مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

أبــو ذر الغفــاري.. طريـق الحـق ووحشـــة الســــالكين PDF طباعة أرسل لصديقك

عماد العبيدي

لا اجد تفسيرا معقولا ومقبولا للتعتيم الذي تمارسه اجهزة الاعلام الحديثة والشخصيات الدعوية وكذلك المناهج التربوية ازاء الشخصيات التي حفرت عميقا في صلب العقيدة لتاسيس وترسيخ مضامينها الجديدة. يمتلئ التاريخ الاسلامي برجال مثلوا لحظات فائقة من القدرة على التعامل مع ظروف التحول الصعب من نظم البداوة والجاهلية والتوحش الى قيم التوحيد والعدل والانسانية. ومن هذه الشخصيات “المنسية” شخصية ابي ذر الغفاري “جندب بن جنادة”.

تتهيب اغلب المؤسسات الدينية “التقليدية” الاشارة الى شخصية ابي ذر الغفاري وكذلك حظه مع المناهج الدراسية في اغلب البلاد الاسلامية. واذكر مرة النقاش الواسع الذي حصل في الاردن حول تضمين احد المناهج الدراسية لسيرة مقتضبة تخص الغفاري. ومحصلة هذه النقاشات ذهبت الى ان هذه الشخصية “خلافية” وانه لا يمكن تقديمها للطلاب بحكم المواقف “المتعارضة” التي اتخذتها من نظام الخلافة السائد وقتها. واشد ما كان يحزنني ان انصاف الرجل جاء من قوى غير اسلامية انتصرت له بحكم مواقفه من قضايا العدالة والفقراء والثروة. اما الاسلاميون هناك فقد دفنوا روؤسهم بالرمال على الرغم من الحديث النبوي الشريف المشهور والمتفق على صحته “ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء على ذي لهجة اصدق من ابي ذر”.
ومنذ البداية اتضحت ميول ابي ذر الغفاري عندما شكك في عبادة الاصنام في الجاهلية. وحالما سمع انباء البعثة النبوية الشريفة ارسل اخاه الى هناك ليستطلع اخبار النبي (صلى الله عليه واله وسلم). وعندما عاد اخوه اخبره بشعاع الاسلام النازل على النبي (ص) فعقد ابو ذر العزم على السفر الى مكة ولقاء النبي الاعظم(ص). ومن اللحظات الفارقة في تاريخ الرجل والدعوة الاسلامية ايضا انه وعندما قدم الى مكة ليرى النبي واجه الامام (علي عليه السلام) الذي اصطحبه الى بيته ومكث عنده اياما ثلاثة. وبعد هذه الايام قدمه امير المؤمنين (ع) الى رسول الله (ص) الذي رحب به وبعد ان اسلم مرددا الشهادتين طلب منه الرسول الاكرم (ص) ان يحاذر من قريش التي كانت متربصة بالاسلام والداخلين اليه. وعندما خرج ابو ذر صاح باعلى صوته في المسجد بالشهادتين ولولا جهود العباس لقتله القوم من شدة الضرب حيث حذرهم العباس من تعرض قوافلهم التجارية التي تمر في رحلاتها على ديار غفار “موطن ابي ذر”.
وبعد اسلامه الصريح والواثق ورؤيته للنبي الاعظم (ص) ولامير المؤمنين (ع) امتلات روحه بالثقة فعاد الى قومه يصدح بالدين وقيم العدالة والتنظيم ومغادرة بؤس الجاهلية وشقائها وسخافاتها. وكان اول المجيبين الى دعوته اخاه انيسا الذي كان رسوله في البداية الى مكة. ثم اسلمت بعد ذلك امه واكثر من نصف قبيلة غفار. وتختلف الروايات التاريخية في ترتيب المبادرين الاوائل الى الاسلام لكن مرتبة ابي ذر لا تتجاوز المرتبة الخامسة او الرابعة حسب هذه الروايات.
لقد حظي ابو ذر بعناية رسول الله (ص) بسبب ما توسم فيه من طاقة على نشر الدعوة واخلاص عميق لقضاياها ومستقبلها. واقام ابو ذر في قومه مدارس لتعليم الناشئة والشباب اصول الدين والقران الكريم. وقد اتفق لجميع الناس محبة النبي (ص) لابي ذر وكلمات الاطراء والشعور بالمودة تجاهه. وقد سببت هذه “الحصانة” لابي ذر مواقف متعبة لسلطة الخلافة بعد انتقال الرسول الاعظم (ص) الى لقاء ربه. فقد تخلف ابو ذر عن بيعة ابي بكر وكان من اول المتشيعة وقد دعا بذلك جهارا نهارا داعيا الناس الى اخذ العلم من مضانه وتوقير اصول الدعوة باحلال الناس المنازل التي يمكنهم حمل العامة والخاصة على المحجة البيضاء.
ولم تفصل المصادر التاريخية كثيرا في سيرة ابي ذر الغفاري في الفترة الممتدة حتى بداية خلافة عثمان بن عفان. وحتى رواة الحديث لم يرووا عنه هذه الفترة على الرغم من حديث رسول الله (ص) فيه.
يذكر ابن الاثير في حوادث سنة 23 للهجرة ان ابا ذر الغفاري قد غزا في غزوة الصائفة على الروم برفقة مجموعة مثل عبادة بن الصامت وأبي ايوب الانصاري. ويذكر نفس المؤرخ في حوادث سنة 28 للهجرة مشاركة ابي ذر في فتح قبرص. وبعد هذا التاريخ تدفقت الاموال بغزارة على مجتمع المدينة وقد استشعر ابو ذر مخاطر ان لا تكون هذه الاموال في مواقعها وان لا تصل الحقوق الى مستحقيها. وقد كان التدفق الروحي والتنظيمي للامام علي عليه السلام يملك عليه روحه وخياراته في امر هذه الاموال وغيرها من الامور التي استجدت في مجتمع المسلمين الاول. لقد كانت لحظة فاصلة في تاريخ الاسلام عبر عنها ابو ذر الغفاري بصدق ومسؤولية ما تزال تشكل علامة على واقعية وانسانية الدين الاسلامي وربطه للوحي وقوانينه واشتراطاته بالعدالة. ان ما يؤخذ اليوم “بسذاجة” عن ضعف النزعة الانسانية في الاسلام ليس صحيحا البتة. فالذي يذهب الى ذلك اما مغرض او جاهل. وفي سيرة ابي ذر الغفاري ما يقدم الدليل القاطع على قوة هذه النزعة واصولها المرتبطة بالوحي وسيرة النبي صلى الله عليه واله وسلم والائمة من اهل البيت (ع).
ولا يتسق لمعاوية الذي كان حاكما على الشام وجود شخصية مثل ابي ذر يهمها مصدر المال ووجوه انفاقه فشكاه معاوية الى الخليفة عثمان. لقد شاهد ابو ذر في هذه الفترة الكيفية التي يتم فيها اختيار العمال والولاة واصحاب الوظائف الكبيرة. لقد كان مقياس التوظيف هو القرابة بدل التقوى والصلاح. ويكفي ان نذكر الاسماء التي تم تعيينها في مناصب كبيرة “الوليد بن عقبة في الكوفة ثم سعيد بن العاص على نفس المدينة وعبد الله بن ابي سرح في مصر ومعاوية بن ابي سفيان في الشام”. وينسب الى سعيد بن العاص والي الكوفة قوله: “ان الفيء الذي افاءه الله على المسلمين انما هو لشبان قريش”. لقد استند ابو ذر الغفاري في مواقفه الرافضة لاستباحة المال العام الى المبدا الصلب الذي يشكل دعامة الاسلام الكبرى وهو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ورغم ما سببته له مواقفه من متاعب وصعوبات وفقر فقد كان يجد سعادة في التصاقه باصول الاسلام الكبرى ومحبته للنبي (ص) ولامير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) الذي كان حاضرا في نفس ابي ذر ونبراسا لسلوكه ومواقفه. ويعزو السيد محسن الامين في كتابه اعيان الشيعة ان التشيع في جبل عامل كان بسبب جهود ابي ذر الغفاري بعد نفيه الى الشام. ويقول بهذا الصدد “ومن المشهور ان تشيع جبل عامل كان على يد ابي ذر. وانه لما نفي الى الشام وكان يقول في الشام ما يقول اخرجه معاوية الى قرى الشام فجعل ينشر فيها فضائل اهل البيت عليهم السلام فتشيع اهل تلك الجبال على يده. فلما علم معاوية اعاده الى دمشق”.
لم يكن لابي ذر ان يهدا وسط الانحرافات التي حدثت بين المسلمين لاسباب مختلفة. فقد كان يروي عن رسول الله (ص) في الشام الاحاديث التي تحض على طاعة الله تعالى والعدل بين الرعية والتمسك بالعترة المقدسة. ولم يستجب ابو ذر لمواقف التقرب اليه بالاموال والعطايا. حتى كتب معاوية الى الخليفة عثمان “انك قد افسدت الشام على نفسك بابي ذر” حتى كتب الخليفة بعد ذلك الى معاوية “اما بعد فاحمل جندبا الي على اغلظ مركب واوعره”. وقد اتخذت مؤسسة الخلافة في هذه الاثناء قرار نفي ابي ذر الى الربذة وقد صدرت الاوامر الى الناس بان لا يتكلموا مع ابي ذر ولا يشايعوه كما جاء في شرح النهج عن ابن عباس. وقد تم انفاذ مروان ابن الحكم كي يخرج معه وتحرج الناس من مشايعته في خروجه الا امير المؤمنين واولاده. لقد ودع امير المؤمنين (ع) ابا ذر بالكلمات الذهبية “انك غضبت لله فارج من غضبت له، ان القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك فاترك في ايديهم ما خافوك عليه واهرب منهم بما خفتهم عليه فما احوجهم الى ما منعتهم واغناك عما منعوك وستعلم من الرابح غدا والاكثر حسدا ولو ان السموات والارضين كانت على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجا، لا يؤنسنك الا الحق ولا يوحشنك الا الباطل فلو قبلت دنياهم لاحبوك ولو قرضت منهم لامنوك”. لقد اشاعت هذه الكلمات المزيد من القوة والعزم في نفس ابي ذر. وما تزال هذه الجمل السحرية تداعب اعماق نفوس الذي يطل عليها وكانها تنثال دررا من السماء وفي هذا امر عجب ان تتكتم الدراما العربية ومناهج التدريس والتعليم عن هذه المواقف التي صاغت الضمير العميق للاخلاق الاسلامية ولمواقف الرجال عندما تعز مواقف الكرامة والكبرياء والتوحيد الصميم. لقد كان برفقة امير المؤمنين (ع) ابناء العترة المقدسة الحسن والحسين (عليهما السلام) واخاه عقيلا وكذلك عمار بن ياسر. لقد اثر الموقف على ابي ذر فبكى من هذه العواطف التي غمره بها اهل بيت النبوة وخاطبهم “رحمكم الله يا اهل بيت الرحمة اذا رايتكم ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، مالي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم اني ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام وكره ان اجاور اخاه وابن خاله بالمصرين فافسد الناس عليهما سيرني الى بلد ليس به ناصراً ولا دافعاً الا الله، والله ما اريد الا الله صاحبا وما اخشى مع الله وحشة”.
ولا اظن ان شخصية تملك من الثراء والغنى الاخلاقي والدرامي تصلح لتربية الناشئة وتعليمهم معنى الاصرار على الحق وربط التوحيد بالعدالة مثل هذه الشخصية الفريدة في التاريخ. ويزيدني غرابة انني لم اعثر على عمل تلفزيوني كل هذه الفترة يتتبع سيرة هذا الرجل وقلقه الروحي عندما وجد ضالته الكبرى في الاسلام العظيم ومشايعة رجل بمستوى علي بن ابي طالب عليه السلام الذي نهل منه ابو ذر معاني البطولة المرتبطة بالرفعة والكبرياء الذي يليق بمستوى امير المؤمنين (ع) اولاده ومدرسته والمخلصين لمنهجه الرباني الرفيع.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home شخصيات أبــو ذر الغفــاري.. طريـق الحـق ووحشـــة الســــالكين
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة