مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

أبــــــو الأعـــلى المــــودودي PDF طباعة أرسل لصديقك

حسن السعيد

 في الثاني من شعبان 1360هـ (الموافق 26 آب/ أغسطس 1941م) بويع أبو الأعلى المودودي أميرا للجماعة الاسلامية، التي تأسست في لاهور، في هذا التاريخ.
* شرعت الجماعة الاسلامية -بقيادة أميرها المودودي- في مهمتها بتعميم الدعوة ونشر فكرة الاسلام. ففي جانب كان الأستاذ المودودي مازال ينشر آراءه وأفكاره في مجلته (ترجمان القرآن) ويلقي المحاضرات في مواضيع اسلامية أمام طلبة الجامعات وأساتذتها. كما ظهر في الجماعة نخبة من المؤلفين أوقفوا حياتهم ومواهبهم لاستجلاء محاسن الاسلام بأسلوب عصري متين.

وهكذا برز أبو الأعلى المودودي أحد كبار المجددين في عصرنا الحديث بعدما برز مفكراً ومنظراً بارزاً. وفي هذا الاتجاه صدر له عام 1940 كتاب تحت عنوان (تجديد احياء الدين)، أشار في مقدمته الى ان كلمة (المجدد) هي احدى المصطلحات الاسلامية، وطبقا للمعنى العام للكلمة فان المجدد هو الشخص الذي يقوم بأحياء الاسلام ويعيده الى وضعه الأصلي السابق، وبعد ان يعرب عن أسفه من كون أكثرية الناس لا يفرقون بين (البدعة) و(تجديد الحياة) ويقعون في الخلط بين (صاحب البدعة) و(المجدد) عن غير وعي، يؤكد ان تجديد الحياة الاسلامية عبارة عن ازالة كل العناصر غير الالهية عن الاسلام وعرض الاسلام بصورته الأصيلة والأولى، صحيح ان (المجدد) ليس نبياً لكنه قريب من النبوة من حيث الروحية والمشاعر.
* وغداة يوم تأسيس الجماعة الاسلامية، كان أبو الأعلى المودودي ينشر مقالا تحت عنوان (ضرورة اقامة الجماعة الصالحة) قال فيها بعد شرحه جرائم المذاهب والمدارس والفئات المختلفة بحق البشرية ووصولها الى الطريق المسدود:
(ان النظرية التي تسعى لتحقيق أهداف أسمى من غايات النفس المتصفة بالحياة، والتي تنطوي على مقاييس تفوق قيمة المعايير التي تقدس المادة، وتلهم الانسان تلك الأهداف والمقاييس، وفي الوقت ذاته فان الآيديولوجية التي تلعب دوراً فعالاً في مساعدة الانسان على تحقيق رقيه العلمي والعقلي والحضاري، بل وتوجيهه توجيهاً صحيحاً، وترقى به من مستنقع النظرة المادية واللاأخلاقية الى جادة المجد والسمو مثل هذه النظرية والآيديولوجية هل هي شيء آخر غير الاسلام؟
اذن، فان هذا الادعاء في محله تماماً وهو: ان مستقبل الانسانية ينحصر في الاسلام وحسب، وكل النظريات الموضوعة من قبل الانسان مصيرها الفشل الذريع.. فمن أجل انقاذ العالم من عصر الظلام الذي ينتظره في المستقبل وجعله يرفل في ظل نعمة الاسلام ويتمتع بفيوضاته، لايكفي القول بانه توجد هنا نظرية سليمة، بل ان هناك حاجة ماسة الى وجود الجماعة الصالحة -بكل تأكيد- الى جانب النظرية الصالحة السليمة، ولاشك ان وجود مثل هذه الجماعة من الأمور الضرورية.
* ومن أجل تعضيد ايمان المسلمين وأخلاقياتهم، ومن أجل تقوية التزامهم بالاسلام، ومن أجل تجاوز خلافاتهم وتكريس تضامنهم فقد استند المودودي على القرآن الكريم الرسالة الربانية التي يتفق عليها كل المسلمين مهما كانت بينهم من فروق مبدئية او آيديولوجية، وتشهد أعمال المودودي كيف كان يفهم القرآن بعمق، وكيف كان يقدم تعاليمه ومفاهيمه بطريقة ملهمة ومقنعة.
ٍ* لقد كان حجر الزاوية في أعمال المودودي ان يشرح للناس المعنى الحقيقي للايمان بآله واحد (التوحيد) وما يترتب على ذلك من اجراءات وتطبيقات، وذلك من أجل ان يدركوا ان عليهم ان يطيعوا تعاليمه كأفراد وكمجتمع، في أسرهم وأعمالهم، في علاقاتهم الاجتماعية وحياتهم السياسية وكذلك. وقد استقبلت كتابات المودودي بحماسة من قبل الكثير، وحتى خارج شبه القارة الهندية، بعدما ترجمت مؤلفاته الى العربية وغيرها مطلع الخمسينات مثل: (النظرية السياسية في الاسلام، منهاج الانقلاب الاسلامي، المشكلات الاقتصادية وحلولها في الاسلام..) وغير ذلك. كما ان القارات التي اجراها المودودي بين الاسلام وبين الأنظمة السياسية والاقتصادية المعاصرة كالليبرالية والرأسمالية والاشتراكية والشيوعية بدت مشوقة ومثيرة لأهتمام الطلاب والمثقفين.
* وفي الوقت الذي كان فيه المودودي يبذل قصارى جهوده وأقصى مساعيه، من أجل استعادة عظمة الاسلام ومجده، ويؤكد ضرورة تشكيل الجماعة الصالحة القادرة على حمل هذا الهم الثقيل.. اذا بحفنة من المتحسسين الذين يثير حفيظتهم أي نشاط تغييري في أوساطهم الراكدة ينبرون لاصدار الفتاوى ضد مؤلفات المودودي ونشاطات الجماعة الاسلامية. ولم يسكت أبو الأعلى بل رد قائلاً: (في هذه الفتاوى طرحت القضايا بشكل اسـتبدادي، ودون بحث ودراسة وتمحيص، وقال هؤلاء المفتون الخبراء ان كتاباتي تخالف المذهب الحنفي وحسب. كما أدانوني بسـبب عدم موافقتي وتأييدي للأصحاب والأئمة الذين يؤيدونهم. انهم لم يحيلوا أحد الى مراجعة كتاباتي.. مما يثير الأسف ان تلك الفتاوى كانت عبارة عن رأي معاد مناوئ دون تشخيص اتهامات محددة وواضحة).
* وظل الشيخ أبو الأعلى المودودي هدفاً لسهام هؤلاء، ولم يسلم منهم حتى بعد رحيله الى الجليل الأعلى.. ولكنه لم يعرهم الاهتمام الكبير، اذ كان همه منصبا -بالدرجة الأساس- على تفعيل نظرية الاسلام في الواقع، عبر المشروع الذي كان يدعو اليه وهو الحاكمية.
* وبسبب صلابته في دعوته من جهة، واصراره على مقارعة الأفكار الهدامة لقي الكثير من العنت والتسقيط والسجون. وعلى سبيل المثال، كانت المواجهة مفتوحة بينه وبين السلطات في باكستان -منذ تأسيسها عام 1947، وكان جوهر الصراع يدور حول مطالبة المودودي لتحكيم الاسلام في كل مناحي الحياة، وعدم الاكتفاء بالاسم والمظهر، في حين يبقى المضمون علمانياً بحتا!
وبعد اشتداد خطر القاديانية وتولي عدد من زعمائها مقاليد الأمور في الادارة والجيش.. ألف المودودي كتاباً بعنوان (المسألة القاديانية) ترجم الى معظم لغات العالم، بين فيه حقيقة القاديانية وخطرها على الاسلام والمسلمين. وبسبب هذا الكتاب ألقي القبض على الأستاذ المودودي عام 1953 مع عدة مئات من رجال الجماعة الاسلامية وزج بهم في السجن. ثم سيق المودودي ليحاكم أمام محكمة عسكرية أصدرت قرارا باعدامه.. لكن المحكمة عادت فخففت الحكم الى السجن المؤبد.. وبقي في السجن ثمانية عشر شهراً اضطرت الحكومة الباكستانية بعدها الى اطلاق سراحه تحت ضغط الحملة الشعبية والاحتجاج الخارجي.
* تابع المودودي جهاده في معركة الدستور الاسلامي مع السلطة.. بيد ان الفئة الحاكمة سلكت سياسة المراوغة والتسويف.. ورغم ذلك لم تهن عزيمته.
وحتى حينما بلغ السبعين عام 1972 وقد أضناه المرض وأقعده، طلب اعفاءه من مهماته كأمير للجماعة الاسلامية.. فاستجيب له وتفرغ للبحث العلمي والتأليف وبقي هو المرجع في كل ما يتعلق بالجماعة في القضايا الفكرية والفقهية.
* استبشر خيراً بانتصار الثورة الاسلامية في ايران، وقد أصدر فتوى بخصوصها (ثورة الامام الخميني ثورة اسلامية والقائمون عليها هم جماعة اسلامية وشباب تلقوا التربية في الحركات الاسلامية، وعلى جميع المسلمين عامة والحركات الاسلامية خاصة ان تؤيد هذه الثورة وتتعاون معها في جميع المجالات.. وقد نشرت هذه الفتوى في مجلة الدعوة القاهرية عدد يوم 29 آب 1979، أي قبل رحيله بأربع وعشرين يوما رحمه الله...
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home شخصيات أبــــــو الأعـــلى المــــودودي
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة