مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

عبيد وعبودية

حميد فاضل العبودي

يحلو لبعض الفلاسفة والمفكرين قراءة التاريخ الانساني باعتباره مسيرة نحو الحرية. يذهب هؤلاء وفي مقدمتهم الفيلسوف هيغل الى ان غاية التاريخ هي الحرية. ورغم الغموض الذي تنطوي عليه العبارة فلم تحدد هذه العبارة ماهية هذه الحرية الا ان الواضح انها مرتبطة بالانسان.في مدارك الانسان العام تقابل العبودية فكرة الحرية بمعنى الانسان العبد والانسان الحر. وليس بعيدا فان هذا المعنى قد اقتصرت عليه الثقافة العربية وبعض المدونات الفقهية في نظرتها للحرية. اذ لم تتجاوز الثقافة العربية الاسلامية القديمة فهم الحرية الا باعتبارها نقيض العبودية اقلريبة من مفهوم الرق والاسترقاق.

والحقيقة ببساطة ان حرية الانسان الفرد كما يحلو لبعض الفلاسفة والمفكرين الكلام عن طرقها وتحققها تعتبر وهما كبيرا من الاوهام. ولا باس بهذا الوهم ان يكون جميلا ويتعلق به الانسان كي يخف عنه اشتراطات الحياة واثقالها. ولنحدد النقاط التي تدعم فكرة وهم الحرية التي نادت بها بعض الفلسفات والافكار القديمة والحديثة:
1. يولد الانسان محكوما بمجموعة عوامل وراثة لا فكاك منها. فصنف الدم والامراض الوراثية ودرجة الذكاء وحتى المزاج ينتقل وراثيا. لقد اظهرت الدراسات الحديثة اكثر واكثر طغيان الوراثة على السلوك الانساني بدرجة اكبر مما كان معروفا سابقا. وهنا نسال سوالا بسيطا: فهل ان حظ المراة الجميلة في الحياة مثل حظ المراة غير الجميلة؟ رغم ان كلا المراتين لم تختارا شكلهما. من المؤكد ان حظوظ المراة الجميلة على العموم اكبر بكثير من نظيرتها حتى لوكان فارق العلم والخبرة لصالح المراة غير الجميلة. بل واكتشفت الدراراسات الحيدثة ايضا ان المزاج ينتقل بالوراثة. فالشخصية الانبساطية تطرح جيلا من الاولاد يملكون نفس الشخصية.
اما الشخصية العصابية والقهرية والتي لاتستطيع الاستمتاع بالحياة فانها تورث ذلك لابنائها. وكثيرا ما نشاهد في حياتنا اليومية انتقال امراض وراثية كارثية مثل الشيزوفرينيا عن طريق الاباء. كما توجد في العائلة الواحدة او المتصلة بنسب قرابي واحد حالات انتحار دلالة على قوة الوراثة اذ ان الانتحار يعتبر امرا شائنا ومستقبحا في كل الثقافات.
2. لا يختار الانسان المكان الذي يولد او يعيش فيه. فهل ان العيش في بغداد مثلا وفي درجة حرارة فوق الخمسين مثل العيش في اي منطقة في العالم بدرجة حرارة لا تتعدى 25 مئوية او اقل قليلا. من المؤكد ان حرية القرار التي يمارسها انسان يعيش في حرارة 25 مئوي اكثر حرية من الذي يعيش في الخمسين درجة مئوية.
3. في حياة العظماء والمشاهير مواقف ومفارقات جعلت منهم عظماء ومشاهير اعتمدت جلها على المصادفة. وبمراجعة لحياة هؤلاء العظماء والمخترعين والمكتشفين لابد ان نعثر على هذه المصادفة التي حولت مسار حياتهم وطبعت مستقبلهم بطابع النجاح والاستمرار.
اما في الحياة الشخصية اليومية التي نحياها جميعا فان هذه المصادفات تعلب ادوارا "حاسمة" في حياة الناس العاديين. ولا اظن ان احدا من القراء لا يتذكر حادثة قد افلتت منه وكان يمكن ان ترفعه مراتب ومراتب. او على العكس يتذكر حادثة اخرى هوت به اسفل سافلين في المعيشة المادية او غيرها. وبالنسبة لشعب مثل الشعب العراقي دخل حروبا اثر اخرى فان الكثير من الجنود يتذكرون كيف افلتوا من الموت باخر لحظة وكيف ان حياتهم هذه زيادة من الله تعالى بها عليهم وعلى اسرهم.
4. يعيش الانسان في الحياة ومعه الى جانب الجد والاجتهاد سحر في الشخصية وكيمياء في القدرة تحول التراب معه الى ذهب فيما اخرين يتحول معهم الذهب الى تراب. حتى ان الامام الصادق (ع) ذهب في حديث شريف الى ان "الرزق رزقان رزق تسعى اليه ورزق يسعى اليك". وقد عبر الشاعر العربي عن اعتباط المقادير وصناعتها للانسان بقوله:
لو اقبلت صارت تقاد بشعرة
وان ادبرت صارت تقد السلاسلا
وقد تم ترجمة هذا المعنى في الامثال الشعبية العديدة وبضمنها مثل معبر يقول: "لو اقبلت باض الحمام على الوتد وان ادبرت بال ابن اوى على الاسد". لا يعرف احد سر هذه المقادير وكيف تتلاعب بمصير الانسان. ولا يستطيع الا من اوتي ايمانا راسخا ان يتجاوز اقدار الزمن واعتباطاته وقهره وكيف تدوس الايام على الفقراء وضعاف الحيلة. بل ان شخصا مثل الامام علي عليه السلام وهو اعلى مراحل النفس المطمئنة في تاريخ الديانات والثقافات يقول "ضياع الفرصة غصة". وكل ايام التعيش الذي لا يملك قدرة على الفعل والاحاطة بقوانين الاجتماع او في المجتمعات المنافقة تعتبر غصصا تعبره يوميا. ولهذا السبب لا غيره يعتبر الغرب اعظم حضارة انسانية في التاريخ بعد ان استفادت من الحضارة اسلامية في الاصول العامة في التسريع وجعلت لكل انسان يعيش على ارض الغرب معاشا ورزقا يكفيه مؤونة الذل والحاجة الى الناس والتسول. واظن ان خبرا صغيرا لم يقف عنده اهلنا في العراق وامام مدلولاته وهو الخبر الذي تضمن ازمة كبرى بين الرئيس اوباما والكونغرس الاميركي حول الضمانات الصحية. فنحن العراقيين لا نتابع بالطبع سوى اخبار الحروب والذبح على الهوية او في احسن الاحوال الفيديو كليبات الخليعة. اذ لم تتطوع اية قناة تلفزيونية ان تعقد ندوة واحدة حول الازمة التي وصفت بالكبرى بين الرئيس اوباما والكونغرس الاميركي. واستميح القراء عذرا ان استطرد لشرح هذه الازمة الكبرى.
اراد اوباما ان يبتدئ رئاسته بقانون يخدم الغالبية العظمى من الامير كان فاختار قانون الضمان الصحي الذي يعني ان يكون الانسان الاميركي بغض النظر عن هويته ولونه وديانته وان كان عاطلا عن العمل او عاملا مشمولا بضمان صحي منذ تكونه جنينا حتى رحيله عن الدينا. وبالطبع فان الكونغرس لا يستطيع ان يرفض ظاهريا على الاقل مشروعا اخلاقيا مثل هذا. لكن لك يعني في مجتمع مثل الاميركي نفقات هائلة على الحكومة تكلف الشركات الكبرى اموالا يعرفها المختصون في علم الاقتصاد ولهذا رفض الكونغرس اقرار المشروع في البداية. وبعد ان احرج اوباما ادارة الكونغرس اضطر هذا الاخير لاقراره بما اعتبر اكبر نصر لرئيس اميركي في العقود الماضية. اذ يقدر عمر النقاش على هذه المسالة قبل اقرارها بقرن كامل من الزمان.
5. يولد بعض الناس وقد ورثوا ثروة هائلة او متوةسطة عن ذويهم فيتسيدوا هذا العالم وياخذوا برقاب عباد الله تعالى فتتخلق اثناء ذلك علاقة عبودية بين الذي يملك والذي لا يملك. فيربي هذا الوارث ابناءه تربية حسنة وتغذية ممتازة فيتوارثون المال والعلم والمناصب. ولا يبقى ذلك محصورا في العائلة خاصة في الدول الشرقية اذ يتصل مباشرة بالدولة وقادتها. ولدينا في العراق عوائل تحكم في القصور منذ عصور المماليك رغم انهم ليسو عراقيين وان اغلبهم جاء من قفقاسيا او اسيا الوسطى او تركيا فبقي يحكم بالثروة وبالسلطة بذات الوقت. فمن المؤكد ان حرية مالك المال والورث الواسع وخياراته في الحياة اوسع من الذي يولد صفرا حيث ان اغلبية هؤلاء يبقون طيلة حياتهم يبحثون عن الرزق وشحيح المال وضيق المسكن.
من يتق الله تعالى يجعل له مخرجا.
كل حرية خارج المعمار الالهي للكون وهمية وفاشلة. اذ ان اي تفسير للاكراهات الخارجية على الانسان لا يمكن ان يستقيم دون الايمان بوجود اخرة وبعث ونشور وحساب وعقاب. ليس ذلك فقط وانما يحث الدين الاسلامي على مقاومة الاكراهات والوصول الى الحرية الداخلية عن طريق العبادة والصفاء مع الله تعالى والمعراج في ملكوته.

 

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home رؤى رؤى عبيد وعبودية
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة