مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

العلامة مصطفى جواد.. برزخ اللغة والتاريخ PDF طباعة أرسل لصديقك

جاسم الركابي

رغم الشهرة الواسعة التي حظي وما يزال العلامة مصطفى جواد “1904- 1969” الا ان الكثير ما يزال بحاجة الى القاء المزيد من الضوء على سيرته العلمية والمنهجيات التي استخدمها وجانبا من مواقفه السياسية.
يضاف العلامة مصطفى جواد الى جيل التاسيس الذي رافق نشوء الدولة العراقية الحديثة. لقد ترك هذا الجيل بصماته الواضحة على مسيرة الفكر والثقافة وبقية مناشط الحياة في العراق. وقد بلور هذا الجيل طرائق للتعامل مع الحداثة الغربية دون الشعور بعقد النقص التي رافقت بعد ذلك مسيرة التفكير في النظرية الاجتماعية والادبية والبحث السياسي وحتى في اللاهوت على حد سواء.


ولد العلامة مصطفى جواد في بغداد في محلة تسمى القشل قرب جامع المصلوب الحالي. وكانت اسرته وبالذات من جهة والده ذات اهتمامات بعلوم الدين المختلفة. وقد انتظم العلامة جواد في القراءات القرآنية لدى الكتاتيب ثم دخل المدرسة الجعفرية التي اظهر مواهبه فيها في اللغة والحفظ بطريقة اذهلت مدرسيه. ثم دخل دار المعلمين العالية عام 1921. وقد عني اساتذة الدار بالطالب النابغة بعد ان اظهر قدرات جعلت من مدرسيه يقولون له انه افضل من اساتذة الدار فهو “يكمل عجز البيت الشعري اذا توقف الاستاذ عن ذكره ويحلل القصيدة ويتصيد الاخطاء ويشخص المنحول بقدرة استقرائية ليست مستعارة”. وبعد تخرجه من دار المعلمين العالية مارس التعليم في مدارس البصرة والناصرية والكاظمية. وكان الفتى حينها يحن الى بلدة “ديلتاوة” والتي ينحدر اصل قبيلته التركمانية منها. وديلتاوة هي مدينة الخالص الحالية التي تمتاز بهوائها النقي وتربتها الخضراء. وقد مارس التعليم في مدارسها بعد خدمته في مدينة الكاظمية المقدسة. ثم حصل على بعثة لدراسة الماجستير والدكتوراه في جامعة السوربون الفرنسية. وقبل الذهاب الى فرنسا مكث في القاهرة فترة تحضيرية للدكتوراه قضى خلالها سنة كاملة جوار الدكتور طه حسين والزيات والعقاد. وقد دخل في حوارات عديدة معهم واكتشف اخطاء “نحوية” في كتاباتهم الامر الذي اغضب عليه العقاد مرارا. اذ كان هذا الاخير يعتقد ان لا احد يجاريه في اللغة العربية.
الرحلة الفرنسية
ظهر المرحوم العلامة مصطفى جواد في احدى الندوات التلفزيونية قبل وفاته بقليل. وفي هذه الندوة عقب جواد على احد اسئلة المذيع المتعلقة بدراسة الادب العربي في باريس بان الشهادة من هناك “كلاوات”. وقد استخدم العلامة جواد هذه اللفظة من اللهجة المحلية العراقية وقد اضاف اليها كلمة “مولانا”. وكان جواد في هذه المرحلة قد هده التعب والمرض بعد ان تفاقم العجز في قلبه. ولعل هذا الجواب “العفوي” يثير الكثير من الاسئلة بقدر ما يحاول الاجابة عن سؤال الرحلة الباريسية للعلامة جواد. فمن الواضح ان مناهج التفكير وطرق البحث لم تتاثر كثيرا بهذه الرحلة العلمية ولا بالمنهجيات الغربية التي غذت شخصيات جيل التاسيس العراقي مثل علي الوردي وعبد الجليل الطاهر وطه باقر وغيرهم. ويمكن ملاحظة ذلك بكثرة المذاكرات التراثية التي مارس خلالها العلامة جواد “لعبة النحو” في مجلس الميرزا محمد القزويني في باريس. ومن هناك من باريس نفسها تضاعف الميل لدى العلامة بالمخطوطات العربية وخاصة النادر منها. وكان يقضي اغلب وقته هناك اما في قراءة الكتب “التراثية” او نسخ المخطوطات في المكتبة الوطنية الفرنسية. وقد اختار في دراسته للدكتوراه في التاريخ شخصية الخليفة العباسي الناصر لدين الله.
ونظرا لظروف الحرب العالمية الثانية لم يكمل العلامة جواد الدراسة هناك فعاد الى بغداد ليعين هذه المرة استاذا للادب العربي في دار المعلمين العالية مزاملا في الدار مع اساتذة مثل محمد مهدي البصير وصفاء خلوصي. كان المجلس الذي يضم هؤلاء الاساتذة وغيرهم مجلسا تراثيا بامتياز. وموضع الامتياز هو عدم التطرق الى مشكلات العراق بما فيها مشكلات التعليم العالي كما تطرق طه حسين مثلا الى موضوع مجانية التعليم عندما اطلق صيحته الشهيرة “التعليم كالماء والهواء”. وفي دراسات العلامة جواد اللغوية نزوع واضح نحو محاكاة الاساليب العربية التقليدية “القديمة”. لقد اذهل جواد الكثير ممن تعرفوا عليه في قاعات المناظرة او الدرس بقابلياته اللغوية والتراثية لكنه لم يبلور منهجية حديثة تناسب ايقاع التفكير الحديث واكتفى بتعداد اخطاء الاخرين دون احراجهم واعتبار هذه الاخطاء خطايا وكانه يعيش في القرن الهجري الاول.
اللغة والتاريخ
احتار الكثير من كتاب السير في تصنيف الاستاذ العلامة مصطفى جواد. اذ ان الشائع عن اهتمامات العلامة الراحل انها لغوية محضة. الا ان قائمة المؤلفات التي تربو على اربعين مؤلفا “نصفها غير مطبوع” تظهر شغفا كبيرا بالتاريخ. ونظرة سريعة على هذه الكتب تؤكد هذه الحقيقة:
1. دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960 بالاشتراك مع الدكتور احمد سوسة.
2. دليل خارطة بغداد المفصل بالاشتراك مع الدكتور احمد سوسة.
3. عصر الامام الغزالي.
4. ابو جعفر النقيب.
5. دار الخلافة الاسلامية: موضعها واشهر مبانيها.
6. سيدات البلاط العباسي.
7. الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير لابن الساعي البغدادي “تحقيق”.
8. بغداد مدينة السلام تاليف ريجارد كوك “ترجمة بالاشتراك مع فؤاد جميل”.
9. المختصر المحتاج اليه من تاريخ بغداد لابن الدبيثي “تحقيق”.
10. رحلة ابي طالب خان الى العراق واوربا “ترجمة”.
11. شخصيات القدر “دراسة تاريخية” بالاشتراك مع اساتذة اخرين.
اضافة الى مئات البحوث والدراسات المحكمة مثل “الربط البغدادية- مدارس بغداد- قبر عثمان بن سعيد رضي الله عنه- حكاية ابي القاسم البغدادي- جاوان القبيلة الكردية المنسية”. ذكر المصنفون ان للعلامة جواد ما يربو على الف مقالة منشورة وغير منشورة بحاجة الى تحقيق وان تخرج الى النور. وفي هذه الاثناء اختير العلامة جواد عضوا في المجمع العلمي العراقي ثم نائبا لرئيس المجمع اضافة الى عضويته المجمع العلمي العربي في سوريا ومجمع اللغة العربية في القاهرة.
الهدوء في مجتمع العواصف
عاش العلامة المرحوم جواد فترة عاصفة شملت الحرب العالمية الثانية ودعوته شخصيا لتعليم الملك فيصل الثاني اللغة العربية اضافة الى اهتمامه وشغفه بتاريخ الدولة العباسية الشديد الاضطراب خاصة بعد افول حكم العباسيين. ورغم كل ذلك فلم يؤثر عن العلامة جواد حديث في السياسة او تطوراتها. وقد عد الكثيرون هذا الموقف ضده فيما حسبه قسم اخر بانه رجل المعرفة الذي لا يهمه من امر السياسة شيئا. لقد عاصر العلامة جواد شخصيات لعبت دورا خطيرا في تاريخ العراق ومنهم ساطع الحصري (لقد اعجب هذا الاخير بشخص وعلم جواد فاهدى له قلما فضيا خاصا لكن ذلك لم يثن العلامة جواد عن صفع ابن ساطع الحصري “خلدون” بعد ان نهره داعيا والده “المربي” ان يعلمه التربية قبل ان ياتي الى المدرسة. وكان ساطع الحصري يتحدث الى مصطفى جواد باللغة العربية “المعجمة” ومن نصائحه للعلا مة جواد دعوته لترك الشعر “يا ابني: الشعر بيزرك وما ينفعك” يقصد يضرك. وقد كان بعده عن السياسة مدعاة لبعض الطرائف حينها حتى قيل “لو سأل العلامة جواد عن مدير شرطة بغداد لصعب عليه معرفته ولكن لو سأل عن رئيس الشرطة زمن هارون الرشيد لقال انه فلان بن فلان عين لرئاسة الشرطة سنة كذا وعزل عن عمله سنة كذا وتوفي سنة كذا واستخلفه فلان الذي كذا وكذا وكذا ولاورد تاريخ الشرطة في ذلك الزمن بتمامه وكماله)
قل ولا تقل
التصق اسم واهتمام الناس بالعلامة جواد ببرنامجه الشهير الذي كان يبثه من جهاز الراديو العراقي بعنوان “قل ولا تقل”. يقدم جواد في هذا البرنامج تصحيحا شيقا لاخطاء شائعة او برد بعض العامي الى الفصيح وبالعكس. اصبح البرنامج ذو طابع شعبي على رغم مادته التي لا تهم الكثيرين من سواد الشعب العراقي. وعند لقاء العلامة جواد بالزعيم عبد الكريم قاسم خاطبه: “ارجو ايها الزعيم ان لا تقول الجمهورية بفتح الجيم بل قل الجمهورية بضم الجيم”. وقد تقبل منه الزعيم عبد الكريم قاسم التصحيح متسائلا بنفس الوقت عن السبب. ويروي الدكتور حسين امين مقدم برنامج الندوة الثقافية ان احد المشاهدين قد اتصل به اثناء استضافته للعلامة مصطفى جواد. لقد كان اللقاء على الهواء مباشرة عندما طلب المتصل من العلامة جواد ان يعلمه عن الاسم الحقيقي لابي بريص. واعتذر العلامة جواد عن الاجابة على هذا السؤال.
رحل العلامة جواد دون ان ينجز المهمة المنتظرة في احداث الاثر التحديثي في بنية الدراسات اللغوية ومع ذلك ترك العلامة ثروة ما تزال تشكل المرجع في الدراسات اللغوية والتاريخية. لقد شدت هذه الدراسات والافكار رجلا بمستوى ماسينيون الذي بعث برسالة شكر الى وزارة التربية العراقية “المعارف” التي “اهدت المعرفة البشرية رجلا بمستوى مصطفى جواد” كما قال. وقد نعاه عميد الادب العربي الدكتور طه حسين بكلمات مؤثرة وكذلك بقية اعلام الفكر العرب.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home شخصيات العلامة مصطفى جواد.. برزخ اللغة والتاريخ
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة