|
د. زهير معتوق قد يجد أحدنا نفسه سعيدا من دون سبب وعندما يحاول الامساك بهذه اللحظات تتبدد مثلما جاءت من دون سبب واضح. وبالمقابل وفي لحظات اخرى يشعر الانسان عميقا باحباط او كآبة بمعزل عن المؤثرات الخارجية في حياته وأسرته وعمله. تمر كل هذه الحظات على الانسان العام من دون ان يحاول تعليلها او تفسيرها بينما يقف العلماء عندها كثيرا محاولين معرفة دوافعها واسبابها العميقة شأنهم مع بقية المسائل التي تخضع جميعا لمعرفة الاسباب والوقوف عليها. ومنذ أقدم الازمان اهتم الانسان بتفسير الظواهر السلوكية والنفسية محاولا ايجاد المسوغات المقبولة للسلوك البشري الفردي والجماعي.
وقبل ان يظهر علم النفس كعلم مستقل ويتفرع في دراسة الظواهر الانسانية كتب أرسطو عن الامزجة التي تولد مع الانسان وتحدد مسار حياته. وحدد هذه الامزجة باربعة: المائي والهوائي والترابي والبلغمي. وحاول تفسير استجابات الانسان وتكيفه وانفعالاته في ضوء ما اعتقده تكوينات نفسية تحكم السلوك البشري قهرا وتولد معه. أي ان الانسان يولد بكيفية وراثية تسم حياته وسلوكه طيلة الفترة التي يقدرها الله تعالى له في العيش. كما درست الفلسفة اليونانية والاسلامية والوسيطة فكرة القضاء والقدر وحرية الارادة الانسانية في مباحث عامة قبل ان تختص هذه المباحث في علم النفس الحديث وفروعه المختلفة وصولا الى علم الهندسة الوراثية الذي يشكل احد التحديثات الاخلاقية التي تواجه الانسان الحديث. وازعم ان هذا العلم سوف يحدد الى درجة كبيرة مسارات نظرة الانسان الى نفسه والى الاديان وبقية العلاقات التي تربطه مع غيره. في بداية تسعينات القرن الماضي دخل احد الاميركان مطعما وقام باطلاق النار على احد الجالسين. وبعد القاء الشرطة القبض على القاتل تمت احالته الى المحكمة التي حكمت عليه باقصى ما تسمح به قوانين الولاية وهو الحبس مدى الحياة لان قانون الولاية لا يسمح بالاعدام. الى هنا وتبدو القضية بسيطة ومكررة ومألوفة تقريبا. لكن الذي حصل بعد ذلك ان المحكوم قد إستأنف الحكم وطلب المحكمة ان تنظر في تاريخ عائلته “الاجرامي” وانه ضحية هذا الحتم الوراثي الذي لا مرد له. وبالفعل قبلت المحكمة الاستئناف واحالت اوراق القضية الى خبراء في علم النفس والجينات الذين اصدروا بعد ذلك قرارا شكل صدمة للرأي العام اذ أعتبر تقرير اللجنة القاتل غير مسؤول عن عمله بحكم تاريخ العائلة الوراثي وسيطرة “جين القتل” والعدوان على عقل المتهم. لقد شكل هذا التقرير واذاعته اشكالات اخلاقية ودينية وقانونية وسياسية لا حد لها. ولا تزال حتى الان المشكلات الناجمة عن تحديد اسباب الخطأ او الجريمة تمثل تحديا للانسان يخالف كل تاريخه الذي ينص على عقوبة المجرم او الجاني او الشاذ. بل ذهب الامر الى ابعد من ذلك عندما برأت محاكم اميركية بعض النساء اللواتي قتلن اولادهن بعد الولادة اذ توصل علم الهندسة الوراثية الى وجود هستيريا تصيب بعض النساء بعد الولادة اطلقوا عليها اسم “هوس ما بعد الولادة”. وصحيح ان علم الهندسة الوراثية حديث نسبيا لكنه اصبح اليوم يشكل نوعا من اعادة التشكل الاخلاقي والقيمي في العالم وفي الغرب على وجه التحديد. في العام 1999 قام احد الباحثين بعمل تجريبي على الفئران. اذ حقن هذه الفئران بخلاصة جين مرتبط بعمليات التذكر وبعد فترة استطاع العالم ان يرصد التحسن في قدرة الفئران على التعلم افضل من السابق. وفي الجرائم التي ترتكب يعمد الباحثون والعلماء المهتمون الى تحليل (بول) هؤلاء المجرمين ليلاحظوا أن طفرة معينة قد حدثت في احد الجينات التي تسبب السلوك العدواني. لقد تحولت هذه التجارب الى هوس حقيقي ثم توجهت نحو السينما التي دخلت على خط صناعة الادميين الجدد او المتحولين بعد ان كانت مقتصرة على المستذئبين. ان التحديات التي يطرحها علم الوراثة السلوكي بتقنياته الحديثة واجهزته الدقيقة يشكل تحديا كبيرا لمفهوم الاخلاق نفسه. لقد ذهب بعضهم الى قراءة التاريخ على انه حركة الجينات في عروق الناس معللين ظهور الحضارات في مناطق من دون غيرها جينيا ووراثيا. وقد استغلت النازية والفاشية والبعثية والشيوعية وكل الفلسفات الشمولية اجواء الوراثة والعنصر والرس في تبرير العدوان والظلم. ان الارادة التي اوجدها الله تعالى في الانسان هي التي تحدد آدميته وفرقه النوعي عن بقية المخلوقات الكونية.. قال تعالى في محكم كتابه الكريم “انا خلقنا الانسان في احسن تقويم” وقال تعالى “يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحا” فالكدح هنا يعني السعي في الحياة الدنيا للوصول الى مرضاة الله تعالى. والترجمة المقاصدية لمفهوم مرضاة الله تعالى هي التوازن النفسي والاخلاقي والقيمي. وبعبارة اخرى هي الارادة. فلو كان الانسان مساقا بالجينات والوراثة لما بنى الحضارة والتاريخ ولاصبح مثل الديناصورات او العنقاء منقرضا او على اقل تقدير مثل بقية الكائنات والدواب التي تعيش ساعتها وتفترس ابناء جنسها وغيرهم. وصحيح ان اكراهات معينة قد يمارسها التركيب الجيني للانسان الا انها لا تؤخذ بمفردها. كما ان الادلة البايوكيمياوية التي يقدمها العلم ومختبراته تعتبر ادلة ارتباطية وليست سببية. لان هناك ارتباط بين هذا النوع من الجين وهذا اللون من السلوك وليس كما يساق احيانا من قبل العدميين والعشوائيين والملحدين ان هذا الجين سبب هذا السلوك. لان ذلك يعد عدوانا على العقل والارادة والتاريخ. ان العلم يمكن ان يصبح ايديولوجيا إلغاء الارادة الانسانية اذا شاء القائمون عليه توجيهه بهذه الوجهة فالعلم ليس محايدا بهذه الطريقة التي يتكلم بها بعض العلمويين وهذا الوصف الاخير يعني العاملين في العلم بالتزيد والتاويل. ان الانسياق وراء هذه المقولات حول الحتم الجيني والوراثي يعني اعدام التاريخ والغاء الانسان كفاعل وصانع لهذا التاريخ. وهذه النزعة العدمية توافق الكثير من تجار السلاح والمخدرات والمليارات العابرة للقوميات والقارات. ومع وجود حتم وراثي في هذه الزاوية من السلوك او هذه الشخصية من البشر فان التنظيمات الاجتماعية الممثلة للعقل الكلي للجماعة كفيلة بأن تضعها في موضعها الصحيح بالارشاد او التوجيه والنصح او بالعقوبة السالبة للحرية والا اصبحنا كائنات اخرى تنتج في هوليوود او المختبرات مع الجرذان والقردة. لقد قدم العالم الروسي بافلوف نظرية في الانعكاس الشرطي يمكن ان تكون اساسا تفسيريا مقنعا وصالحا متوافقا مع الطبيعة البشرية والاخلاقية للانسان. اذ قسم بافلوف العقل تشريحيا ووظيفيا الى مناطق كف واثارة. تتولى مناطق الاثارة استقبال المحفزات البيئية والاجتماعية المختلفة ثم يتولى العقل التعامل مع هذه المثيرات بالترويض او الاستجابة غير العقلانية. ولا اريد شرح تفاصيل هذه النظرية لكن يشعر كل من قرأها اختصاصا او هواية انها مع علميتها تحافظ على حرية الارادة الانسانية في تعديل المنعكسات الشرطية عن طريق البيئة والمجتمع. ان صراعات الهندسة الوراثية وعلم السلوك الوراثي في الغرب جاءت متزامنة مع اطروحات نهاية التاريخ والانسان الاخير حتى تثبت ان الانسان العوبة لتوازن بايوكيمياوي وان كل ما سطره التاريخ عن الارادة وهم محض. |