| المضمون والممارســـة.. المجتمع المدني العراقي في مهب العولمة |
|
مهند المفتي شاع في الاونة الاخيرة وبالذات بعد سقوط النظام السابق استخدام مصطلح المجتمع المدني. ومن الطبيعي ان تكون الثقافة العراقية العامة ضعيفة الصلة بهذا المفهوم بحكم انتمائها الى منظومتها العربية والاسلامية التي لم تطور في تجربتها الحديثة مضامين وأصول المجتمع المدني. وقبل كل شيء لابد من تعريف مبسط لهذا المصطلح يعيننا على معرفة مضامينه وكذلك طريقة حضوره في الحياة العربية والاسلامية وامكان تفعيل هذه المضامين في عملية الانتقال الصعبة التي يعانيها العراقيون هذه الايام. المجتمع المدني باختصار يتضمن كل الفعاليات والانشطة غير الخاضعة لمؤسسات الدولة، كما ان أفضل تعريف بالمجتمع المدني كما اعتقد هو في علاقة التناظر والتكامل بينه وبين الدولة، فكل مجموعة بشرية تنتج في ما بينها علاقات واخلاقاً وقيماً مثل الرحمة والاخوة ونظام الوقف والطوائف وبمقابل كل ذلك هناك التنظيم السياسي الاعلى الذي هو الدولة والتي تمثل الضمان والضبط لامن هؤلاء الناس سواء باختيارهم كما في الانظمة الديمقراطية او بغير هذا الاختيار كما في الانظمة الدكتاتورية، اي ان الدولة ضرورة في كل الاحوال، فاذا كان هذا التنظيم السياسي “الدولة” منفتحاً على المشاركة والديمقراطية او الشورى فان هذه الانشطة والفعاليات التي تسمى المجتمع المدني سوف يكون لها دور كبير في الرقابة على الدولة نفسها وتنقيتها من علل وامراض الدكتاتورية والشمولية، وهذا هو الفارق بالضبط بين المجتمع المدني في الغرب والمجتمع المدني في التجربة العربية والاسلامية، وبالذات في العراق.فالدولة السلطانية التي لا تعترف للاخرين بالمشاركة وتنفرد في القرار لا يمكن للمجتمع المدني كما عرفناه سابقا ان يتحول الى مؤسسات وان يقرر وجهة التطور الاجتماعي وذلك بالرقابة على الدولة وتشذيبها، والسائد في تراثنا العربي والاسلامي هو طغيان الدولة على المجتمع الى درجة كبيرة حتى قهرته تماما، إلا أن ذلك لا يمنع من وجود مجتمع معرفة وانتاج مواز للدولة نشأ في الحضارة العربية والاسلامية، ويعدّ الباحثون والمختصون هذا المجتمع بانه مجتمع الوقف والطرق الصوفية والطوائف والاسواق والحارات..الخ، حيث يطلق على المجتمع المدني والعراقي اسم المجتمع الاهلي نسبة للأهل حيث تعبر هذه اللفظة عن واقع التطور الاجتماعي اكثر من صيغتها الغربية “المجتمع المدني”.ومن الواضح ان منظمات المجتمع المدني التي استمرت في العراق فاعلة وعاملة في خدمة الانسان ودعم معنوياته وكيانه هي الوقف ونظام الطوائف، فقد بقي الوقف حتى الان ينفق على المحتاجين وطلبة العلوم والمشاريع الخيرية، كما اثبت المذهب الشيعي قدرته على حماية أبنائه من الدولة السلطانية الكارهة لهذا المذهب، وقد ابدع هذا المذهب علوما وفنونا وصنائع عديدة تمثل فخرا حقيقيا للحضارة الاسلامية وعمقا روحيا واداريا هائلا لها. لقد دفع هذا المجتمع الشيعي “المدني” فيلسوفا فرنسيا (هنري كوربان) الى اعتبار التشيع القوة الروحية الاعمق في الاسلام وكذلك توفره على قدرات وظيفية منحت الدين الاسلامي والحضارة التماسك الذي اهلهما للاستمرار والقوة.وعندما يطرح اليوم وفي ظل اجواء التحول في العراق سؤال المجتمع المدني ودوره في حماية الفرد وتأهيله والرقابة على الدولة والتكامل معها بالوقت نفسه فان لهذا السؤال ما يبرره لعدة اسباب، اول هذه الاسباب هو الافول الذي صاحب الانظمة الشمولية وبالذات نظام صدام، كما ان الاقتصاديات الرأسمالية العالمية قد جعلت من دور الدولة وفي كل العالم يتراجع لصالح القطاع الخاص، فاذا لم يكن هناك مجتمع مدني عراقي فان هذا القطاع الخاص سيصبح في قبضة الرأسمالية العالمية خادما لقيمها كما معروف عن جبنه وذيليته.لكن الملاحظ اليوم ان اغلب منظمات المجتمع المدني في العراق ومن واقع الخبرة منظمات وهمية مرتبطة بمشاريع دولية مختلفة، فالمنظمات النسوية لا تركز سوى على الحقوق “الجنسية!!” اما المنظمات الرياضية فعلى جوازات سفر وايفادات اصحابها ومنظمات حقوق الانسان لا تفرق بين المواطنية كمفهوم حقوقي وبين الطائفية كانتماء ديني..الخ. وفي هذه الاجواء المحمومة والتسابق على المكاسب لابد لعلماء الدين من كل المذاهب والطوائف والذين يهمهم امر العراق ان يلتفتوا الى هذا الموضوع ويعملوا على توعية الافراد بان المجتمع المدني ليس غريبا عن الدين سوى بالتسمية، وان كلا الفقهين المؤثرين بالاسلام “الجعفري والحنفي” يمثلان قاعدة حقيقية للمجتمع المدني.وهذا الرأي ليس مرسلا او عاما واستطيع ان اقدم عشرات الامثلة من فقه سيدنا جعفر الصادق عليه السلام او امام الرأي (ابوحنيفة) رضي الله عنه على اساسيات المجتمع المدني ولعلي اقدم ذلك في مناسبة اخرى وفي هذا المقام تحديدا.لابد من الاقرار ان الدولة اليوم وفي كل مكان في العالم لم تعد قادرة على القيام بالواجبات التي كانت تقوم بها قبل عقد من السنين، او اكثر، وان غياب هذا الدور بشكله المشار اليه من دون توافر بدائل من المجتمع الاهلي “الديني والعلماني الوطنيين” يفسح المجال واسعا امام اقتصاديات العولمة او مشاريع الدول الكبرى والصغرى للتدخل في العراق. ان العقدة الكبرى المعرقلة لنمو المجتمع المدني العراقي كما اعتقد هو في انماط الثقافة السائدة في البلاد والتي لا تساعد على بزوغ المجتمع المدني بالوظائف التي قررناها قبل قليل، وهذه بالضبط مهمة علماء الدين والوطنيين العراقيين من كل ألوان الطيف العراقي. |