| الراي العام اهم موضوعات السياسة على الاطلاق، |
|
الراي العام اهم موضوعات السياسة على الاطلاق، ومنذ قديم الزمان انشغل السياسيون والقادة في الحصول على الاستشارات التي تهيئهم ليقودوا المجتمعات ويؤسسوا الامبراطوريات والدول، وكان الاسكندر قد اختار الفيلسوف العالمي الاكثر حضورا وشهرة كي يكون مستشارا له. وفي العصر الحديث تطور مفهوم الاستشارة السياسية الى مراكز بحث منظمة دخلت في خضم عمليات الصراع العقائدي والاجتماعي والسياسي بكل جوانبه، وابتداءً من بداية القرن الماضي وحتى الان اصبح لمراكز البحث اهمية فائقة ودور خطير في رسم السياسات التي تتبعها الحكومات مع شعوبها او الدول مع نظيراتها وجاراتها من الدول الاخرى، فقد تغيرت البطانة الاستشارية القديمة المحيطة بالحاكم وضغطت الصراعات على الموارد والنفوذ بقوة على الانظمة كي تستعين بمعلومات واستشارات خارج اجهزتها التقليدية الامنية والعسكرية، والنقطة المهمة التي يجب الاشارة اليها في وصف عمل مراكز البحوث هي قدرتها على ادماج اوسع جمهور من الناس بطرق الاستفتاء وكذلك الاعلام الذي حقق حضورا طاغيا في حياة انسان العصر الحديث. وقد نشأت هذه المراكز بشكلها الحديث في الغرب وفي الولايات المتحدة الامريكية تحديدا، وسبب هذه النشاة والانتشار تعود الى طبيعة النظام السياسي الاميركي الذي يفتقر الى انظمة حزبية صارمة اضافة الى قوة المجتمع المدني وكمية الاموال التي يمكن ان يوفرها هذا المجتمع في دعم مراكز البحوث، اضافة الى السبب الرئيس وهو النظام اللامركزي الامريكي. وقد حاولت هذه المراكز في تطور اساليب عملها ان تقيم جسرا بين الفكر الاكاديمي والمعرفة السياسية العالية "التجريدية" من جهة وبين السياسات التي تسلكها الدول من الجهة الاخرى. لقد ساهمت مراكز البحوث "الامريكية تحديدا" في رسم مسارات القرار السياسي الامريكي وفي القرارات المصيرية الكبرى بما فيها الحروب واشكال الصراع العقائدي وبالذات في المرحلة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة والنظام القطبي، فطبيعة الصراع الايديولوجي بين الراسمالية والاشتراكية جعلت من التاثير على الراي العام في اوروبا الشرقية مسالة مصير في نظام الغرب الراسمالي، وفي هذه الفترة أنشئت مؤسسة راند عام 1948 التي اعتمدت تمويل الحكومة الفيدرالية وكذلك معهد هدسون (1961). وفي مرحلة لاحقة اختصت مراكز البحوث الاميركية والغربية في الانتظام مع جماعات الضغط المحلية وجماعات المصالح من اجل احداث تاثير في الراي العام المحلي ازاء قضية معينة مثل الانتخابات او المصالح العليا او الضرائب او غيرها. وتطورت نشاطات هذه المراكز عندما اخذ الكونغرس الاميركي يستمع باستمرار الى شهادة باحثيها في القرارات الاكثر الحاحا في السياستين الداخلية والخارجية. فمثلا اعتبر معهد الانتربرايز 1944 "قلعة" لما يسمى الان بالتوصيف السياسي بالمحافظين الجدد. ويعتقد الكثير من المراقبين ان مشورة المعهد وتوصياته كانت حاسمة في الحرب التي اسقطت نظام صدام حسين في العراق، ويعتقد هذا المركز ان نشر الديموقراطية في العالم يجب ان يعتبر في صلب البرامج لاي حكومة امريكية لان ذلك يصب في المصلحة الامريكية المباشرة عكس دعم الانظمة الشمولية والديكتاتورية، ويعتبر مجلس العلاقات الخارجية الذي انشئ في العام 1921 الاهم في رسم سياسة الولايات المتحدة الخارجية. ويصدر عن هذا المركز ارفع مجلة في العالم "الفورن افيرز" في مجال الشؤون الخارجية والسياسة الدولية، وترجمتها "الشؤون الخارجية". ومؤخرا اجري احصاء على 5200 مركز بحوث في العالم، ومثل الاحصاءات العالمية حول افضل 500 جامعة في العالم لم يتضمن هذا الاحصاء اي مركز بحوث عربي على قائمته، وسبب علاقة التنافر بين السياسة العربية وبين مراكز البحوث هو الطبيعة الاحادية للسلطة واقتصار مضمونها على الاقوياء او المتغلبين. وبعد الحادي عشر من ايلول التفت المسؤولون والسياسيون العرب الى اهمية مراكز البحوث فتم إنشاء العديد من هذه المراكز وكان اهمها مركز زايد للدراسات الاستراتيجية في الامارات، فقد حظي هذا المركز بشهرة واسعة وكتبت له اقلام متعددة واصدر بحوثا في مجالات المعرفة المختلفة لكنه اغلق قبل سنتين تقريبا بعدما سيطر عليه بعض القوميين والفلسطينيين ووجهوه وجهة شعبوية مثل فضائية الجزيرة. وفي اخر ندواته استضاف المركز المؤلف الفرنسي تيري ميسان الذي الف كتابا ادعى فيه ان احداث 11 ايلول كانت مرتبة من قبل اليهود وقد تجاوب الحاضرون معه في المركز بطريقة طفولية وحماس لا ينتمي الى البحث العلمي او الدراسات الاستراتيجية، ويعرف التراث العربي مفهوم اهل الحل والعقد. وهؤلاء هم الوجهاء او النخبة التي يستشيرها الحاكم او يرجع اليها في امور تبدأ من البيعة حتى القضايا الشخصية البسيطة. بيد ان مفهوم اهل الحل والعقد لم يتحول الى مؤسسات مرتبطة بالمجتمع المدني ولم تكن هذه الجماعة لنفسها حضورا مستقلا نسبيا يتيح لها ان تستمر من دون رغبة السلطات. وتبدو الحياة السياسية العربية اليوم فقيرة الى درجة مريعة بالبحث والاستشارة التي تتيح للحاكم اتخاذ القرار الصحيح سواء داخل حدود دولته وشعبه او في محيطه الاقليمي والدولي. وامام مئات الامثلة على تخبط السياسات العربية قديما وراهنا ينتصب امامنا حدث قريب عندما تداعى رؤوساء بعض الدول العربية الى الحديث عن الهلال الشيعي. ثم اردفوا ذلك بالحديث عن "مد" شيعي مماثل، من المؤكد ان هؤلاء الحكام لا يعملون بمنطق الاستشارة الواعية التي تاخذ مصلحة الاوطان بالنظر والاعتبار. فقضية الهلال الشيعي المزعوم تقدم الدليل الواضح على هذه السلوكيات الساذجة والتي لا تليق بمنطق العصر وتستخف بوعي الناس، انهم يعتمدون منطق البطانة والحاشية والمحاسيب بدل مراكز البحوث والتفكير الاستتراتيجي الذي يمكن ان تزود تلك المراكز السلطات برؤاها واقتراحاتها. اذ ان هؤلاء المحاسيب والبطانة عبارة عن جماعات مصالح اقلية ترتبط بشركات تصنيع السلاح او المخدرات او علاقات تجارة الرقيق الابيض وبالتالي فان ما يهمها هو اثارة المشاكل الوهمية الاستعراضية التي لن تمس مصالحها، فهذا الغبار الاعلامي حول "الهلال الشيعي" يوفر لهذه البطانة اجواء ان تتاجر بكل شيء بلا حسيب ولا رقيب. والساحة العراقية تعاني انيميا حادة في مراكز البحوث التي كانت زمن النظام السابق المقبور تقدم رؤية بعثية!!! لصراعات العالم والجوار. ولا حاجة بنا لذكر مضمون هذه الرؤية اذ الجميع يعيش سخافاتها ونظرية الموت التي عملت بها. ان ظروف الحرية التي تعيشها البلاد توفر اجواء من القبول النفسي بالتعدد وتشكل هذه الاجواء حاضنة لمراكز البحوث التي يمكن ان تزود السياسي العراقي بالرؤى الخصبة والواقعية والديناميات الضرورية لعملية اعادة بناء الدولة والمجتمع في العراق على اسس عقلانية انسانية سليمة.
|