مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

وقائع عراقية PDF طباعة أرسل لصديقك

الشيخ محمد الساعدي

هذه صور من الواقع العراقي تحاول ان تصف وقائع بما هي وتؤشر بالوقت نفسه “خللا” بعيدا كامنا في أعماق تلافيف العقل العراقي كأنه يقف بالضد من التنظيم والترشيد ورؤية التناسق والجمال في الأشياء.
المكان احدى دور القضاء في العاصمة بغداد وفي واحدة من أهم مناطقها الحيوية المكتظة بالسكان. والزمان هو قبل أيام قليلة من الآن.

وسوف أحاول قدر الامكان نقل صور وقائعية كما وقعت عليها عيني ولمستها محاولا قراءة هذه الوقائع في ضوء علوم الادارة والتنظيم الحديثة وما تعنيه هذه الوقائع للشخصية والمستقبل العراقيين. ومنذ بداية الدخول الى دار القضاء يواجه المرء بمجموعة من النشازات والمخالفات التي لا تليق بالمدنية والتحضر. تحاط دار القضاء من جوانبها الأربع بمجموعة كبيرة من الأوساخ والأزبال. وتنتشر متفرقة أمام مدخلها الرئيس عربات لبيع المأكولات السريعة ويقف خلفها أصحابها متسخي الملابس فيما تتجول مجموعة كبيرة من الحيوانات والكلاب السائبة حول الدار. وعند الدخول الى أروقتها الداخلية يقف المرء على عجب لا يستطيع تصديقه. اذ يقف المراجعون وقد تكدست بهم الممرات والغرف دون أدنى خدمات حتى البسيطة منها مثل مقاعد الجلوس او توفر مياه الشرب. والحمام الوحيد خارج البناية وهو عبارة عن “كرفان” من خشب ولا يمكن إحكام اغلاقه من الداخل ويتسع لفرد واحد وهو مخصص للرجال والنساء معا.
وتبدأ الفوضى اللاعقلانية ابتداء من غرفة المحامين. فهذه الغرفة مثل بقية غرف المبنى وسخة من الداخل وقد أكلت الرطوبة جدرانها “رغم حداثة البناية”. ويصطف المحامون بطريقة لا توحي أبدا بمهنتهم. وقد تربع أحد باعة الشاي في باب الغرفة مباشرة. واضافة الى مناظر كثيرة تخص سلوك المحامين وشخصيتهم فان منظرا بالغ الدلالة لا يمكن ان يبارح الذهن أبدا اذ يخرج أحد المحامين من الغرفة وأمام أنظار المئات من “المراجعين” يحاول ان يلبس روب المحاماة الذي استعاره من زميله أمام موقع بائع الشاي. ويبدو “الروب” قصيرا وضيقا فيعمد السيد المحامي الى محاولة مط أطرافه بقوة حتى تمزق من أعلى. ومرة أخرى وأمام الناس يدخل المحامي بهذا المشهد أمام القاضي. وعند الوصول الى غرفة القاضي تبدأ تراجيديا كارثية أخرى فهل هذا الجالس خلف الطاولة قاضيا مثلما وصفه الرسول (ص) او الامام علي (ع) ومثلما اهتمت به المدنية الاسلامية وتهرب من مسؤوليته الكثير من الفقهاء والصحابة والصالحين؟. أم هو القاضي الذي وضعته الحضارة الغربية في موضع “مقدس”؟. فهو هناك السلطة التي لا سلطة فوقها غير الله. ان الجالس خلف هذه الطاولة لا هذا ولا ذاك. انه رجل مهلهل الثياب ضعيف الشخصية كثير الحركات غير المسؤولة ولا يهمه من أمر الازدحام غير ان يستدعي الحرس ويهمس في اذانهم ثم يوقع أوراقا ليست للجالسين او المنتظرين في الزحام الشديد. وحتى الزحام على باب القاضي بهذه الطريقة وصياح الحاجب بصوته وطريقة التدافع تشكل جرحا يغور في الشخصية ازاء هذا التناشز المقيم في الشخصية العراقية لا يبارحها حتى في أكثر الأماكن أهمية وتنظيما.
لا أريد الاستطراد في الوصف كي لا أنقل مشاعر الاحباط والكآبة الى القارئ العزيز فقد تم في هذه الغرف غير المضاءة انقلاب عربة تقل معاقا وكاد ان يموت بسببها. بيد اني اريد ان تشكل هذه الكلمات مدخلا لسؤال يلح على جميع من “يهمه الامر”: لماذا يتراجع العراقيون بهذه الطريقة وكأن التراجع سمة كامنة في تنظيماتهم ونظرتهم لأنفسهم ولواقعهم. فمن المؤكد ان النفوس والعقول التي تسكن دار القضاء تمثل خلاصة من خلاصات تفاعل العقل والضمير العراقي مع بيئته وواقعه. وان كلا من القاضي غير المكترث والمحامي المهلهل والحاجب الفظ والمراجع الباحث عن الفوضى الذي يلجا الى الرشوة هم جميعا نتاج لثقافة عراقية فاعلة وموجهة لسلوكيات افرادها. ولا ادري ان كان الايغال في الوصف يمثل تعذيبا للذات “مازوشية” عندما أقارن هذا الحال العراقي بما اصبحت عليه دول تعيش ظروفا سيئة من الناحية الاقتصادية ولا تمتلك تاريخا طويلا من المدنية مثل التاريخ العراقي. ويعصر قلبي الالم عندما اتذكر مشاهد اللبنانيين بملابسهم الانيقة ووقوفهم بالتسلسل للحصول على ماء الشرب وجلوسهم المنتظم في الملاجئ اثر القصف الاسرائيلي المروع لمدينة بيروت. لقد كنت جالسا في احد هذه الملاجئ وقد تم فصل النساء عن الرجال في الملجأ وكان الاطفال مع امهاتهم. لقد اصبح الملجأ وكانه خلية نحل من التكاتف والتعاطف والاهم من كل ذلك التنظيم والتسلسل وعدم “التشاطر” بين المحتمين به على بعضهم البعض. واقف متسائلا ازاء مناظر “مؤلمة” اخرى مثل وقوف الناس في أغلب العواصم العربية بنظام التسلسل في أماكن وقوف الحافلات وأسباب التدافع الذي لا يوفر شيخا او إمرأة او طفلا في الحال العراقي حتى داخل دار العدالة وما تمثله من رمزية مهمة ومؤثرة.
ومن المؤكد فان جهودا “بسيطة” يمكن ان يبذلها القاضي ومدير ادارة دار العدالة المعنية وبعض موظفيها كي تبدو هذه الدار ممثلة فعلا للقضاء العراقي وللشخصية العراقية المنظمة. بقليل من حس المسؤولية والتضامن ومحبة الحق يمكن ان “يأمر” القاضي بتوفير مقاعد لجلوس المراجعين وغالبيتهم من الشيوخ والنساء. وأعتقد ان أيسر الأمور في هذا الموضوع هو المال. ففي جميع دوائر الدولة ثمة اموال تنفق لكن سبيل الانفاق ووجهته معروفة ولا أريد تكديس الاحباط على الاحباط. وفي حال آخر يمكن ان يوصي القاضي المحامين التزام معايير قدسية القضاء وان لا يتقافزوا مثل لاعبي السيرك بين المراجعين كي “يحتالوا” على تسلسل المعاملات او ان يقدموا خدماتهم للزبائن والمراجعين بهذه الطريقة التي لا توحي بأية قيمة للقانون وقد انتهكه من لبس ثوبه الرمزي ثم مزقه لانه ليس على قياسه ولم يكن قد هيأ نفسه وضميره له.
أما “شلة” القاضي من المنادين والحرس فان لهم وجها لا يشبه وجه القضاء ولا علاقة له من قريب او بعيد بتسامح الاسلام واخلاقه الرفيعة وعطفه على الضعفاء. انهم لا يشبهون سوى أنفسهم.
ونستطيع ان نتحدث عن المراجعين باعتبارهم الفئة او الحاضنة لكل السلوكيات التي تتمثل بالقاضي والمحامي والمنادي. اذ ان كل هؤلاء منتج من هذا الجمهور الذي نقف عليه هنا “اي المراجعين”. فهؤلاء انفسهم وكانهم قد جبلوا او تدربوا سنوات على المخالفة وعلى الكيد للاخرين من المراجعين كي ياخذوا وقتهم وادوارهم. واشك ان لحظة قد مرت على عقول هؤلاء ان التنظيم والادارة الرشيدة تضمن لهم جميعا ان ينجزوا معاملاتهم ويخرجوا راضين مرضيين بأيسر الوقت وأقل الجهود.
ليس ممكنا الوقوف بسهولة على اسباب هذه الوقائع التي لا تترك سوى المرارة العميقة والخوف من المستقبل. وبالتاكيد فان أسبابا مركبة قد جعلت من هذه الشخصية ضعيفة الاستواء النفسي وليست متوفرة على أساسيات التنظيم وقدراته على ابداع الحياة وتقنينها والتخلص من صعوباتها. ففي ساعة من ساعات دار القضاء هذه يمكن ان ترتكب ستون مخالفة على قدر اجزاء الساعة الواحدة ويمكن ان تتناسل الى الثواني المكونة لهذه الدقائق.
في احدى أهم المنظورات المفسرة للنهوض الحضاري يقفز مفهموم الادارة والبيروقراطية العقلانية كأهم محفزات هذه المدنيات والحضارات. وترتكب ثقافتنا واعلامنا خطيئة بتصويرها للبيروقراطية باعتبارها كلمة قبيحة او سيئة. فالبيروقراطية تعني الادارة وقد تكون هذه الادارة سيئة مثل احوالنا وقد تكون عنوانا لأرقى احوال العمران والتقدم كما نشاهدها على شاشات التلفزة ونتحسر عليها. بل ان عالم الاجتماع المرموق “ماكس فيبر” كان قد عزا اسباب التقدم الغربي مقارنة بالتأخر الشرقي الى وجود طبقة “البيروقراطية العقلانية” في الغرب وتلاشيها او ضمورها في التنظيمات الشرقية عموما.
أعتقد ان أمر هذه الفوضى والتفلت من النظام ليس مسؤولية احد بعينه ولا جهة يمكن تسميتها. ان علاجها يمثل طريق الخلاص العراقي من أمراض الزلل والخطأ الذي يزين للشخصية انه الحق وانها الممثلة الوحيدة له. وليست هناك بداية يمكن ان نؤشرها لنقول ان طريق العلاج يبدأ من هنا لينتهي هناك. فهذا الطريق يمتد اولا من قناعاتنا الداخلية العميقة واختياراتنا وضررة ان تكون هذه الاختيارات والقناعات مكشوفة ومتصارحة مع ذاتها اولا ومع الاخرين. فخلق أجواء الثقة داخل المجتمع العراقي قد تمثل الخطوة الاولى او الاساس في مسيرة تخليص الشخصية العراقية من عدمها وسعيها لتبرير هذا العدم باعتباره “شطارة”. وبدون ذلك لن تفلح السياسة حتى مع اكثر النوايا اخلاصا والجهود دأبا. ولا يمكن بالوقت نفسه للتربية ان ترتبط بمختبر السياسة ما لم يكن عامل الثقة جسرا بين الناس الذين يتساكنون بخوف ويحتالون على بعضهم البعض لعبور مناطق الخوف وهما منهم بخلاص لا يرون أسبابه ولا مفاعيله.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home شخصيات وقائع عراقية
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة