| سدنة (الصنم) الاكاديمي |
|
د. وليد احمد سؤال التخلف العلمي العربي السائد وبامتياز له ارتباطات الماضي والحاضر والمستقبل. هو سؤال المتوالية الزمنية التي تعيد نفسها بأشكال عديدة. جذوره قديمة، ومتجذرة بما لا تفضحه النظرة العابرة. هو حاضر بكل الأزمان الثقافية العربية، وعصيّ على الحل اللحظي أو المرحلي، فضلا عن التشخيص السطحي "منفرد -الجانب" أصلا. وتهمة الماضوية لهذا التخلف ليست متجذرة في "بنية" الفكر أو الثقافة العربية، وإلا لتحولت إلى داء عضال يستحيل البحث في مجرد حله وتفكيكه، بل هي متجذرة في "التاريخ" العربي نفسه كظاهرة متراكمة و" مضافة"، وليست بنيوية في جيناتها التركيبية بما يجعل إمكانية تفكيكها مسألة تتعلق بإعادة قراءة تراكمات الفكر والعقل العربي، كعقل ٍ سائد ٍ ومكوّن ٍ (بكسر الواو المشددة) في الوقت ذاته. ولا تقتصر المسألة على مسافة "مكانية"، سواء أكانت ثقافية أم فكرية أم تكنولوجية، في سباق الأمم، تغذي بونها المتراجع باطراد تداعيات التردي في المجالات الحضارية الأخرى، لكنها "مسافة لا زمنية"، تخضع لإملاءات قوانين الحداثة والإبداعية وأخواتها التي تتوقف عند "تكلسات الزمن" ومحدداته، ثم خلقها في بنية العقل ذاته، بالإطار والمحتوى الذي شكله وتشكل به، بما حجّم قدرته على تناول الظواهر المحيطة به، فضلا عن طلب "حكمة الصين"، وتحليلها وإخراج مدخلاتها إخراجا علميا "براغماتيا جماعيا"، وليس مصلحة فردية.هذه الظاهرة العربية السائدة بامتياز، التي تخطت حدود الزمن الثقافي أو الأركيولوجيا الثقافية، لخصها النص القرآني الفريد في كلمات أزلية سرمدية (قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم لمقتدون). وهي ظاهرة متراكبة تراكبا أزليا سرمديا عربيا لتمثل تعبيرا عن حالة ذهنية أكثر منها نتيجة "جزائية". هي حالة الذهن الذي أعفى ذاته من ممارسة دوره الفكري، وآثر السير على نهج قائم، ملغيا تطور الزمن أو المكان، أو كليهما، مرفوعة "للأس العاشر" من متطلبات البشر، بما يعطي وبالضرورة للتاريخ قيمة مضافة، تجعل للفكرة بعدا زمنيا تطوريا يتعايش مع الإقليم والجغرافيا من ناحية ومع التوق للغد بنفس القدر الذي يعطيه تدفق "نهر الفوتونات الزمنية المتزاحمة" من معنى للحظة الراهنة.. وتنسلخ عن حالة تردي الذهنية الفكرية العربية، حالة ذهنية ثانية لا تقل حدة وشأوا في الشطط الماضوي، وتكريسا لحالة التشظي والتكلس العقلي والفكري، حالة تجيب أصداء وقائع من التاريخ العربي الجاهلي، وتحديدا في مكة قبل نور الاسلام، تبلورت على أيدي سدنة الأصنام التاريخية مقابل نور الحق والحكمة. الحالة الجديدة يبعثها "سدنة الصنم الأكاديمي" المتبعثر "سرطانيا" في جسم العلم والأدب والفكر الثقافي العربي. هو صنم الفكرة المتكلسة، والعقلية المتحجرة التي تعيش على رفض الآخر. وهو صنم "سدنة الخوف" والمتاجرة بالعلم والدين حفظا لمصالحهم وتجارتهم، بما يعكس تخوفات "سدنة صنم التمر والحجر" من بزوغ شمس جديدة تصرف الناس عن سقايتهم ورفادتهم بما يهدد توارثات لأحسابهم وأنسابهم ومكانتهم في واد غير ذي زرع. صنم يطالعه سدنته صباح مساء حمدا وتسبيحا بما أغدقه من ألقاب ونياشين في فضاء التردي والانتهازية، يأكلون منه ليلا، ثم "يجترونه" نهارا، كما تجتر الشاة عشب البراري. سدنة أصنام العصر تجيب رعاعهم أصداء ترنيمات سدنة الصنم الجاهلي، قتلة الفكر والبشر، وعبدة الوثن والحجر والتمر، وترقص على أشلاء اختلاقات وتشظيات الشرك التاريخي الذي بدده دخول الفتح النوراني المحمدي لحرم الكعبة، فتحا تشظت بنوره أصنامهم. هم اليوم سدنة نار الفتنة، يذكون ألسنتها الملتهبة بعناصر كربون وهيليوم وفتن مشتعلة، "بعيون وآذان" لهم نشروها لتبقي على عوراتهم بقايا جافة عتيقة من أوراق التوت. هم شبكة سرطانية، تعيش على التواصل والاتصال الفردي البراغماتي الطفيلي، لا تعيش بذاتها في مكان، بل تمتص "علوم" ضحاياها من المخلصين الكادين من حولها. هم منظومة "عشوائية" أقاليمية تجاوزت الجغرافيا الطبيعية، وتعيش على سطحيات "جغرافيا الإدريسي"، وابن حوقل وعلوم ابن سينا والعربي وغيرهم، ولو عاشت هذه الشرذمة في زمن هؤلاء الأوائل لوقفت كذلك حجرا متكلسا أمام الجديد من أفكارهم. هم متوالية "لا فكرية" عشوائية فرّخت وتكاثرت عبر الأثير كالفيروسات، ودارت تضرب المواقع بنتن ما فرخته من بكتيريا متعفنة، أملا في هدف صائب يزيل "فكرة" وأطروحة توضع للمناقشة. هذه المنظومة المتشرذمة تسكن عقولا صدئة علاها عفن الأزمنة الثقافية كلها، وصدأ تراكمات "قمامات الماضي" التي توارثها أتباع "عرب الجهل" وما تبقى من "صنم التمر" الذي هاجر منه "سوس بكّة" بعد أن نخر نواه. هم حفدة "أبي جهل" بما تسعه "الجهالة" من دوغمائية وضحالة ورفض للآخر جملة وتفصيلا. هم أعداء "الحكمة"، وخصوم الحقيقة، ودعاة الفطام بعد التلقيم، فطاما يختم على أفواه الرضاعة اليتيمة محدودة المصدر والفكر، طلبة العلم وبقايا طلائع وأمل مستقبل أية نهضة عربية إسلامية ممكنة. هم مجاميع متناثرة لأشلاء "الثلاثمئة وخمسة وستين صنما" التي حجبت عن الكعبة نور الإسلام قبل الفتح. هم دون ورقة التوت التي غابت عن "حجيج رهط مكة" ممن عرّى نفسه من خطيئة الشرك وأدران حجب نور الإسلام عن العالمين. هم وجه عملة العصر لجهل الشرك وإن تدثروا برداء "إسلام المنفعة". هم "فُضلة الجهل" العربي وتراكماته التاريخية، وهم نزق العناد الفكري والتنكر الحضاري للمثقف وللثقافة! فضلهم على "تخلف" اليوم كفضل أبي جهل على شرك الجاهلية. لهم فضل على منتفعي "أثير الإنترنت" بطول جلوسهم وبَحلقتهم في شاشاته المضيئة، التي زادت ظلامية عقولهم، بعيون تحرقها نيران الشر القديمة ذاتها التي حرقت قلب "هند - حمزة"، وعقول صدئت صواميل إنتاجاتها الفكرية وقوفا على طوابير الانتظار السامق الطويل وراء منفعة، أو تدبيرا لمكيدة، أو نصب شرك لزميل بردهة مجاورة في معاهد تقوقعهم، أو تعقيدا لحياة طالب علم انقطعت به سبل الحيلة والمنفعة، وغاب عنه النصير، فغدا صيدا سهلا لهذه الطفيليات التي تعيش في مستنقعات الجهل وسط واحات العلم والأدب والمعرفة. يحملون لواء "مكافحة التخلف الفكري" وهم سدنته وكهنته! سدنة الصنم الأكاديمي تعرفهم بسيماهم، فرؤوسهم تنافح وتناطح التفكير والفكرة وإعمال العقل، إذ هم أعداء التفكير والمنطق، وهم "أشباه الثقافة" وهي منهم براء. وهم حاملو "أنصاف المعرفة"، وحماة التقوقع عند الكلاسيكية والعتاقة الفكرية الثقافية. هم مزحة الثقافة، وخطيئة العلم والتعلم والتعليم والأدب، وما لفظته بواقي المدنية والحضارة. تجاوزهم وفضح سوأة خطاياهم ومعاقلهم وتطهيرهم من كراسي العلم، هي الخطوة الأولى نحو نهضة العلم والتعليم والبحث والفكر في العالم العربي- ودرجة أساسية على سلم الرقي والنهضة العلمية واللحاق بسائر الأمم!
|