مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

الشيخ عبد الزهرة الكعبي.. شغف القلوب PDF طباعة أرسل لصديقك

معن حمدان علي

كانت البداية أن هناك مجلساً يعقد في بداية سوق العرب، الواقع في كربلاء المقدسة، يقرأ فيه الشيخ عبد الزهرة الكعبي يوم العاشر من محرم الحرام مقتل سيد الشهداء (ع)، بحضور الاف المستمعين، تميزت قراءته بدقه الأخبار وواقعيتها، وحلاوة الإسلوب، وطلاوة الصوت، فتعدت شهرته كربلاء وانتشرت في الأفاق. ولتألقه بدأت الإذاعة العراقية عام  1959م لأول مرة بإذاعة (المقتل) بصوته صبيحة اليوم العاشر من محرم الحرام، وإذا بالأف الطلبات البرقية والهاتفية تنهال على الإذاعة طالبة التكرار فأذيع مساء في نفس اليوم، ثم تبعتها إذاعة الأحواز والقسم العربي من إذاعة طهران، كما أذاعت أقسام منه إذاعة الكويت في بعض سنين.

كما كان معروفاً بقراءته تكملة ملحمة ألطف يوم الأربعين، تلك الزيارة المليونية التي يحضرها عشاق الأمام (ع) من مختلف الأصقاع، بجوار الحرم الحسيني المطهر، التي تتناول مسيرة عائلة بيت النبوة مع الأمام السجاد (ع) يوم الحادي عشر من محرم الحرام من الكوفة إلى الشام حتى وصولهم يوم الأربعين إلى أرض كربلاء، منتهياً بهم إلى مدينة جدهم الرسول(ص).
سطع نجم الشيخ ألكعبي في قراءة المقتل، وأصبح فارس الساحة المجلي وأتخذه بقية الخطباء مدرسة يستوحون منها الأسلوب والطريقة، بل وصل الأمر إلى تقليد نبرات صوته فضلا عن حركاته على المنبر فقد أمتاز بقدرته المنبرية الفائقة المتمثلة بقوة البيان والجرأة بالإضافة إلى خلفية ثقافية أسلامية وأدبية وهذا ماجعل الكثير من الناس من لاينتابه ذلك الشعور العظيم الأ بالأستماع الى المقتل بصوت الشيخ ألكعبي.
ولد شيخ عبد الزهرة بن فلاح بن عباس بن وادي آل منصور ألكعبي، يوم الخامس من شهر جمادي الأولى عام 1337هـ_ 1907، ذكرى مولد الصديقة البتول الزهراء سلام الله عليها، من أسرة نزحت من المشخاب وأستوطنت كربلاء، ولذلك سمي باسم (عبد الزهرة) تيمناً. نشأ وترعرع في ربوع كربلاء المقدسة، وحين شب عن الطوق وأشتد عودة وقوي ساعده تعلم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القران الكريم وهو في سن مبكر خلال ستة أشهر على يد الشيخ محمد السراج في الصحن الحسيني الشريف، ثم تلقى علومه الدينية على أفاضل أساتذة حوزة كربلاء، فقد حضر مبادئ العلوم على الشيخ علي فليح ألرماحي، ودرس الفقه والأصول على يد الشيخ محمد داود الخطيب، وتتلمذ في المنطق عند الشيخ جعفر الرشتي، وفي علم العروض على الشيخ عبد الحسين الحويزي الشاعر المعروف، فأصبح  من فضلاء الحوزة فأخذ يلقي دروسه في الفقه الإسلامي واللغة العربية على مجموعة من الطلبة في مدرسة القائم ومدرسة المجدد الشيرازي ومدرسة باد كوبة وغيرها من المدارس. أما الخطابة فقد أخذها عن أشهر خطباء كربلاء آنذاك أولهم الشيخ محمد مهدي الحائري المعروف بلقب الواعظ وثانيهم خطيب كربلاء الشيخ محسن أبو الحب، فبرع بها وأشتهر، وأصبح له تلاميذ فيها، فتخرج من منبره جملة صالحة من الخطباء أشهرهم الشيخ حميد المهاجر والشيخ ضياء حمزة الزبيدي والشيخ علي ألساعدي والسيد عبد الرضا الصافي والسيد محمد الخطيب والشيخ أحمد عصفور.
أسفاره:
ذاع صيت الشيخ ألكعبي في الأفاق مخلصاً متفانيا في حب إل بيت الرسول (ص) فكانت مجالسه التي يحضرها الجمع الغفير أولا في مساجد كربلاء وحسينياتها ودورها وأسواقها، ثم في مدن العراق المختلفة مثل بغداد والنجف الأشرف والحلة والبصرة والديوانية والعمارة وغيرها.
وقد سافر لعدد من الدول العربية الإسلامية مثل السعودية والبحرين وإيران بإشارة من المراجع لأجل التبليغ مثل أية الله الحكيم والسيد عبد الهادي الشيرازي، ونال الإعجاب لما له من دور متميز في هذا الفن فضلا" عن حميد سجاياه وكريم طباعه.
طبع له في حياته ( الحسين قتيل العبرة) وهو مجلس مفصل لملحمة كربلاء خصص لقراءته يوم العاشر من محرم الحرام، وله ديوان شعر مخطوط بعنوان (دموع الأسى) وهو في أئمة هل البيت (ع) ومراث في الأمام الحسين (ع). ومن نماذج شعره قال في مدح الإمام الصادق (ع):
لأبي الكاظم الأمام أياد
سابقات تعم كل البرية
أظهرها الله في شرعة طه
بعدأخفائها فعادت بهية
رويت عنه للأنام علوم هي
كانت من قبل ذاك خفية
فحفظنا تلك العلوم ومن ذا
قد عرفنا بالفرقة الجعفرية
أما الأثر الثالث فهو نسخة خطية فريدة من مقتل سيد الشهداء (ع) قام بتحقيقه الأستاذ يوسف عباس الصالح والأستاذ نعمة عبد الكريم ومشاركة كاتب السطور ونشر في صفحتين بحروف صغيرة في جريدة كربلاء الصادرة في محرم 1422هـ المصادف 24 آذار 2002م.
استشهاده:
قفز حزب البعث الغاشم إلى سدة الحكم في العراق، لينفذ مخططا رسم له، وقد انطلت أدعاءاته على مختلف الأطراف منذ مجيئه، إلا التيار الإسلامي، لذلك تربص برجالاته مختلقاً مختلف الأعذار للغدر بهم ففي عام 1969 تم اعتقال الشهيد حسن الشيرازي على أثر تمثيلية تلفزيونية ظهر فيها رشد مصلح أحد رموز حكومة عبد الرحمن عارف، متهماً فيها السيد الشهيد الشيرازي على أنه أحد مساعديه في محاولة الإطاحة بحكومة البعث في العراق. وعلى أثر ذلك بادر بعض علماء كربلاء برفع برقية إلى المقبور (البكر) حاكم العراق حينها طالبين أطلاق سراح السيد الشهيد الشيرازي، فصدرت الأوامر باعتقال الموقعين على البرقية فنجحت السلطة باعتقال الشيخ الكعبي وزميله الشيخ حمزة الزبيدي فقط  والذي رافقه  في سجنه في دائرة أمن كربلاء لمدة ثلاثة أيام ثم نقلا إلى مديرية الأمن العامة في بغداد، بعدها تم نقلهما إلى سجن بعقوبة، وأطلق سراحهما بعد أربعة أشهر. هذه كانت المواجهة الأولى للشيخ الكعبي مع البعث، ثم بدأت مضايقتهم له بمختلف الأساليب حتى نفد صبرهم، فما كان منهم الأ أن سخروا بعض أشباه الرجال لدس السم أليه في قهوة قدمت له في مجلس فاتحة  حضره الشيخ ألكعبي وبعض تلامذته.
رجع من مجلس الفاتحة إلى مجلسه في الصحن العباسي المطهر، وأثناء قراءته بمناسبة استشهاد فاطمة الزهراء (ع) المصادف يوم الجمعة من عام 1394هـ/ 1974/6/6 أغمي عليه وسقط على أثرها من المنبر وقد فارقت روحه الطاهرة إلى ربها في الطريق إلى المستشفى، وكما كانت ولادته يوم ذكرى الزهراء (ع) كانت وفاته يوم ذكرى وفاتها (ع).
تشييعه:
كان يوم تشييعه في كربلاء يوماً مشهوداً، فقد زحفت جماهير الشعب من كل حدب وصوب للمشاركة في تشييع ناعي ألطف ووضع التابوت في ما يسمى بالعماري، وهو نعش خشبي كبير يوضع فيه التابوت ولا يستخدم الأ في تشييع علماء الدين الكبار. وقد أبنته الكثير من الصحف والمجلات في العراق والبلاد الإسلامية، كما أقيمت على روحه مجالس الفاتحة في داخل العراق وخارجه وأبنه الجمع الغفير من أهل العلم والفضيلة، ومنهم السيد عبد الستار الحسني النسابه الذي قال فيه:
مضى من به كانت تميس المنابر
وتزهو بمسعاه الحثيث الشعائر
ومن كان في دنيا الخطابة بدرها إل
منير الذي تنجاب منه الدياجر
لسان الهدى المنطيق سحبان
عصره له تتهادى كالجمان العبائر
به أتلعت (قيس عيلان) جيدها
وحازت ذرى العلياء كعب وعامر
شيعة أهل البيت تهتف بأسمه
إذا غاب منه الجسم فالذكر عاطر
مازال بين الخلق يرفع صورب
مقتل سبط المصطفى وهو هادر
أجل (عبد زهراء) النبوة خالدا
سبقى وان قد غيبته المقابر
شهيداً قضى بالسم من اجل دينه
فسالت دماً مذغاب عنها المحاجر
بأمثاله ظل الهدى شامخ الذرى
ودارت على أهل الضلال الدوائر
لئن خلت الأعواد منه وأوحشت
فقد عمرت مما بناه المآثر.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home شخصيات الشيخ عبد الزهرة الكعبي.. شغف القلوب
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة