مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

المثقفون والعامة

حسن عمران

هنالك خصومة كأنها ثابتة بين المثقفين والعامة من الناس. ولا يمكن العثور في التاريخ إلا على نوع وكأنه مؤصل من نظرة المثقفين إلى العوام ووصفهم باسوا الأوصاف. وفي غالب الأحيان وعند مرور الإنسان بتجارب شخصية وعملية في المحيط العام قد تتضح بعض النقاط الصحيحة والقوية في موقف المثقفين من العوام. ولا اقصد بالعوام هنا مجرد الناس لكن المقصود دائما هو طريقة التفكير بالأمور العامة وخاصة في الدين.
وفي لحظات من التاريخ يفرض العوام أنفسهم على الواقع لأسباب متعددة ومختلفة. وتشهد المجتمعات في حال سيطرة العوام مشكلات قد تصل إلى المذابح وانتهاكات الأعراض وتعطل المصالح. ويكفي ان نشير إلى حادثة مشهورة في التاريخ العربي تتعلق بعلم من أعلام الثقافة العربية هو محمد بن جرير الطبري. والطبري معروف على نطاق واسع مؤرخا ومفسرا. توفي الطبري عام 310 للهجرة وقد تعذر إخراج جثته من منزله عندما أحاط منزله العوام ورموه بالحجارة واصفين الطبري بالكافر. والسبب في ذلك يعود إلى رأي الطبري بأحمد ابن حنبل فقد عده محدثا وليس فقيها. ولما تجمع الحنابلة حول بيت المتوفى اضطر أهله ان يدفنوه في باحة الدار إذ ان الحنابلة بقوا يسورون الدار حتى في الليل.

فلاسفة أوروبا أيضا يكرهون العامة
ضربنا مثلا بالطبري استبقنا به تسلسل تاريخ عداوة المثقفين للعوام. كانت هذه العداوة على أشدها في تراث الفلسفة الإغريقية. والمعروف عن هذه الفلسفة أصلا عنصريتها واعتبارها الشعب اليوناني هو أصل الشعوب وان غيره برابرة ومتوحشين. وبالاستناد إلى هذا الرأي فان موقف الفلاسفة من العامة من أبناء جلدتهم يكون ابلغ وأكثر نفاذا بعد هذه النرجسية والشعور بالعنصرية والتفوق.
فكان يعرف عن الفيلسوف الشهير هيرقليطس تعمده ان يكتب الفلسفة بلغة غير مفهومة حتى لا يفقهها العوام فيدخلون في سلك الفلسفة فيشوهونه. أما فيلسوف السياسة ميكافيلي فيصف العامة بالمبتهجة للشر وان كثرتها دون قائد يلمها ويوجهها بلا فائدة وتنعكس عليها نفسها على شكل مشكلات وجرائم وفقر.
أما الحكيم سقراط فقد ذكر العامة في ساعات المحاكمة الصعبة قائلا: "أنا أرى ان آراء الناس العاديين ما هي إلا أوهام، اعتقادات بلا جوهر وظلال شاحبة للحقيقة ينبغي ألا تؤخذ بجدية وإلا قادت المدنية إلى الضلال". ثم يصل بعد ذلك إلى ما هو أقسى وأمر عندما أضاف: "كيف تصغون إلى رأي الاسكافي والدباغ والصانع حين تبغون العدالة في جمعيتكم بالوقت الذي تخنقون صوتي" ويذكر المؤرخ الشهير ازوالد اشبينجلر صاحب كتاب "تدهور الحضارة الغربية" (ان هذا العنصر -يقصد العوام- هو ذاك الموجود في جميع المدنيات وتحت مختلف نعوت التحقير مثل حثالة الأمة أو أراذل القوم والغوغاء أو الدهماء. كانوا هلامات لا جذور لهم مثل سكان يقفون خارج كل دائرة الارتباطات الاجتماعية. ورغم وجودهم عندما يتخذ السياسيون القرارات العظمى فكأنهم عناصر مقتلعة من جميع الطبقات). ويشترك شخص مثل برديائيف الذي يحب الحرية والفقراء وقد دعم الفلسفة الوجودية في كره ثقافة العامة ونزعاتهم. يقول برديائيف: "ان الجماهير لا تقدر الحرية وهي تقنع دائما بالأنماط الروتينية وترضى بالأشكال المعتادة حتى وان كانت منحطة للوجود البشري". أما سورين كير كيجارد والمسمى بفيلسوف الوجودية الأول وقد كان قسا مؤمنا فيذكر بخصوص العامة: "ان الحشد أي العامة باطل في ذاته". ويذهب نيتشه كعادته إلى أقصى درجات بغض العامة وهو الذي ابتكر فكرة القطيع ووضع لها تعريفا بأنها: "نسق القيم التي يتم خلالها السيطرة على حياة البشر".
العامة في الثقافة الإسلامية
ان مما يعطي بعض المصداقية لبغض العامة ويميزها عن كره الإنسان نفسه أو التحيز العنصري ضد البشرية هو تصنيف الإمام علي للناس ثلاثة أصناف. فقد قال عليه السلام: "الناس ثلاثة: عالم رباني أو متعلم على سبيل النجاة والبقية همج رعاع ينعقون مع كل ناعق". فليس معقولا ان يبغض الإمام علي الإنسان لمجرد جهله أو قلة ثقافته أو معرفته. ولكنه سلام الله عليه قاسى وعانى من جهل العامة والخوارج وكان يريد وضع الأمة على جادة الحق والعدل والصواب.
في البدايات المبكرة للتأليف العربي ثمة نظرة تحقيرية للعامة مارسها الطبري نفسه وقد ابتدأنا به الكلام قبلا. فيذكر الطبري في تاريخه الشهير: "مبايعة العامة عبيد الله ابن زياد بعد موت يزيد في البصرة وقالوا له قد سمعنا مقالتك وما يعلم احد أقوى عليها منك فهلم لنبايعك ثم بسط يديه فبايعوه وانصرفوا عنه يمسحون أيديهم بالحيطان ويقولون أيظن ابن مرجانة إننا ننقاد له بالجماعة والفرقة". وفي هذا الموقف يظهر الطبري "وكذلك ابن الأثير" أخلاق العامة المراوغة واختلاط هذه المواقف والقرارات دائما بالخوف والجبن والانتهازية وهي نفس المواقف التي مارسوها مع سبط النبي الحسين (عليه السلام) في قدومه إلى كربلاء كما هو ثابت في التاريخ الإسلامي. أما غيظ الشاعر والفيلسوف أبي العلاء المعري من العوام فقد كان شديدا وقاسيا أيضا. فهم برأيه لا يعملون عقلهم في التفكير ويميلون دائما للتقليد والشطط والهوى وأخلاقهم مذمومة إذ هي مزيج من البخل والغش والنفاق والحقد والطمع. وهم وعاء الفتن ومادة الاضطراب. ويذكر المعري طرفة حول شطحة من شطحات ابن عربي أودت بالعرفاني الأندلسي الشهير، فيروى ان ابن عربي قد "شطح" أمام العامة فقال: (انتم وما تعبدون تحت قدمي هذه) وفهم العامة جملته على ظاهرها فقتلوه. وباطن الجملة ان الناس وما يعبدون المقصود به المال. واضح ضعف هذه الرواية وتهافتها فضلا عن ان موت ابن عربي لم يثبت بالتاريخ بهذه الطريقة.
وقد اعتمد الفيلسوف المغربي الشهير ابن باجة أسلوب التعقيد مثل الفيلسوف هيرقليطس الذي ذكرناه قبلا مستخدما التشفيرات اللغوية والألغاز حتى يهرب من ظن العامة وسوء تفكيرها.
وتذهب اغلب الروايات إلى ان ابن طفيل "الفيلسوف والطبيب" كان يرفض تطبيب العامة وعلاجها. ومن واقع فلسفة وتوجهات الغزالي فقد قسم كتاباته وآثاره إلى خطابية موجهة للعامة وأخرى استدلالية وجهها للمتكلمين وثالثة برهانية وقد خص بها الفلاسفة. ويورد الغزالي جملة شديدة التحقير للعامة بقوله: "ولا يحل ان يوضع الورد بين الحمير ويطرح الدر في فم الخنازير" لقد استعمل الغزالي بعد ذلك للدلالة على العوام ألفاظ الخنازير والحمير.
أما ابن رشد المعروف بانفتاحه وعقلانيته فقد ذم العامة ذما شديدا وحذر من حسن الظن بها. وقد كان جمهور العامة قد رمى ابن رشد بالإلحاد وألقى على رأسه الأقذار في شوارع قرطبة على العكس من المكانة الرفيعة التي كان يحتلها في بلاط الموحدين.
عامة العراقيين والعرب اليوم
من الواضح ان النخبة العربية سواء السياسية أو الثقافية قد فشلت في قيادة الدول والشعوب العربية نحو أمنياتها في الرخاء والتقدم. وبدأت سلطة هذه النخب بالتآكل وفعلا سقطت تنظمة وأخرى على وشك ان تسقط وبذلك ينفتح الطريق أمام العامة للتعبير عن نفسها في ظروف مختلفة. فلم يعد الانفصال بين الناس كبيرا وواسعا والإنسان مرتبط بالعالم وبالدولة التي ينتمي إليها مع غيره بروابط إنسانية وثقافية إعلامية ويومية. والمفروض ان يكون دور العامة الجديد غير دورهم الشاذ والمكروه من المثقفين كما أوردنا أمثلة على ذلك من تراث أوروبا والإسلام.
ومن الواضح اليوم ان الدلائل على سلوك العامة العرب ليست مشجعة. فلم تبرز بينهم نزعات تعديلية عقلانية والأخطر في سلوكهم أنهم اتجهوا إلى الدين. وباتجاههم هذه الوجهة فأنهم يفرضون حصارا على المصلحين والمتنورين. كما ان الإعلام وخاصة الفضائيات باستجابته لهذا التفكير الأحادي والساذج يمنع ظهور حركة إصلاح إسلامية ضرورية توازن الوجود الإسلامي الاجتماعي والسياسي المتخلف بوجه الوجود الغربي المتفوق.
ان سيطرة العوام "العراقيين والعرب" على المجال الديني لابد ان يشيع أفكارا من الشعوذة والخرافات التي هي جزء من ثقافته لينسبها إلى الدين. ان ذلك يشكل نكسة للمنظومة الإسلامية حيث تنتشر في أفكار العوام قيم الجبر والتقليد الأعمى والتعصب.. الخ. والمفروض ان تنتبه السلطات السياسية الوطنية والشرعية وكذلك المثقفون إلى هذا البزوغ الجديد للعامة كي لا تستفيد السلطات الديكتاتورية القديمة عن طريق الإعلام في تحريك هذه العامة ضد الثقافة الإسلامية والوطنية الجديدة. وفي حال نجحت السلطات القديمة في تحريك العوام بما يخدمهم مثلما يحركون البعثيين والتكفيريين في العراق سوف يبقى الطبري مدفونا في باحة البيت وغير قادر على نشر كتبه.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home رؤى رؤى المثقفون والعامة
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة