| د. عـــناد غــزوان.. رحلــــة العطـــاء |
|
|
|
|
حوار: ســـعاد الراشد علي الســـعدي ترك الراحل الدكتور اثارا مهمة على حركة النقد والتاليف والدرس الاكاديمي، وقد زادته السنون؛ خبره حتى غدا في سنواته الاخيرة ملاذا لطلبته المستزيدين من معرفته بالتراث العربي سيما في حقل الادب والنظرية النقدية. وحرصا من المنتدى على ان تضع قراءها دائما في عملية التواصل الخلاق مع ينابيع الابداع العراقي لتنميتها وترصين شروط تفاعلها مع القراء والمهتمين فقد سعت الى الدكتور معتز نجل المرحوم ودخلت معه في سياحة حوارية شيقة حول جهود والده الراحل والصعوبات التي واجهته والنجاح الذي حققه. * تعددت اهتمامات الراحل بين التأليف والدرس الأكاديمي والترجمة، أين كان الراحل يجد نفسه أكثر؟- لقد تعددت اهتمامات المرحوم الوالد بين التأليف في ميدان النقد الأدبي والشعر العربي قبل الإسلام فضلاً عن الدراسات المقارنة والنقد الترجمي، فقد اهتم كثيرا بدراسة النقد الأدبي ولاسيما في ترجمته للعديد من الكتب النقدية المهمة ككتاب خمسة مداخل إلى النقد الأدبي لويلبرس. سكوت وكتاب نقاد الأدب لجورج واتسن وكانت آخر ترجماته هو كتاب المعجمية نشأتها ومكانتها في تاريخ المعجمات العام للمستشرق جون.أ.هيوود، الذي صدر عن المجمع العلمي العراقي قبيل وفاته بأشهر، ويعد المستشرق هيوود من كبار المستشرقين الذين اعدوا دراسات كثيرة ولاسيما في الآداب والعلوم في الشرق الأوسط فضلاً عن كونه أستاذه المشرف على دراسته للدكتوراه عام 1963 في جامعة درم في بريطانيا والتي نشرتها جامعة بغداد باللغة الانكليزية وعنوانها القصيدة العربية من عصر ما قبل الإسلام إلى نهاية العصر الأموي. فقد كان المرحوم الوالد يجد نفسه دائما في النقد الأدبي والترجمة. * هل من آثار للراحل بانتظار الطبع؟ - للوالد المرحوم آثار كان قد تركها على الورق وقد قمنا بطباعة ثلاثة كتب منها وهي كتاب (أسفار في النقد والترجمة) الذي طبع في دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد عام 2005 وقدمه الأستاذ الدكتور داود سلوم. أما الكتاب الثاني الموسوم (دراسات في الشعر الجاهلي) فقد طبع في دار مجدلاوي في عمان عام 2006. وكتاب (البناء الفني في شعر الشريف الرضي) الذي طبع في الاتحاد العام للكتاب العراقيين بالتعاون مع دار الشؤون الثقافية عام 2008. ولديه كتاب (دراسات في الشعر الإسلامي) الذي نعده الآن للطبع فضلاً عن إعادة طبع كتابه (التحليل النقدي والجمالي للأدب) الذي سوف يطبع في دار دجلة بعمان بإذن الله. كما صدر كتاب له مترجم بعنوان (معجم الرسم) عن المجمع العلمي العراقي وقام بترجمته بالمشاركة مع المرحوم الأستاذ الدكتور سلمان الواسطي، عام 2009. كما نعد لطباعة ديوان شعري له بعد أن قمنا بجمع قصائده التي كان ينظمها منذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي حتى وفاته. من تلك القصائد كانت قصيدة بعنوان (ثلاث رسائل جريحة) أهداها إلى الشعب الفلسطيني في كفاحه ضد الاحتلال وألقيت هذه القصيدة عام 1968 في بغداد في حفل شعري حضره عدد كبير من الشعراء العراقيين والعرب ومنهم الشاعر احمد رامي والشاعر صالح جودت والشاعر نزار قباني، إذ يقول: أختاه ماذا أكتب؟.... ماذا عساي أقول؟ ماذا أكتب؟..... ودموع إخوتي اليتامى فوق صدري تسكب.... وأنين أمي من أبي هذي الرؤى يتعذب.... من ههنا ثكلى تنوح... ومن أساها تنحب.... ورصاص قطاع الطريق، مزمجر.. مستقطب.... والنار ألمحها أمامي .. مثل ظمأى .. تلهب... * كيف وفق د.غزوان بين النظرية النقدية العربية وبين علوم اللغة واللسانيات الحديثة؟ - إن الثقافة العالية التي يتمتع بها المرحوم الوالد ومتابعته للجديد من الدراسات المعاصرة والنظريات النقدية الجديدة ولاسيما اللسانيات جعلته ملماً ومهتماً في تطبيقها والتعليق عليها وعلى الآراء المختلفة وله في ذلك موقف واضح إذ كان ينادي دائما بتوحيد المصطلحات النقدية ولاسيما في إعداد معجم للنظريات النقدية واللسانيات بعد أن أصبحت المصطلحات بحراً لا ينتهي من الدلالات والأفكار والتداول. * ما موقف الراحل من الصراع الاجتماعي والسياسي في العراق وانعكاسه على موقفه من دراسة الآداب؟ - بقي المرحوم الوالد على مبدأ الاستقلالية السياسية بعيداً عن الصراعات السياسية بمختلف تحولاتها سواء كانت سلبية أو ايجابية وكان لديه موقف واحد إزاء تلك التحولات السياسية التي شهدها العراق على مدى أكثر من نصف قرن منذ الملكية حتى الجمهورية الى وفاته، فقد بقي ملتزما بمبدأ أن العلم والثقافة يولد من رحم الحرية وان المبدأ هو أن يكون المفكر والعالم والأستاذ حراً في آرائه ونتاجه العلمي والثقافي، لم ينحز إلى تيار سياسي إنما ظل ملتزما بما عاهد نفسه وضميره عليه أن يبقى في خدمة العلم والفكر الصادق بكل أمانة التزام لا فرق بين عراقي وعراقي ونبذ كل أساليب التفرقة العرقية والطائفية والحزبية، فقد كان الطالب أمامه إنسان يطلب العلم وكان هو الصدر الواسع لكل طلبته وأبنائه العراقيين من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، فقد كان يقول: أنا عناد غزوان اسماعيل من العراق. * هل صحيح ان للراحل موقفا سلبيا من قصيدة النثر؟ - لم يقف الوالد المرحوم موقفاً سلبياً من قصيدة النثر، بل وقف موقفاً نقدياً يتسم بالتحليل إذ يقول: (أن قصيدة النثر جنس أدبي ظهر في الأدب الغربي ولاسيما الأدب الفرنسي منذ بدايات القرن الثامن عشر فصاعداً، أما في الأدب العربي الحديث فقد ظهرت قصيدة النثر على اختلاف مستوياتها الفنية منذ ستينيات القرن العشرين واستمرت بشق طريقها الفني بجرأة وحذر، و يقول أيضاً في حديث له في هذا الشأن (يخطئ من يظن أن قصيدة النثر هي القصيدة الحديثة مع وجود مثل هذا الظن عند بعض النقاد والدارسين المحدثين والمعاصرين ولا ننسى أنهما جنسان أدبيان مختلفان). * سمعنا ان المرحوم كان يسعى الى خلق بصمه علميه ثقافية في البيت؟ - نعم لقد ظل الوالد المرحوم يسعى بطريقته التربوية والأبوية إلى خلق جو ثقافي وعلمي وفكري داخل البيت والأسرة، لقد كان يأخذني وأنا في الصف السادس الابتدائي إلى مناقشات الدراسات العليا الماجستير والدكتوراه ولاسيما في كلية الآداب بجامعة بغداد والندوات التي تقام في الاتحاد العام للأدباء وجمعية المترجمين العراقيين ومجالس بغداد الثقافية كمجلس بيت الشعرباف ومجلس الخاقاني وعادل المخزومي وغيرها، واجلس مع الحاضرين لأتابع حديثه، كان يقول لي يا ولدي انتبه الى ما أقول من كلمات فصيحة وسجلها وكنت أقوم بذلك حتى كان يقرأ ما نكتبه من إنشاء مدرسي ليتابع انسياب اللغة وحركاتها وفصاحة الحديث وكان يشجعنا دائما ويشعر بالفرح الكبير عندما يقرأ ما كنت أنشره في الصحافة اليومية فضلاً عن فرحه عندما يرى أبناءه في تقدم دراسي ومطالعة دائمة. حتى كنا نقوم بإصدار مجلات نصممها نحن ونحررها وهو المشرف العام عليها وكنا نقوم برسوم توضيحية ولصق الصور ونقوم بلقاء شخصي معه ونلتقط له صورا ونضعها في المجلة وكان هو بمثابة المشرف العام. * ما أقرب الكتاب والمؤلفين والكتب الى نفس المرحوم؟ - لعل من أكثر المقربين إليه هو أستاذه شيخ النقاد العراقيين العلامة الراحل الأستاذ الدكتور “علي جواد الطاهر والدكتور مهدي المخزومي رحمهما الله” والدكتور حكمت علاوي والدكتور داود سلوم والدكتور عبد الواحد محمد والدكتور خالد اسماعيل علي والمرحوم الدكتور سامي سعيد الأحمد اما من الشعراء فقد كان أقربهم إليه الشاعر الكبير بدر شاكر السياب ونازك الملائكة ويوسف الصائغ و رشدي العامل وبلند الحيدري، ولم أجده يوماً يفضل أحداً على أحد ولاسيما من طلابه الذين تبوؤا مناصب في الدولة من عمداء ورؤساء أقسام ومدراء عامين وغيرهم. * يؤكد طلبة الراحل انه كان يفرح عندما يرى طلبته يفكرون بحرية، كيف نظر الراحل للتجديد؟ وهل اقتصر على اللغة والأدب أم تعداه الى المجتمع؟ - لقد كان بالفعل في فرح غامر عندما يجد طلابه في تقدم وإبداع وكان دائم التشجيع لقد كان يقطع المسافات من بغداد إلى المحافظات التي بدأت فيها الجامعات الفتية آنذاك إذ كان يناقش رسائل الماجستير فيها ولعل أول رسالة للدكتوراه في جامعة الأنبار كانت تحت إشرافه على الدكتور عكاب الحياني ورسالته الموسومة (الاتجاهات الإسلوبية المعاصرة في دراسة النص القرآني) التي نال عليها الطالب درجة الامتياز كما اشرف على أول رسالة دكتوراه بالمناصفة مع الدكتور مؤمل علاء الدين في الهندسة المعمارية للدكتورة مها البستاني بعنوان (عمارة ما بعد الحداثة) في الجامعة التكنولوجية ببغداد عام 1996. إذ ادخل مصطلحات النقد الأدبي والبلاغة العربية في الهندسة المعمارية واشرف على عدد من الطلاب، كما اشرف على أول رسالة دكتوراه في الفن التشكيلي في جامعة بابل للدكتور كاظم نوير التي نالت درجة الامتياز والموسومة (مفهوم الذاتي في الرسم الحديث) وناقش أول رسالة في اللغة الانكليزية في جامعات العراق للدكتور صباح صليبي الراوي والموسومة (المتلازمات اللفظية في اللغتين العربية والانكليزية) وناقش أول رسالة في العراق في ميدان الترجمة للدكتور حامد يوسف الحجاج. كما ناقش رسائل للدكتوراه في كليات الفنون الجميلة واللغات والآداب في جامعات بغداد والبصرة والموصل وصلاح الدين وتكريت والانبار والكوفة والقادسية وبابل. لذلك لم يقتصر في فكره وثقافته وعلمه على النقد الأدبي لقد كان يدعو إلى التخصص إذ يقول: إذا كان الأستاذ غير مبدع وملما باختصاصه وغير متمكن منه بشكل جيد لن يستطيع أن يبدع في مجال آخر والعلوم متداخلة مع بعضها في الأفكار والفلسفة والمعطيات الإنسانية. * هل سعى الى مشاريع مشتركة مع السيدة الكريمة زوجته في مجال عملهما المشترك؟ - نعم كان على الدوام في مناقشات مع الوالدة وكانا ولاسيما في ميدان البحث العلمي يتحاوران مع بعضهما في العديد من القضايا التي تخص الفن والأدب ونظرية الفن للفن ونظرية الفن للمجتمع وغيرها من النظريات التي تجمعهما مع بعضهما وكنا نحضر تلك المناقشات ونستمع بكل إصغاء إليها. * إذا أردنا ان نلخص للقراء نظرة المرحوم المضمونية للتراث (الفكر العربي)، كيف نصفها؟ - اهتم الوالد الراحل في الدراسات التراثية وتوكيد مفهوم التراث كمنهج أصيل في إبراز التقاليد الحضارية والإنسانية ولاسيما في ميدان الأدب والنقد الأدبي وإبرازها بصورتها المشرقة التي تعمل على استعادة روح التألق والفكر الإنساني بصورة معاصرة غير مشوشة واضحة المعالم تؤكد في صورتها وتكوينها على قوة المرجعيات الحضارية والإنسانية لأدبنا العراقي الأصيل. ويؤكد الوالد على حركية التراث بقوله(ان التراث مرتبط بالزمان المتطور والمتجدد بوصفه كماً متصلاً، ويقصد بالزمان التراثي قدرته على الحركة والتجدد النابعين من مثاله الثقافي، فالتراث ليس نظرة تجريدية للماضي، وان كان الماضي يؤلف في المستقبل الوحدة الزمانية، فليس ثمة زمان حاضر، فالحاضر هو (الآن) الموهوم المشترك بين الماضي والمستقبل!)، اختير رئيساً لتحرير مجلة المورد التي تعنى بدراسات التراث والحضارة غير أن القدر الإلهي لم يجعله يرى العدد الأول الذي أعده وصدر بعد وفاته. * ما ملامح المنهج التكاملي الذي اعتمده المرحوم في الدرس والتأليف؟ - في هذا الميدان يقول المرحوم الوالد (إن المنهج السليم في الدرس الأدبي يتطلب وبالضرورة أعداد من يطبقه من التدريسيين تحقيقاً لهدفه. إذ كيف السبيل إلى درس الأدب العربي إذا لم نأخذ بمناهج البحث العلمي الحديث؟ فالدرس الأدبي العربي في النصف الثاني من القرن العشرين ظل مثقلاً بأغلال المنهج التقليدي وقيوده إلى الأبد. إذ مازلنا ندرس الأدب على أنه تاريخ الأدب وثمة فرق كبير بينهما. فالأدب تجربة إبداعية ذاتية وتاريخ الأدب تدوين أمين لهذه التجربة وليس تحليلاً لها وتبيان قيمتها الأدبية والفنية على حد سواء. أن هذا الدرس نابع من بيئته كما يراها صاحب التجربة وهو شديد الحاجة إلى المقارنات والموازنات ولا يتحقق ذلك إلا من خلال منهج تحليله ويقف على أصالته بعيداً عن التلقين الجاف والخلط بينه وبين تاريخه. إذ يفترض بمؤرخ الأدب أن يكون أديباً حيث يكتسب تاريخ الأدب من خلال هذا الأديب المؤرخ عمقاً في الذوق الأدبي وانفتاحاً على مناهج علمية متعددة بدلاً من الأستناد إلى منهج بائس وحيد يدور حول مجموعة من الروايات المختلفة والمتباينة في صحتها وصدقها. لابد من نقد موضوعي ومنهجي للنهوض بهذه المسألة وعلينا أن نفهم تاريخ الأدب بأنه وسط بين العلم الخالص والأدب الخالص فيه موضوعية العلم وفيه ذاتية الأدب، وبذلك نكون قد وقفنا على طبيعة (تاريخ الأدب) وقفة سليمة. فتاريخ الأدب يجب أن يجتنب الإغراق في العلم كما يجب أن يجتنب الإغراق في الفن وان يتخذ لنفسه بين الأمرين سبيلاً وسطاً وهذا ما نحتاج أليه في درسنا الأدبي المعاصر. * كلمة خاصة لقراء المنتدى ومحبي وطلاب الراحل. - من خلال جريدة المنتدى الغراء العزيزة التي يقوم عليها مجموعة من اخلص طلبة المرحوم الوالد نتقدم نحن أسرة الراحل الدكتور عناد غزوان بالشكر الكبير والثناء على جهودكم الطيبة في إبراز ملامح الإبداع لكل مبدعي العراق وبارك الله بجهودكم الطيبة خدمة للعلم والفكر والثقافة العراقية الأصيلة بكل مكوناتها وعناصرها الإبداعية والشريفة.مع تقديري العميق. السيرة العلمية يعد الراحل الدكتور عناد غزوان اسماعيل واحدا من أعلام الأدب والثقافة والنقد، اختص في الأدب الجاهلي والنقد العربي القديم، وهو “أستاذ” في مرتبته العلمية من مواليد 1934 محافظة القادسية، له شهادات علمية عدة منها: |