مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

ماذا يفيد الانسان لو ربح العالم وخسر نفسه ؟
احمد الصالحي

هذه الحضارة الحديثة لئيمة مغرورة وطاغية. ترفض بكل جبروتها وطاقتها ان تجعلك وحدك. تقدم لك كل شيء شرط ان تخرج من ذاتك اليها. وفي أعز معاقلها في الغرب حيث تفتخر بالفردية فلا امان للافراد هناك ولا حصانة الا ما توهموا. والحضارات ارواح واجسام وغايات. وروح الحضارة الغربية الحديثة التحرر من كل شيء وجسمها الدولة والتنظيم الفائقين وغاياتها ان تستهلك اكثر الاشياء في اقل الاوقات. وغايات هذه الحضارة تحولت الى غايات عالمية حتى تبرع النحاة اللغويون الجدد بتصنيع مصطلح العولمة. وهذه العولمة تعني مرة اخرى الا تكون انت. كيف ترفض ذلك وانت تصعد الطائرات وتختصر المسافات وتتعالج بالليزر وتستطيع ان ترى الف شاشة او اكثر بالوقت نفسه.

فوقع هذه العولمة على الحضارات قد يكون بطيئا وطويلا ويمكن تزويقه بالعلاقات الديبلوماسية والسفارات او هياكل الدول القائمة في الشرق. لكن أذرع العولمة على الفرد غير ذلك. فلم يعد الفلاح القاطن في (جبايش) الهور العراقي او الراعي في البادية الغربية بمنأى عن قلق الحضارة. لقد ادخلته هذه الاذرع غير المرئية، الهائلة في قلق الوجود. ودائما في احوالنا نكون نحن الخاسرين. فقد تربح السلطة وقد تشاد هياكل للدولة وترتفع الاعلام لكن هذا الفلاح يفقد الجاموس ونعمة الاسماك والمياه ولا يربح المدينة. في هذه المدينة يعيش فلاحنا عشوائياته الخاصة. حتى لو امتلك الاموال والثروات بالطرق المشروعة وغيرها فانه ينتج العشوائية ويعشقها اذ لا نظام في هذه المدينة يجمع الناس سوى ما ركلتهم به العولمة من “دفرات” ووضعتهم امام مصائر غير قادرين على التعامل معها.
يراوح هذا الانسان الذي كان هو قبل الان في برزخ بين حياته ومتطامناته التقليدية غير قادر على التعايش معها وبين اذرع العولمة وخطابها غير القادر على تطويعها او التوافق معها. وهذا البرزخ لا يخص الافراد وحدهم فدولهم ايضا ومجتمعاتهم تقف الموقف نفسه. وحالما يشعر المثقف العشوائي بمأزق البرزخية المتطاول هذا لا يعود قادرا ان يكون هو كما تقتضي قوانين الثقافة التي تعني الوعي بالاشياء والقدرة على التعامل النقدي معها. انه يهرب سريعا واكثر من العوام ويستطيع ان يكون في الماضي وفي الحداثة في وقت واحد.
إن التجاور بين كتل غير متجانسة ولا متفاعلة لا يعني بالاخير سوى تحولها الى مادة سهلة للعولمة. فهذه العولمة قد امدت الارهابيين في بغداد بجهاز الاتصال السريع “الموبايل”، يقطعون به الطريق ويقتلون ضحاياهم بسهولة لم تكن متوفرة في غارات الامويين او الخوارج على خلافة الامام علي (ع) واكتفوا حينها بقتل المبعوثين والرسل. واحتاج المغول الى ان يجتاحوا اسيا الوسطى والصين حتى يصلوا الى الجد العشرين لهذا الذي يقتل بالموبايل في بغداد. وبعد ان دفنهم المماليك في رمال سيناء دفنت عولمة نابوليون اخر سلطة مهمة للمماليك.
لكن مماليك آخرين وجدوا لهم في العولمة وقوانينها حضورا وثراء يصل الى مرتبة رؤساء الدول او قادة الرأي العام او ان يكونوا على رأس اغنى مائة ثري في العالم. واعجب للذاكرة البشرية التي نسيت بول بوت والخمير الحمر وكيف اضحى هؤلاء نسيا منسيا من دون ان تسلط عليهم الاضواء ويدخلوا مناهج التعليم ومراكز الدراسات والبحوث. فكان يمكن لبول بوت وحزب الخمير الحمر الشيوعي الماوي في كمبوديا ان يكون مزارعا معتدلا او عدوانيا. فاذا كان عدوانيا او قاتلا فسوف يقتل جاره بمحراث او منجل او “توثية” وفي احسن الاحوال اطلاقة نارية من “برنو” مستعملة. لكن العولمة أمدت الخمير الحمر بذراعين الاول هو نظرية داروين التي تؤكد ان البقاء للاصلح. وان الشروح وشروح الشروح على هوامش النظرية قد وصلت الى الخمير الحمر في كمبوديا على الشكل المبسط والمريح التالي:
ان الطبيعة تنتقي الاقوى وان الانواع الضعيفة تنقرض وان الاصل في هذه الارض للقوة وان الثورات وما يصاحبها من قتل كما يقول ماركس هي وقود التاريخ الذي يحرك عجلاته نحو الهدف الاسمى -الشيوعية- من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته. ولان الحضارة الغربية قد ابدت لنفسها التحرر من كل شيء فقد تحرر الماويون الشيوعيون في كمبوديا من شعبهم اذ قتلوا وفق ابسط الاحصائيات نحو مليونين من البشر ثم تحرر الروس بعد ذلك من الشيوعية وعادوا الى الارثوذوكسية في الدين والمافيوية في الاقتصاد.
اما مصدرو العولمة وسدنتها  فقد تطهروا بعد تعب ولغوب بأن جاؤوا باحد احفاد عبيدهم ووضعوه رئيسا لهم. انهم يقدمون الدليل لانفسهم انهم احرار من كل شيء. وفي احدى المؤتمرات الصحفية للرئيس الاميركي الاسبق رونالد ريغن سأله احد الصحفيين ان كان يشعر بتأنيب الضمير ازاء ضحايا هيروشيما وناكازاكي اجابه ريغان: ان ضحايا هيروشيما كان يمكن ان يكونوا اضعافا مضاعفة لو استمرت الحرب!!.
وعلى طريقتهم الخاصة ينتج اقوياؤنا عولمتهم للحياة بالغاء الدين والاخلاق والعدالة لصالح شهوة البقاء في السلطة. ويطال التخريب المنظم كل شيء في هذه العوالم البرزخية التي لا تستطيع مفارقة مواقعها الا لما هو أسوا واكثر فوضى واقل يقينا.
والا لماذا يتصدر فقراء العرب والعراقيين قائمة العالم وهم في بلاد غنية؟ لن تجد جوابا على هذا السؤال العصي لكن المؤكد ان الامويين كانوا قد قرأوا بطريقتهم الخاصة نظرية داروين وطبقوها بالفعل على امبراطوريتهم التي جعلت لبرزخ المنتظرين المعاصرين جذر تاريخي يمدهم كل مرة بالبقاء على قيد الشعوب التي ادمنت هي الاخرى ان لا تكون هي وترجح كل مرة في خياراتها بين الاموية والعباسية او السلجوقية والبويهية او الاميركية والبريطانية لكنهم في النتيجة مماليك في برزخ بلا نهاية.
فما هي وصفة ان يكون الانسان هو وأن تكون المجتمعات هي؟ ان أسوا الطرق في سلوك الاجابة هو طريق الثقافة العربية كما تبدت في الفقهاء والشعراء. لقد تحول هؤلاء اليوم الى كتاب ومفكرين واصحاب مشاريع فكرية يستنسخون الغرب على انه نحن وينظرون الينا على اننا هم، وفيما هم فيه لا هم هم ولا نحن نحن. وهم بذلك لا يملكون فضيلة بول بوت الذي اصابه المرض على ضياع ملكه والجماجم المليونية التي تركها خلفه فقضى نحبه مريضا على العكس من صدام الذي كان معافى وقوي الجسم سقيم العقل والضمير والروح يحتضن القرآن الكريم ليوجه رسالة تبثها قناة الجزيرة ويخرج على اثرها مماليك في المغرب وفلسطين وبعض العراق او ان يعتبر بعض الفلسطينيين خلاصهم في هذا المملوك الذي حمل مصحف الشام في قفصه في بغداد واستنسخت اوهامه والذين هم ليسوا هم مماليك في عباءة محامين عرب....الخ.
شاهت الوجود وكلت الالسن وعميت الابصار من دون ان نكون نحن ولكن هل استطيع ان اكون انا.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home رؤى رؤى ماذا يفيد الانسان لو ربح العالم وخسر نفسه ؟
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة