مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

علي شـــريعتي في الجـــزائر PDF طباعة أرسل لصديقك

عبد القادر سعيد

لكل واحد منا صفحة في سجل الدنيا الكبير..
نجد فيه من ترك صفحته بيضاء بلا اثر ولد عاش ثم مات..
ونجد من عمر قليلا و لكنه خط فيها أسطرا نقلته من حالة..
الموت الجسدي إلى الحضور الأبدي في تاريخ الإنسانية..
ذاك هو حال الكبار الذين فهموا معنى الحياة ثم أدركوا قيمة أن تمزج هذا الفهم العميق بالمركب الروحي وهو الإسلام، هذا المركب الذي هو (الإسلام) مازال يعرف اجتهادات ومحاولات عديدة لتحريره من الفهم الضيق الذي جنى على الأمة، ومحاولة الخروج به من بؤرة الكهنوتية إلى فضاء الإسلام الذي هو مشروع حياة ومشروع نهضة أبدية (إن فهمنا ذلك) لأمة قد عرفت بأنها خير أمة أخرجت للناس.


قد لا يكون الكثير فهموا هذا التقديم وما علاقته بالعنوان، غير أن هذا الرجل الذي نريد الحديث عنه، هو من أولئك الذين حاولوا أن يكونوا من مجموع الاجتهادات الفكرية (المحكوم عليها بالنسبية والنقصان مهما كان نصيبها من الصحة) التي تحاول أن تعلم الناس أن الإسلام هو رسالة ربانية تطلعهم على عظم مسؤوليتهم فوق البسيطة وتدلهم على وسائل التمكين فوقها وكيف يمكن أن نكون المتَبعين وليس التابعين.
حديثنا سيكون عن المفكر الإيراني (على شريعتي) (رحمه الله) هذا المفكر الذي يقال عنه: أنه ظلم حيا وظلم ميتاً، هذا المفكر الذي كان اللسان الناطق عن كل ما فيه تجديد ودعوة لفهم أكثر وإدراك عميق بمغزى فكرة ذات الأثر الكبير في حياتنا إن فهمناها وهي: ماذا يعني أن نكون مسلمين؟
نبذة عن المفكر
الكثيرون في هذا الزمن من يجهلون اسم هذا الرجل و لا يدركون انه من العلماء الذين كانوا أحد الاجتهادات العلمية في تنوير الطريق لمعرفة أن الإسلام هو منهج حياة، هو عالم ديني غير أنه لم يكن يرتدي العمة أو الجبة التي طبعت رجال الدين. ولنعرف كيف نشأ وما أثر على تنشئته نورد بعض المراحل من حياته الخاصة وهذا من أجل وضع الأمر كتقديم يمكننا من ربط الوضع السابق باللاحق ونتعرف على ملبسات عديدة ستواجهنا في فهم فكر الدكتور (على شريعتي).
ولد علي شريعتي في شهر ديسمبر 1933 في قرية (مزينان)، وهي من قرى سبزوار إحدى مدن محافظة خراسان بشرق إيران، والده (محمد تقي شريعتي) كان أحد المفسرين للقرآن الكريم ومن المفكرين والمجاهدين الإسلاميين ويعتبر المؤسس لمركز سمي (مركز نشر الحقائق الإسلامية) الذي جعل من مهامه الأساسية توعية الناس بالدور الحقيقي للدين في المجتمع.
انضم شريعتي للعمل السياسي في سن مبكرة وهو لم يزل طالبا في مرحلة الثانوية من خلال انضمامه إلى جناح الشباب في احدى حركات المعارضة لنظام الشاه في إيران، في سنة 1952 التحق بكلية الآداب بجامعة (مشهد) بإيران أنشأ حلقات دراسية لمناقشة قضايا الإسلام وذلك بالاستعانة بأعمال والده وفي هذه المرحلة نسجل مدى التأثر بشخصية والده ونشاطه وهو ما سينسحب على كل مراحل حياته فيما بعد، في سنة 1958 عرفت حركة المقاومة الوطنية آنذاك في إيران ضربات عنيفة أدت إلى تشتيتها وغلى سجن العديد من أعضائها وقد كان شريعتي من أولئك مما يعني انه قد عرف السجن في سن مبكرة عن ذلك وقد كانت مدة السجن 6 اشهر، بعد تخرجه بامتياز من الجامعة تم إرساله في بعثة دراسية إلى فرنسا وذلك سنة 1959 مواصلا حياته العلمية والحياة الحركية في مواجهة النظام الفاسد في إيران.
في فرنسا درس علي شريعتي الأديان، وعلم الاجتماع والأدب غير أنه تخصص في علم الاجتماع الديني ونال في هذا التخصص درجة الدكتوراه، كما نال دكتوراه ثانية في تاريخ الإسلام، ولا أدل على إدراكه ورؤيته المستقبلية حول أن نهوض الشعوب لا يكون سوى بالإسلام هو هذا التخصص وهذا التوجه العلمي نحو فهم أكثر للمعاني الإسلام الخالدة من خلال دراسة علمية. لم يكن النشاط العلمي ليثني من حراكه السياسي في فرنسا فأسس حركة تحرير إيران فرع فرنسا التي أنشأها، وظل بنفس الحماسة والتطلع لرؤية إيران إسلامية حرة وهذا ما دفعه إلى أن يكون صاحب الدور الأساسي في إنشاء العديد من الجمعيات الإسلامية للطلبة الإيرانيين في الخارج.
نشاط عالمي وحضور محلي
مما يعرف به شريعتي لدى المثقفين الجزائريين وأصحاب الدراسات العلمية الموضوعية التي لا تخضع للحساسية الطائفية المقيتة أن هذا المفكر كانت له مواقف مؤيدة للثورة التحريرية وقد برز ذلك من خلال تنظيم التظاهرات ونشاطات مؤيدة لها، مما ترك الأثر الحسن حول الرجل آنذاك والذي سيكون سببا (الأثر الحسن) في دعم إطلاق سراحه من قبل الجزائريين.
عاد شريعتي إلى إيران من سنة 1963 ليعين معلما في المدارس الابتدائية في إحدى القرى المائية غير أن ذلك لم يثن من جهده وعمله فواصل إلقاء محاضراته ودروسه لعامة الناس نشرا للإسلام التنويري، هذا النشاط اجبر السلطات الإيرانية على تعيينه أستاذا في جامعة مشهد التي كان قد درس بها سابقا وتكون حركيا فيها، في فترة لم تكن بالطويلة (أربع سنوات من التدريس) حقق فيها الدكتور تألقا كبيرا خلق التفافا طلابيا حوله مما أزعج السلطات فعملت على إبعاده من التدريس بتنحيته من خلال إحالته على التقاعد المبكر يبدو أن هذا المفكر هو مثال الرجل العنيد الذي لا يسأم من طلب حاجته فقد عمل بعد تقاعده (الإجباري) في مركز ديني تنويري (حسينية الإرشاد)، هذا المركز الذي سيجعل من إيران كلها كما توصف في تلك المرحلة (بالجامعة الكبيرة) وذلك من خلال نشاط شريعتي بصفة قوية وعلى نطاق واسع من خلال محاضرات ودروس يعمل العديد على طبعها ونشرها وتسجيلها مما أسهم في نشر فكر الرجل رغم ما يتعرض له من خنق و تضييق، هذا الوضع النشط للمفكر و للنخبة من حوله دفع السلطات إلى غلق بؤرة إزعاج لها ستسبب لها الكثير من الأزمات الداخلية إن استمر الأمر كذلك، ولم تكن تدري في نفس الوقت أن هذا الإجراء ما هو سوى حركة غبية ستدفع ثمنها فيما بعد، وقد أتبعت الإجراء السابق باعتقال لعلي شريعتي من سنة 1973 ليبقى قابعا في السجن مدة 18شهرا تعرض فيها للتعذيب.
وبعد تدخل السلطات الجزائرية آنذاك لدى السلطات الإيرانية تم إطلاق سراحه (وقد كنا أشرنا على ذلك في العلاقة التي تربطه بالجزائر) وهذا في سنة 1975 ووضع بعدها تحت المراقبة ومنعت عليه كل النشاطات العلنية.. في سنة 1977 غادر شريعتي إيران متوجها إلى لندن حيث سينشط مجددا بصورة أكثر حدة غير أن القدر كان يخبأ له نهاية مأساوية في لندن حين تم اغتياله من قبل مخابرات الشاه بطريقة غامضة ( 44 سنة) وقد نقل جثمانه إلى سوريا ليدفن بعيدا عن موطنه.
خلف الدكتور علي شريعتي ما يقارب مائة عمل ما بين أعمال دينية (وهي أكثرها والمعبرة عن توجهه) وفلسفية وفكرية وحتى أدبية.
أعتقد أن المطلع على هذه الإطلالة الوجيزة عن حياة هذا المفكر يدرك معنى أن نقول: أنه ظلم حيا وميتا حتى أن الدفن كان بخارج وطنه إضافة إلى ذلك فقد تم التضييق على كتاباته.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home شخصيات علي شـــريعتي في الجـــزائر
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة