مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

صــناعة الفاشــية
جواد التميمي                                                                                                                     

الفاشية نزعة عنصرية تقارب الناس وتفاضل بينهم حسب انحدارهم القومي أو العرقي. وهي مثل نظيرتها النازية تستغل لحظة ما في التاريخ ثم تحاول توجيه دفة هذا التاريخ بالطريقة التي تخدم منطلقاتها العنصرية. ولا يسلم شعب من الشعوب أو ثقافة من الثقافات من نزعة فاشية تقوى أو تضعف بحسب قوانين الثقافة وتحولات التاريخ. وارى ان انوه ان لفظ الفاشية قد ارتبط باسم حزب في ايطاليا تزامن مع وجود هتلر في السلطة وعبرت عنه شخصية موسولليني. ولا يمثل ارتباط اللفظ بالسلوك الا على قاعدة النظرية والتطبيق.

 

 

  لقد مثل الامويون في غابر الحضارة العربية الاسلامية النزعة الفاشية التي مثلت نكسة مبكرة لهذه الحضارة العظيمة والواعدة. وفي التاريخ الحديث اقترب البعثيون من الفهم الاموي للتاريخ والحضارة وحاولوا تقليدهم والنتيجة معروفة لدى الجميع. بيد اني احاول التركيز على موضوعة ابعد من ذلك، واعني بها الاجابة عن سؤال يطرح نفسه: كيف تتحول الشعوب وثقافتها الى حاضنة وصانعة للفاشية ومشجعة عليها بل ومستعدة ان تضحي حتى بارواحها في سبيلها؟، على ان النزعة الفاشية قد تندمج في نوع من النرجسية الوطنية او الاحساس بالتفوق العسكري كما في العسكرية اليابانية بعد الحرب العالمية الاولى وقبل الثانية. ويقدم المثال الياباني نموذجا مبسوطا وصالحا للدراسة عن جانبين اساسيين في الموضوع هما صناعة الجمهور للفاشية وتعلقه بها ثم امكانية التحول الى النقيض التام لهذه المضامين غير الانسانية وبفترة زمنية بسيطة امام خطورة وعظمة التحول من النقيض الى النقيض.  ولا اريد ان اخفي السر الذي يجول في اعماقي عند كتابة هذا الموضوع وهو الترويج لثقافة البعث في الاعلام العربي وتبني بعض العراقيين هذه الثقافة والصوت العالي لهم رغم الجرائم الخطيرة التي ارتكبوها والتي يعتبر تجاوزها اقرارا عاما وتواطؤا مع الفاشية بمضمونها الفلسفي وتاثيراتها الانسانية.  ان الغالبية العظمى من العراقيين مع المصالحة الوطنية من دون شك او جدال. لكن ينبغي للعقل والتفكير مراجعة الماضي ومساءلة الذين تسببوا في كل هذه الفضيحة المتمثلة بخرائط المقابر الجماعية او مصادرة الارادة الوطنية او افقار البلاد الغنية اصلا. ان الطرح الاعلامي لموضوع المصالحة ساذج احيانا ومغرض في كثير من الاحيان. فكيف تكون المصالحة المنتظرة اساسا لعمل سياسي سليم من دون ان يعتذر المسيئون والمسببون لنكسات العراق والمستمرة للاسف الشديد. والطريف او المحزن ان الذين يضربون الامثال بلجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب افريقيا لا يفقهون عن هذه اللجنة شيئا. فلا يمكن مقارنة سياسة الفصل العنصري في جنوب افريقيا بالقتل المنظم الذي مارسه البعثيون بحق الشعب العراقي. علاوة على الاعتذار الصريح والواضح الذي قدمه عرابوا سياسة الابارتهيد "العزل العنصري" لضحاياهم من السود اضافة الى تقديم المجرمين منهم للمحاكمات القانونية والاصولية.  ان روحا من التنظيم واحترام الزمان والنفس تسري داخل هذه الشعوب وتجعل بالامكان تحولها من سياسات رديئة تضر بحاضرها ومستقبلها الى اخرى اكثر انسانية وعقلانية مستفيدة من التجارب ومستثمرة الاخطاء في معالجة العثرات والاشكالات. فكيف بالشعوب التي لا تصغي لمنطق الحياة الاولي والبسيط؟ ان هذه الشعوب لا تستطيع ابدا ان تكون لنفسها فهما لمعنى وجودها وتصبح عالة على نفسها وعلى الاخرين حتى تتحول اوطانها الى ماوى للعجزة الذين يتحاربون على كل شيء من دون ان يعرفوا معنى لاي شيء.  ويبدو ان منطق التفريط في الزمان والفرص هو ديدن النخب العراقية من سياسية وثقافية ودينية. فكيف تضيع على اي شعب حي وثقافة انسانية فرصة المقابر الجماعية في ادانة السلطويات بكل تاريخها وثقافتها ورموزها؟ لقد اصبح الضمير العراقي اليوم محملا بعبئين شديدي الوطاة: الاول هو عبء هذه السلطوية التي افقرته ماديا وروحيا، وعبء هذه القوى السياسية والثقافية والدينية التي لا تعرف الاستثمار ولا تتعامل مع منطق التاريخ لانها للاسف الشديد ليست معنية بذلك في اغلبيتها وان من يعتني بهذه الشؤون اما ينعزل او يعزل ويصبح منفيا داخل لغة الخلاص الفردي من دون ان يكون له التاثير المطلوب داخل المؤسسات والاحزاب والمنظمات.  ان الضياع المستمر لهذه الفرص اعطى للجمهور مناعة ضد الحق والعدل حتى غدا تبرير السلوك السيء بما فيه السرقة والفساد طبيعيا لدى هذا الجمهور. وهذه هي النقطة التي يمكن ان تتسلل منها صناعة الفاشية عند هذا الجمهور. وللطرافة استعينوا بعلم الطب الذي يحث على اكمال دورة المضاد الحيوي في الجسم بان ياخذ المريض دورة كاملة من هذا المضاد كان تكون عشرة او اثني عشر قرصا. فاذا اخل المريض واخذ ثلاثة او اربعة وشعر بعلامات الشفاء او بدافع من اهماله ترك المضاد الحيوي فان دورة المضاد في جسم المريض لن تكتمل حتى تتعود الجراثيم السالبة داخل الجسم على تركيبة المضاد الحيوي فلا يعود هذا الاخير مرة اخرى قادرا على قتل هذه الجراثيم وقد اكتسبت مناعة النقص عندما لم يكمل المريض الدورة. فكم من دورة مرت على الشعب العراقي ولم يكمل فيها علاجه حتى غدت الجراثيم السالبة اكثر عملقة وقوة من اي مضاد حيوي اجتماعي او سياسي او ديني. ومنذ فترة مبكرة من التاريخ العراقي عبر الشاعر الفرزدق عن هذا النقص في المضاد العقائدي والاخلاقي عندما عبر للامام الحسين عن السيوف التي عليه والقلوب التي معه. وحتى اخر فضائية تروج لثقافة المقابر الجماعية فان دورة النقص في الجسم العراقي خطيرة اذ تسمح بهذا الكم من تبرير الجريمة واعتبار المجرم بطلا وطنيا.  تقدم الثقافة اليابانية والهندية يوميا اعتذارات على مختلف الصعد عن كل مراحل الاعتباط التاريخي التي مرت بها هذه الشعوب وغيرها. ان شبح عودة الفاشية الى الجمهور هو المشغل الذي تعمل في اجوائه الصحية النخب السياسية والثقافية لهذه الشعوب التي استقامت على الطريقة فاسقاها الله تعالى غدقا من الامان والثراء والحريات. ان دورة النقص في الجسم الياباني او الهندي مفضوحة ومعلنة فلا يستطيع مثقف هندي او صاحب فضائية ياباني تمجيد الفاشية او اسباغ الصفات الاخلاقية على المجرمين والسفلة والقتلة. وحتى داخل المجال اللغوي والسبك التعبيري لا يمكن تمرير هذه الاوصاف في مسامات مجتمعات كتلك، فضلا عن المجتمعات الغربية والاميركية. لقد انفردنا وحدنا بتمجيد ابطال ناتجين عن نقص المناعة ونقص المضادات الحيوية الاخلاقية في جسم الامة فاصبحنا على خارطة العالم جنودا ليسوا مجهولين للعبط والذل وفقدان الكرامة.  وفي كل مرة يعود السؤال حائرا: من المسؤول وما هي علامات الطريق؟؟؟ حتى عميت السيوف وكلت الرماح وتهرأت اللغة وبقي الحاصل مقابر جماعية بخارطة الوطن والمزيد من الارامل واليتامى والفقراء في وطن النفط والمياه وسبعة الاف سنة وهمية او متخيلة من التحضر والمدنية.  ومرة اخرى وبعد هذه الالاف السبعة او الستة من السنين والاف المطولات من الشعر والنثر والامبراطوريات من الحول والطول والانحطاط من البرديات الى اخر فضائية بعثية من هو المسؤول وما هو الطريق؟؟؟
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home رؤى رؤى صــناعة الفاشــية
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة