مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

عبد الرحمن الشرقاوي رائد مدرسة الحرية في قراءة التاريخ الاسلامي PDF طباعة أرسل لصديقك

عبد الحسن مجمان

يعد المرحوم عبد الرحمن الشرقاوي رائد مدرسة حقيقية في كتابة التاريخ الاسلامي وفق الرؤى والمنهجيات التي تحافظ على اصول الدين الكبرى ولا تفرط بالتفاصيل الضرورية للعصر الحديث وفي مقدمتها الحرية. ينطلق المرحوم الشرقاوي في اعماله وفلسفتها من مسلمة يعتقد جدارتها وصلاحيتها في النظر الى جوهر الاسلام الذي تبدى في النصوص المقدسة وفي سيرة النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم) واهل بيته (ع) والكثير من الصحابة.

وهذه المسلمة هي الحرية التي تاخذ لدى عبد الرحمن الشرقاوي معنيين الاول المضمون الفلسفي عندما صدع الوحي بحرية الناس ونبذ الاكراه والاحتكام الى العقل والحوار. وايات القرآن الكريم متظافرة في ذلك وواضحة وضوح الشمس. أما المعنى الاخر فهو تطبيق المضامين الفلسفية على ارض الواقع اذ تتحول الحرية هنا الى التحرر. ويشمل التحرر محاربة الفقر والاستغلال والاضطهاد والانحياز الى الربط بين جوهر التوحيد الذي يسمو على أية علاقات استغلالية وبين الواقع الاجتماعي الغارق في لجة الاستغلال والاضطهاد والفقر.
امتاز المرحوم الشرقاوي باخلاق “صوفية واقعية” اذا جاز التعبير. فقد كان متعدد المواهب وتواق الى رؤية الاسلام فاعلا على ارض الحضارات المعاصرة وكان يشتكي في لقاءاته الصحفية ومنذ وقت مبكر “بداية ستينيات القرن الماضي” من الافراط والتفريط الذي يواجه الاسلام في العصر الحديث. التفريط من قبل الاتجاهات العلمانية الحديثة التي لم تفهم من العلمانية سوى معاداة الدين واتجهت بذلك الى خير الاديان واكثرها اهتماما بالعدل والانسانية والحرية اي الاسلام. واما الافراط فجاء من طرف من يعتبرون انفسهم المنافحين والمدافعين عن الدين وحياضه الذين اضروه ربما باكثر مما اضرته الفئة الاولى. لقد دخل عبد الرحمن الشرقاوي ميدان الكتابة " المنتمية “لقضايا الانسان والحرية مبكرا ولكنه لفت الانتباه اليه عندما كتب قصيدة بعنوان” من اب مصري الى الاب ترومان”  عام 1952. وكانت هذه المرحلة المبكرة من حياته مشغلا لمواهبه في تطويع قضايا الشعر العربي لخدمة قضايا الحرية. لقد شعر المرحوم في هذه الفترة بتازمات روحية عندما شغلته اسئلة القلق حول الحضارة العربية الاسلامية وقدرتها على الاجابة عن اسئلة الحياة الحديثة. للاجابة على هذه الاسئلة اتجه المرحوم الشرقاوي “كما اكد لمجلة الهلال “الى اكثر النقاط اضاءة لقضية الحرية في تاريخ الاسلام فكتب عن شخصية النبي محمد (ص) واسباطه (ع) وامير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع). فقد اصدر في العام 1962 كتابه الذي فجر عاصفة من النقاش حول اساليب الكتابة في السيرة النبوية” محمد رسول الحرية. لقد ثار “السلفيون التقليديون” على طريقة تناول الكتاب للسيرة النبوية العطرة واتهموا الشرقاوي بانه متاثر بالمنهج المادي. ولا يمكن فهم هذه الاراء الا في زمانها الذي شهد مدا شيوعيا مجاهرا بالالحاد فجعل الكثير من المسلمين والاسلاميين يتحسسون ازاء اي منهج يتناول قضايا التاريخ الاسلامي خارج ما تعارفوا عليه و”اطمانوا“ الى افكاره. الا ان المرحوم الشرقاوي رد عليهم بانه لا يقدم كتابا جديدا في السيرة الزاخرة بالمؤلفات القديمة والحديثة لكنه اراد ان يصور قصة انسان “اتسع قلبه لآلام البشر ومشكلاتهم واحلامهم، كونت تعاليمه حضارة زاهية خصبة اغنت وجدان العالم كله لقرون طويلة”.
ان سبب “اتهام” الشرقاوي بالمنهج المادي هو بسبب تركيزه على جوانب العدالة الاجتماعية التي ركز عليها النبي (ص) في تطبيقه لقواعد الوحي على المجتمع. واليوم لا تجد هذه الاتهامات اي مسوغ لها مع انتشار مؤلفات وافكار عبد الرحمن الشرقاوي كتعبير اصيل ومتمكن عن ثراء الدين والعقيدة الاسلامية.
وفي بداية سبعينيات القرن الماضي “كتب الشرقاوي الكتابين الذين سوف يبقيان شاهدا على قلقه الروحي الاخلاقي العميق وبحثه عن مواطن القوة والحق في الاسلام: الحسين ثائرا والحسين شهيدا. يقول الشرقاوي عن هذين العملين ان شخصية الامام الحسين قد اعادت له الثقة بنفسه وبقدرة الحضارة العربية الاسلامية في الاجابة عن اسئلة الحداثة والتطور “لقد وجدت في الحسين ما كنت اصبو اليه وابحث عنه في اعماق نفسي وفي غابة التاريخ العربي الاسلامي. لقد وجدت الكنز الذي استطيع ان اواصل حياتي بهدي منه. لقد اضاء هذا السراج عتمة قد اكلت كثيرا من رصيدي واسلمتني الى القلق والسهاد”. لقد اطلقت هذه الاعمال قلم عبد الرحمن الشرقاوي الى الاضواء والشهرة التي كان زاهدا فيها كثيرا.
وصف لوثر كيفي لايت المستشرق الالماني المختص بالادب العربي الحديث عبد الرحمن الشرقاوي بانه قد “تفرد بين كبار الكتاب المعاصرين في مصر والعالم العربي بتعدد مواهبه الخلاقة وقدراته على العطاء والابداع في ميادين ثقافية وفطرية متنوعة. فهو الشاعر المجدد والكاتب المسرحي والروائي الخلاق والناقد والمفكر السياسي بل ورجل الدولة في كثير من الاحيان. ومع هذا كله فهو من ابرز المفكرين المعاصرين الذين عالجوا وتناولوا قضايا التراث الاسلامي من وجهة نظر جديدة وجديرة بالاهتمام. لقد اضاء الشرقاوي الكثير من جوانب هذا التاريخ واشراقاته المهمة للانسانية كلها”. لقد عقد المستشرق الالماني مقارنة بين عبد الرحمن الشرقاوي والشاعر الالماني غوته واستنتج ان التشابه كبير بين الاثنين في بحثهم عن الانسانيات العميقة والجمال الاخاذ الذي قدمه الفهم الاسلامي للحياة وللاخرة واضاعه السلطان السياسي المستبد.
وبعد هذا التاريخ كتب عبد الرحمن الشرقاوي رائعته التي استحق عليها نوبل واكثر رواية “الارض”. ومن الغريب الا تحظى هذه الرواية بالاهتمام الكافي في الجامعات العربية ودور النشر رغم نجاح الفيلم الذي صور البؤس والشقاء الذي يعيشه الفلاحون المصريون و“العرب”. لقد شبه المستشرق الالماني رواية الحرام واثرها في الوعي العام برواية كوخ العم توم التي تناولت ماساة السود في الولايات المتحدة والتي اثرت كثيرا في اشاعة روح التمرد ضد هذه الظروف بين الزنوج انفسهم. لقد قدم الشرقاوي في رواية الارض عملا سوف يبقى خالدا في تاريخ الادب العربي المرتبط بارفع الاهداف الانسانية بالاضافة الى احتواء العمل على التقنيات الادبية والروائية المستوفية لشروط الابداع الادبي. تعرض الشرقاوي بعد ذلك الى الاضطهاد السياسي عندما ادخل السجن عام 1954 ومنع من الكتابة سنة 1963. ومن الضروري ذكر موقف الشرقاوي من جرائم الحرس القومي في العراق التي ندد بها واستنكرها وسط اجواء من القبول المصري العام او السكوت المريب على هذه الجرائم. وفي عام 1977 تم ابعاده عن رئاسة تحرير مجلة روز اليوسف بعد ان وصل بها الى انتشار وارقام في التوزيع ليست مسبوقة في تاريخ الاعلام المصري.
وأراد الشرقاوي ان يختم حياته بعمل “يختصر” وعيه وقلقه ويتقرب به الى الله كما قال ذلك في اسباب تاليفه لكتابه الاهم ”علي امام المتقين”. لقد خرج هذا الكتاب متكاملا من النواحي الفنية والتعبيرية وحرارة الاحساس بالعدل وتطبيقاته. وقد افسح الشرقاوي المجال في هذا الكتاب لجميع الرؤى التي تحكمت في التاريخ الاسلامي عارضا اياها على سيرة امام المتقين تاركا الحكم للقارئ. تناول المرحوم الشرقاوي في هذا الكتاب بعض الوقائع النافذة في التاريخ الاسلامي مثل توزيع الاراضي ودور الامام علي (ع) في احكامها شرعيا واخلاقيا وانسانيا اذ لا تتقاطع هذه الصفات في شخص “امام المتقين” فقد اخرج الامام الحكم الشرعي في مسالة الارض بقوله: “الارض يجب ان تبقى لمن يفلحها وان يوضع عليها خراج اي ضريبة تذهب لبيت المال وتوجه للمصلحة العامة وتجري منها الرواتب على المجاهدين”. وفي تشريع امام المتقين للتوزيع العادل بين الناس يشير الامام “لكل وسابقته، لكل وعمله وبلائه، لكل وحاجته ص 118”. ويستفتيه الخليفة الثاني في امر عامل اجير قد سرق فيفتي امام المتقين بان “كل من يستكره على ذنب يعفى من العقاب ويعاقب من اكرهه. فاذا اضطر اجير على السرقة لانه لم يجد ما ياكله لا تقطع يده وانما تقطع يد من استجره ولم يعطه اجره فهو الذي اكرهه على السرقة ص 115”. وباستفتاء الناس لامام المتقين حول ظواهر المال الجديدة القادمة من الغنائم والفتوح يصدح”" لا بأس بالغنى والتمتع بزينة الحياة التي اخرجها الله لعباده والطيبات من الرزق وذلك لمن اتقى، لكن هذا المال يجب لكي يكون حلالا ان يتوفر له شروط : ان يكسبه صاحبه بعمله وبلائه وجهده.
ويسأل الناس أمامهم عن ماذا يعني باكتفاء كل فرد فيجيب على لسان الشرقاوي استنادا الى النصوص التاريخية الثابتة “اكتفاء كل فرد يتحقق بان يكون لديه المسكن والملبس والطعام، ولديه ما يركبه ولديه ما يسد حاجة اولاده ولديه ما يؤمن به اهله وعياله عاما كاملا “ويستشهد باحاديث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم”" انه ما من احد يخزن فوق حاجته الا حرم اخرين من ذوي الحاجة.
احتضن الشرقاوي جزئي كتابه علي امام المتقين مبتسما في ندوة عقدت في احد معارض الكتاب قائلا للجمهور: انه سوف يواجه الله بهذا الكتاب ويطلب اجره منه تعالى تاركا “للسلفية” غير المعتدلة الخبط والعشواء والتمحل.
رحم الله عبد الرحمن الشرقاوي الذي اخلص النية وعقد العزم على خدمة الدين واهله بامضى الاسلحة “الدعوة بالحسنى والكلمة الطيبة”.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home شخصيات عبد الرحمن الشرقاوي رائد مدرسة الحرية في قراءة التاريخ الاسلامي
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة