مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

صناعة المفاهيم

عباس عبد الرزاق

لو شئنا ان نحدد اكثر المفاهيم شيوعا في الثقافة العربية الاسلامية في القرن الماضي لوقفنا عند المصطلحات التالية:

1. الدولة.

2. المجتمع.

3. الدين.

4. الصراع الطبقي.

5. الاستعمار.

6. الطبقة العاملة.

وباستثناء بعض المصطلحات الحيادية مثل الادب او الشعر او المراة "كمفهوم" فان هذه المصطلحات التي تحكمت في مداخل الكتابة والتنظير قد خضعت لالتباس كبير.

 

 

لا يمكننا في هذا الحيز ان نستوفي كل هذه المصطلحات ونبين الفارق بين مضمون المصطلح المعني في ذهن الكاتب وحقيقته على ارض الواقع. وانا اعني في هذا التقسيم ان فارقا كبيرا بين ما يقصده المتكلم او الكاتب باستخدامه لهذه المصطلحات المدخلية الرئيسة وبين حقيقتها التاريخية التطورية او الثابتة.

في الواقع تشكل هذه المفاهيم الهيكل الرئيس للاستعمال اللغوي والمفاهيمي والممارساتي في الثقافة العربية. اما في الواقع الاجتماعي والسياسي والدولتي فان حقيقة هذه المصطلحات لا تعبر تماما عما يقصده الكاتب او المتكلم.

ترد هذه المصطلحات على السنة واقلام المثقفين والسياسيين وعلماء الدين والاكاديميين. ولابد لكل هذه الفئات ان تشترك في مطابقة المعنى للاسم ا وان تختلف تبعا لدرجة ثقافتها. لكن المشكلة الكبيرة ان فئة المثقفين لا تفرق كثيرا عن الاستعمال العام لهذه المصطلحات. يشكل هذا الالتباس مصدر قلق حول مستقبل الثقافة العربية وقدرتها على هضم التناقضات وتوليد المفاهيم.

 

على سبيل التطبيق

 

لو اخذنا المصطلحات الثلاثة المهمة الواردة في البداية محل التقييم بين الحقيقة والواقع فسوف نقف عند الحقائق التالية:

في الوقت الذي يكثر استخدام مصطلح الدولة في الادبيات السياسية والاجتماعية فان المقصود بها في هذه الادبيات هي الدولة الغربية الحديثة التي تشكل نتاجا لمخاضات تجربة الغرب الروحية والمادية. فالدولة المعنية بهذا السياق هي دولة الغرب التي اقصت الدين عن الحياة ووصفت نفسها بالعلمانية حتى ارتبط في ضميرها التطور والخير بالعلمانية. ورغم حروب هذه الدولة وفظاعاتها واسلحتها النووية وما افرزته من النزعات الفاشية والنازية والشيوعية فقد اتخذت العلمانية "دينا" رسميا لها كما تصرح بذلك وتصر عليه. وعندما يستخدم الكاتب او المثقف العربي المسلم لفظ الدولة فانه يقع في منزلق معرفي او متاهة فكرية عندما يركز في ذهنه وقناعته الداخلية نموذج هذه الدولة وهو في اغلب الاحيان لا يقصدها بعلمانيتها المتطرفة او على الاقل بخياراتها المضمونية الفلسفية الكبرى.

اما المصطلح الاخر الكثير التداول فهو المجتمع. وغالبا ما يقصد المثقفون في حديثهم عن المجتمع نمط المجتمعات "الاهلية" التي تستطيع ان تعبر عن صفتها الاجتماعية في الاداب والفنون ثم وبطريقة اكثر تركيبا في السياسة. ومرة اخرى يقع المثقفون في وهم المماثلة والمطابقة. فاغلب المجتمعات العربية لم تستوف هذا المضمون الاجتماعي فقد ظلت قلقة وتقع في عيشها على حافة منطق التجمعات وليس المجتمعات. يقود منطق المماثلة المثقف العربي المسلم الى قياس المجتمع العربي بالمجتمعات الغربية. ان هذا الفصل لا يمثل انحيازا لخيارات المجتمع الغربي لكنه يتضمن وصفا لطبيعة التركيبة البنيوية لهذا المجتمع الذي افرز ظواهر السياسة والاجتماع التي نختلف او نتفق عليها رغم انها لا تعنينا الا من باب قوة وسيطرة هذا الغرب الذي لا يمكن المرور على ظواهره بحيادية تامة فهو الماسك لحركة التطور العالمي حتى الان.

واكثر المصطلحات التباسا هو مصطلح الدين. فعلى الرغم من تدين او ايمان اكثر من مليار مسلم فان الخلط واضح بين الدين بمعنى الوحي المقدس وبين التدين بمعنى الثقافة التي تنشا حول هذا الوحي. يؤدي هذا الخلط الى تحميل الدين "الاسلامي" وزر التجارب التاريخية الفاشلة مثل التجارب الدموية للامويين والعباسيين. ان الفرق بين الدين والثقافة الدينية هو نفسه الفرق بين الاصول الثابتة العبرة عن الجوهر الكلي المطلق وبين الفروع التي تعبر بدرجات مختلفة عن نفسها بشريا.

ينطبق على باقي المصطلحات الواردة نفس الذي انطبق على هذه المصطلحات الثلاثة التي شرحناها بشيء من الاختصار والايجاز. ان ما اريد قوله يتعلق بعدم فائدة وجدية الكثير من الكلام والتنظير والثقافة التي تختزن معرفيا شيئا ما ثم تعبر في الواقع عن شيء اخر. ان هذا "الفصام" المفاهيمي يولد مجتمعا فصاميا على حد سواء.

 

التوقيت


انت الان هنا  : Home رؤى رؤى صناعة المفاهيم
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة