مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

آفــــة الإعـــــتياد
زين العابدين فرج

إذا كان النسيان آفة العلم كما يقال فإن الملل والضجر والإعتياد آفة الحياة الكبرى. فالإعتياد والملل يتسللان ويسكنان روح الإنسان من دون أن يدري وسط زحمة الحياة وإيقاعها الذي لا يرحم. وعندما يصل الحال بالإنسان الى مستوى من الاعتياد يجعله ملولا غير آبه بالجديد ولا باحث عن إكتشاف يكون كمن يصعب علاجه بعد طول مرض قد إستمكن منه والعياذ بالله.
ولا يقتصر الملل والاعتياد على مجال معين في حياة الإنسان.

وصحيح إن بعض الناس يصيبه الإعتياد المضجر او الضجر المعتاد في حياته الزوجية مثلا في الوقت الذي يكون ناجحا ومبدعا بالعمل او بالعكس إلا أنه ومن واقع الخبرة اليومية فإن حال الملل والاعتياد يغطي أعماق الشخصية في غالب الأحيان. ثم يعيد تفكير هذه الشخصية ويعكس الملل على محيطه الأسري والعلائقي في العمل او محيط الأصدقاء. إن خبرة الملل من ناحية علم النفس “السايكولوجيا” لا تمثل عرضا نفسيا فرديا محضا فهي ترتبط بأشكال العلاقات الاجتماعية ونوع القيم السائدة ومضامين نظرة الشعب او الأمة الى الحياة وتصورها.... إلخ. ولذلك فإن التنظيم الاجتماعي الراشد والعقلاني يدفع بنظام الشخصية الى نوع من الإعتدال والتوسط الذي يعتبر الوسط الذهبي في السلوك الاجتماعي والشخصي. ويمكن عد قوانين الاعتدال والوسطية النفسية إحدى أهم مضامين الأديان التي تحض عليها. ففي مواقع كثيرة من القرآن الكريم أشار تعالى الى هذا المعنى بآيات عديدة وفي مواضع مختلفة. وفي موضوع حساس حيازة المال وطرق إنفاقه قال جل وعلا “ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا”.
وللأسف الشديد لم تنبثق “بحدود معلوماتي” نظرية علم النفس إنطلاقا من وسطية وإعتدال القرآن الكريم تحديدا. ولهذا بقيت الشعوب الإسلامية خاضعة لمنطق التجربة في الصح والخطأ مع ما ينتج عنها من مشكلات.
وفي الغرب المعاصر أقامت الدول والحكومات عيادات استشارية ملزمة وضرورية تقدم نصائح واستشارات الى الأفراد والمؤسسات منعا ودفعا لإضطرابات الشخصية الناتجة عن الاعتياد والملل. كما إن المؤسسات والدوائر تلزم أفرادها إلزاما بأخذ إجازتهم السنوية التي تقارب الشهر وتشجع على قضاء هذه الإجازة في أماكن سياحية خارج او داخل البلاد. ويلجأ الفرد الغربي في خياراته الى التطرف الإستهلاكي دفعا للملل والضجر والاعتياد. حيث يعيش هذا الفرد في دوامة من المشكلات التي تحاول مئات الفضائيات أن تبحث عن علاج لها قبل أن تتحول هذه الفضائيات نفسها في دوامة الاعتياد والملل من مشاهدتها. إن دورة الملل في حياة الفرد ليست منفصلة عن خلو معاني الإنسان الداخلية من الإحساس بقيمة عليا. فلن يستطيع أي رفاه مادي وهما حاز من درجات الإستهلاك والوفرة على أبعاد الإنسان عن الملل والشعور بالفراغ من دون أعماق سحيقة في مالات هذا الإنسان ومستقبله. ولأن فكرة المستقبل مرتبطة بالدين والمعاد فلا أمل يرجى من منطق الرفاه ودولة الخدمات في سد النقص الهائل والفجوة المتسعة بين الإنسان والقناعة والحبور. ولعل هذا هو السر في نجاح الأفلام ذات الطابع الرومانسي او المغرقة في خيالها العلمي الباحث عن عواطف إنسانية في زحمة الآلات والأفلاك والمجرات.
فقد حاز فيلم مثل التيتانيك او سيد الخواتم اضافة الى أفلام أخرى على نسب إقبال هائلة من الجمهور الغربي نظرا للمضامين والأعماق التي يفتقدها الانسان الغربي وقد إعتاد دورة الملل اليومية في حياته المضجرة. وقد عبر الأدب الغربي عن هذه الدورة بالشعر والرواية والتشكيل والفلسفة. يذهب كولن ولسن الى ان الوعي والاحساس الإنسانيين يتحولان في ظل التنظيم الحديث الى نوع من الرتابة التي تؤدي الى السلوك الآلي “الروبوت”. فيتحول الإنسان من كيانيته النوعية الى جهاز آلي يستجيب لمحفزات خارجية بطريقة ميكانيكية. وفي هذه الإستجابة يفقد الإنسان بعده النوعي الذي إمتاز به طيلة الفترة التي سبقت عصور التخصص وسيادة منطق العلم والدولة الحديثة. ومنذ أواخر الستينات حدد ولسن ان بإمكان الإنسان الخروج من هذه الآلية بثلاثة مضامين ممارساتية هي الدين والشعر والجنس. فيعتبر ولسن ان هذه المعاني الثلاثة هي التي تكثف في الانسان الوعي بإنسانيته وهي قادرة على ان تجعل من الانسان مدركا للانعتاق ومتوافرا على امكانيته. إذ تمثل هذه الثلاثية أعلى مراحل التحقق الذاتي حسب رأيه.
ومثلما يعيش العالم عولمة مشاكل البيئة والاقتصاد والطاقة فإنه يراوح أيضا في دائرة عولمة الملل والضجر. وفي هذا التلازم مفارقة دالة فاذا كانت مشكلات الغرب الصناعي وحالة الاشباع التي وصلت الى التخمة وكذلك التنظيم العقلاني “الصارم” للحياة تؤدي الى أحاسيس الملل والاعتياد فما بال الدول الشرقية المفتقرة الى كل هذه المنازع والتطورات كي يشعر أفرادها بحالات الملل والضجر نفسها؟. قد يكون الجواب لدى إبن خلدون الذي ذهب في مقدمته الى ان المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب. ولأن هذه الشعوب مغلوبة على أمرها مرتين واحدة تجاه المتسلطين الذين يدعمهم الغرب واخرى تجاه الغرب نفسه حضاريا وسياسيا وكل شيء فإنهم يقلدون هذا الغالب وبطريقتين ايضا.
 الطريقة الأولى هي ان يتماهى الفرد مع سلطته المستبدة وقد رأينا في العراق كيف يقلد الكثير من أزلام السلطة المبادة وجنودها “الثانويين” اللهجة التي كان يستخدمها رئيس النظام وأزلامه من قريته. أما الطريقة الثانية فهي تقليد الغرب الذي يمثل رمز القوة والرفاه والكمال. لقد طالت كثيرا الفترة التي كان مؤملا أن ينتج الفكر العربي والاسلامي والشرقي دفاعاته ضد الملل والمستنبطة من بيئته وظروفه. فقد نجح اليابانيون بدرجات مختلفة في ذلك رغم الأرقام التي تصل عن درجات الانتحار المرتفعة في اليابان. ويتعرض المثقفون اليابانيون وتعلوا أصواتهم أزاء ما يعتبرونه طغيان العلم وتطور التقنية الهائل الذي يقابله ضعف في الانتاج الثقافي والروحي.
 فهم في اليابان تنبهوا ويقدمون احصائيات لكل شيء حفاظا على كيانهم وقراءة لمستقبلهم. وتنشط في اليابان مراكز البحوث التي تختص بهذا الشأن وهي ليست مراكز بحوث مجانية او “إسقاط واجب” او وهمية بل ان جهود هذه المنظمات مع غيرها تصب في النهاية في رسم مناهج التعليم وسياسات الدولة ازاء برامج الأسرة والترويح ورعاية الطفولة وانشاء المتنزهات إلخ.
إن الأمل هو الذي يخلق الاحساس بالدهشة والاكتشاف وانتظار الغد فاذا ترافق هذا الأمل مع الإيمان بالله تعالى وبالمعاد فلن يعرف الملل والضجر طريقه الى النفس المطمئنة.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home رؤى رؤى آفــــة الإعـــــتياد
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة