية والعددية. وكان اخر ما وقع عليه من اطروحات الدكتوراه اطروحة بعنوان "سرعة الضوء وشاراته في القرآن الكريم" وهو الموضوع الاثير الى نفسه فقد كانت متعته الكبرى ان يفسر القرآن الكريم علميا. وذلك من خلال مطابقته بين حساب سرعة الضوء في سورة الملك وسورة السجدة في القرآن الكريم.
في اواخر عام 1980 جلس الدجيلي امام بعض طلبته وخاصته ليقرأ عليهم "بسم الله الرحمن الرحيم (الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب البصر اليك خاسئا وهو حسير)" اخرج الدكتور حاسبته مقابلا هذه الآية الكريمة مع ما جاءت به نسبية اينشتاين في قياس سرعة الضوء. ثم تناول سورة السجدة بقوله تعالى "بسم الله الرحمن الرحيم (يدبر الامر من السماء الى الارض ثم يعرج اليه في يوم كان مقداره الف سنة مما تعدون)". وفي المؤتمر الدولي للمعايير والذي انعقد في باريس عام 1984 اعلن الدجيلي من خلال هذا المؤتمر توصله الى قياس سرعة الضوء استنادا الى القرآن الكريم بالطريقة التالية:
لما كانت سرعة جسم= المسافة/ الزمن.
زمن يوم ارضي=
66990, 86164 ثانية
الف سنة مما تعدون- الحساب باعتماد القمر= مقدار الف سنة من مسيرة القمر= 12 الف دورة قمرية وهي المسافة التي قطعها القمر في اوربتل منعزل
= 12 الف× متوسط سرعة القمر المدارية× قمر شهري
= 12000× 368207× 89570× 71983590655.
اذن المسافة= 83134723, 25 بليون كيلومتر
تقسم المسافة 83134723 , 25 بليون كيلومتر على الزمن
86164.09966 ثانية فتكون سرعة الضوء= 458, 299792 كيلو متر/ ثانية وهو الرقم 300 الف كيلو متر/ ثانية نفسه الذي توصل اليه العلماء.
سر النظرية المفقودة
من الجدير بالذكر قبل الختام ان نشير الى ان نظرية الدجيلي التي اعلنها من اذاعة لندن عام 1975 بوجود وزن للظل ما زالت لغزا ولم يتم الاشارة اليها والى البحوث التي كتبت فيها ولإمكان تطبيق هذه البحوث. ويشاع بين طلابه وزملائه للاسف ان الكثير من بحوثه المنشورة او تلك التي انجزها قبل وفاته تنسب لبعض ضعاف النفوس ممن سرقوها او كانت بحوزتهم. 
وفي الختام اكرر دعوتي حكومتنا الوطنية الرشيدة للاهتمام أسر العلماء العراقيين ونتاجاتهم العلمية دون النظرالى المرحلة الزمنية "الكريهة" التي عمل خلالها اولئك العلماء مجبرين ومغلوبين على امرهم. وحتى المخطئين منهم "من غير المجرمين" فان لهم مكانا في العراق الجديد عراق الحرية والكرامة.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home شخصيات حين تعبث السياسة بالعلم
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة