مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

المهنة والجسد والمال

ناصر عراق

إذا كانت مهنتك تستلزم أن يراك أكبر عدد من الناس وأنت تمارس هذه المهنة، فاعلم أنك من المحظوظين، وأنك ستجني من المال الكثير، وأنك من الذين سينعمون بلذة الشهرة. واعلم كذلك أن الأبواب المسدودة ستفتح لك، وأنك ستنجو من المعاملات الغليظة التي يتعرض لها أي أحد عند تعامله مع مؤسسات الدولة وأجهزتها، وأنك في النهاية فاكهة مجتمعك ولؤلؤته الذهبية. وسأشرح ذلك تواً.خذ عندك مثلاً مهنة الطب، وهي مهنة جليلة ومرموقة، ستجد أن الطبيب يعالج الناس من دون أن يراه أحد وهو يمارس مهنته سوى المريض نفسه، أو بعض زملائه في غرفة العمليات إذا لزم الأمر.

أما العامل في مصنع أو ورشة، فلا ينظر إليه أحد أثناء ممارسة عمله سوى قلة من رفاقه في هذا المصنع أو تلك الورشة. هؤلاء الرفاق لن يزيدوا عن بضع عشرات أو مئات من الناس في أفضل حال! مع ملاحظة أنهم لا يسددون أبصارهم نحو زميلهم طوال الوقت وهو يعمل، فكل واحد منهم منكب على عمله، منشغل بتأدية واجباته المكلف بها.
لاعب الكرة
بعكس الطبيب أو العامل أو حتى المهندس والفلاح، يصبح لاعب الكرة محط أنظار الملايين -وربما المليارات- من البشر أثناء ممارسته لمهنته -وهي لعب كرة القدم- حيث يرى الناس جسد اللاعب كاملاً وهو يقف ويسير ويجري ويلتفت ويقفز ويندفع ويسقط ويطير ويصرخ ويُعالـَج -إذا أصيب- ويفرح ويحزن وينتشي ويندم ويتحسر ويسخط ويتردد ويرتبك ويبكي... الخ.
نعم، فالجمهور الذي يتجاوز الملايين (ملياران ونصف المليار يشاهدون مباريات كأس العالم الأخيرة في جنوب أفريقيا) يصوّب بصره على لاعب كرة القدم ويتأمله في كل حالاته، فيحرضه مرة، ويشجعه مرة، ويصفق له مرة ثالثة، ويعنفه مرة رابعة... الخ، سواء كان ذلك داخل الملعب، حيث الجمهور وجهاً لوجه مع اللاعب، أو يشاهده على شاشات التليفزيون.
لاحظ من فضلك أن كل دول العالم تقريباً وفرت شاشات عملاقة في الميادين العامة وفي مراكز التسوق والمقاهي لنقل مباريات كأس العالم الأخيرة حتى تهيئ للجماهير فرصة متابعتها بانتظام.
هذا الشغف بالكرة حوّل الذين يلعبونها بمهارة إلى سلعة غالية الثمن جداً. ووفقاً لما هو منشور في المواقع الإلكترونية، فإن اللاعب الأرجنتيني ميسي على سبيل المثال بلغ سعره نحو 80 مليون يورو، والبرتغالي رونالدو 75 مليون يورو، أما الإسباني تشافي فسعره الآن وصل إلى 65 مليون يورو. في حين أن اللاعب الإنكليزي روني لم يتجاوز ثمنه 53 مليون يورو، بينما البرازيلي كاكا توقف سعره في سوق الكرة عند خمسين مليون يورو فقط! أرقام فلكية... أليس كذلك؟
بلى، ولكنها تعبير دقيق عن المهارات الخارقة للرأسمالية في استثمار التكنولوجيا الحديثة لترويج وتسويق هذه السلعة الجديدة ـ اللاعبين ـ من أجل الربح الوفير.
الممثل السينمائي
للممثل السينمائي أيضاً نصيب معتبر في كعكة المال والشهرة، لأن الملايين من الناس تراه وهو يمارس مهنته بجسده كاملاً ! فالعالم كله يعرف جيداً النجوم الكبار مثل آل باتشينو وروبرت دي نيرو وتوم كروز وبراد بيت ونيكولاس كيدج وليوناردو دي كابريو وكاميرون دياز وكاترين زيتا جونز وجوليا روبرتس... الخ.
هؤلاء النجوم -الرجال والنساء- يتقاضون أجوراً خيالية عندما يتعاقدون على بطولة فيلم يعلم منتجوه تماماً كيف سيسوقونه في جميع أنحاء العالم، ويستردون ما أنفقوه أضعافاً مضاعفة.
أما الممثل العربي -النجم طبعاً- فيربح الملايين، لكنها أقل مما يكسبه النجم العالمي، لأن الممثل هنا لن يراه سوى الجمهور العربي فقط، وهو جمهور قليل العدد لا ريب بالقياس إلى جماهير العالم كله، مع الأخذ في الاعتبار الفروق بين الممثل السينمائي والممثل المسرحي، إذ تبدو حظوظ الثاني أقل كثيراً من حيث المال والشهرة، ذلك أن عدد رواد المسرح لن يصل بحال إلى مستوى رواد السينما.
المذيع التليفزيوني
يحتل المذيع التليفزيوني مرتبة أدنى في مضمار الذين يرى الناس أجســادهم وهم يمارسون مهنتـهم، لذا فإن رواتب المذيعين أقل من أجور اللاعــبين والممثلين، لكنها مرتفعة بصورة ملحوظة إذا قارناها بالمهن الأخرى مهما ارتفع شــأوها.
ربما يعود ذلك إلى أن الناس لا ترى من المذيع إلا نصف جسده الأعلى فقط، أما إذا كانت طبيعة البرنامج الذي يقدمه تحتم عليه أن يشاهد الجمهور جسمه كاملاً، فإن ذلك لا يعني أنهم سيتأملون ذلك الجسم في أوضاع متباينة مثلما يحدث مع اللاعب أو الممثل، بل سيظهر المذيع على الشاشة ضمن إطار محدود لن يوفر له أن يبدع بجسده كثيراً أمام الملايين التي تشاهده. هذا الإطار المحدود تفرضه بالضرورة طبيعة التليفزيون وبرامجه.
الإمتاع والمؤانسة
لا يغيب عن القارئ الفطن أن هذه المهن التي تدر على أصحابها الملايين تنهض على فكرة جوهرية لا توفرها المهن الأخرى، وهي أنها مهن موجهة لإمتاع الناس -ملايين الناس- في المقام الأول. وأن الجسد الإنساني هنا عندما يلعب أو يمثل أو يذيع فهو يمارس عملاً يحقق للمشاهدين لذة نادرة، ويوفر لهم المؤانسة المطلوبة لمواجهة سطوة الواقع وجبروته، ومقاومة سأم الأيام وسخافاتها.
صحيح أن الكاتب المبدع -الشاعر أو الروائي أو الصحافي- “يمتع” قراءه بالنصوص والأفكار التي يبتكرها ويصوغها، إلا أن حظوظه من التربح من مهنته قليلة جداً بالقياس إلى اللاعب أو الممثل، لأن القراءة تعد عملية شاقة نوعاً ما، بعكس (الفرجة) على مباريات كرة القدم أو أفلام السينما التي لا تحتاج إلى إعمال ذهن كبير ليفهمها الناس ويتفاعلوا معها وينفعلوا بها!
التجار... التجار
أرأيت؟ كلما كانت ضرورات مهنتك تستوجب أن يرى ملايين الناس جسدك كاملاً وأنت تمارسها أمامهم على الملأ، فأنت من أصحاب الملايين وذوي الشهرة المدوية، لكن قد يُستثنى من هذه (النظرية) التجار الكبار، والرأسماليون الذين يملكون الشركات الضخمة، فهؤلاء يعملون من دون أن يراهم أحد، لكنهم يكسبون الملايين وأحياناً المليارات من تجارتهم ومصانعهم وشركاتهم. تبقى ملاحظة جديرة بالاعتبار، وهي أن لاعب الكرة ما كان له أن يتربح مبالغ كهذه ويصل سعره إلى عشرات الملايين لو لم تحدث الطفرة التكنولوجية المدهشة في العقود القليلة الأخيرة، حيث بات من الواضح أن هذه الطفرة عززت الوسائل الرأسمالية في تسويق اللاعبين واستثمارهم -أجسادهم وملابسهم- كنجوم إعلانات للترويج للسلع المختلفة على مستوى العالم! الأمر الذي أدى إلى أن النادي الذي يدفع ملايين الدولارات في شراء لاعب معين، يدرك تماماً أنه سيستعيد ما أنفقه في ظرف أشهر قليلة من خلال استغلال هذا اللاعب في الدعاية والإعلان والتسويق للعديد من المنتجات والسلع.
أما نحن الذين احترفنا مهنة الأدب أو الكتابة، فلن يرانا أحد ونحن نعصر روحنا داخل غرف مغلقة لنفكر ونبتكر ونبدع، لذا فلا أمل في أن نصبح من الأثرياء، أو من أصحاب الملايين مثل لاعب الكرة أو الممثل، ويكفينا أننا نمتلك موهبة التعبير عما يجري حولنا ويدور في داخلنا بلغة نعرف جيداً أنها لن تدر علينا المال الوفير، لكنها قد تعجب قراءنا. وهذا يرضي طموحنا على أي حال!

 

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home رؤى رؤى المهنة والجسد والمال
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة