مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

سلطة العوام!

حسن الجوراني

في الاستخدام اللغوي تختلف لفظة العوام عن العامة فضلا عن مصطلح  الراي العام. اذ ان كلمة العوام تعبير عن الدهماء او الغوغاء او كل ما يشين الفعل الانساني من لحظات التفلت من قوانين العقل والتنظيم والاعتدال. وليس من شعب من شعوب الارض ينجو او قد نجا من لحظات تسيطر فيها العوام على القرار السياسي احيانا او الثقافي او الاجتماعي. وتختلف الظروف التي تسمح للعوام بالسيطرة احيانا على الشارع ولفترات مختلفة. ويمكن ان نصف سيطرة العوام بانها نوع من سبات العقل لدى امة من الامم في فترة زمنية محددة. ولنضرب احد الامثلة المهمة من التاريخ الحديث عندما طلب الزعيم ماو تسي تونغ من الحزب الشيوعي الصيني القيام بالثورة الثقافية.

لم تكن الثورة الثقافية الصينية سوى حملة ابادة همجية ارتكبت خلالها افظع الجرائم بحق ابرياء. ليسوا ابرياء فقط انهم من ابناء الشعب الصيني الذين لا تهمة لهم سوى ما يقرره "الشعب" كما ورد في طلب الحزب الشيوعي الصيني والدهماء او العوام في منظور غياب العقل عن السلوك الشعبي في لحظات التوتر او الازمات. واسباب الثورة الثقافية ان الديكتاتور الصيني قد احس في احدى فترات حكمه باهتزاز سلطته لدى الراي العام. وانه لم يعد "الزعيم المحبوب!" او الملهم او ابو الشعب الصيني كما يصوره الاعلام العقائدي الدوغماتي في الصين. فاراد ماو ان ينتزع المبادرة ويلعب لعبته مستندا الى الغوغائية التي توجد في حواشي ثقافة كل شعب من الشعوب ويمكن تحريكها وبالفعل وجه الديكتاتور الصيني ومعه الحزب الشيوعي نداء بمعاقبة "البرجوازيين" او اعداء الثورة. لقد حرض النداء ملايين من الصينيين ضد ملايين اخرين. وشمل التحريض الاب ضد ابنه والزوجة ضد زوجها والتهمة اما سماع الموسيقى الغربية او قراءة الكتب "البرجوازي!" او السعي لامتلاك اكثر من ثلاثة قمصان نظيفة بالنسبة لمدرس مطلوب منه ان يكون "بروليتاريا". لقد وصلت حملات الانتقام درجة هائلة في الصين تم خلالها ارتكاب مجازر واعمال قتل لم يسلم منها الكثير خاصة من المتعلمين والمثقفين والمدرسين. لقد حقق الديكتاتور ماو من خلال هذه الفجيعة الاجتماعية التي سماها ثورة اغراضه في اشاعة اجواء من الارهاب واحداث انقسام اجتماعي يسمح له ولعصابته التي سميت بعد ذلك في الادبيات الصينية بـ"عصبة الاربعة". وكانت زوجة ماو ضمن عصابة الاربعة التي تمت محاكمتها بعد وفاة زوجها محاكمات طويلة بتهم مختلفة اقلها تحريض الشعب ضد نفسه!.
وبالمقابل لم تنجح حملة مكارثي في الولايات المتحدة الاميركية عندما خاطب القطاع اللاواعي وغير العقلاني لدى الكثير من مؤسسات الدولة الاميركية بانها اصبحت بؤرة للشيوعية. تم تجيير لفظة المكارثية نسبة الى جون مكارثي وزير الاعلام والدعاية الاميركي بعد الحرب العالمية الثانية. والفارق بين اميركا والصين ان النظام الاميركي المفتوح سمح بابطال دعاوى مكارثي وافشالها في الاعلام ولدى المنظمات الحقوقية على الرغم من بعض التجاوزات والاعتقالات التي حدثت بتهمة الشيوعية. وهنا يمكن للمراقب ان يلاحظ الخط الفاصل بين العقلانية واللاعقلانية في قطاع التفكير الشعبي. فقد مارس هذا القطاع حرية الفوضى! في الصين في القوت الذي لم تسمح بهذا النوع من الحرية مؤسسات الدولة الاميركية القانونية منها والرقابية والاعلامية مع بعض الانزلاقات التي حدثت بفعل قوة شخصية جون مكارثي والفاظه النارية وحماسه الذي يشبه حماس ممثلي هوليوود.
-2-
وعرفت الحضارة العربية الاسلامية هذا اللون من التفكير والسلوك خاصة في القرن الثالث الهجري وما بعده. لقد تمحور العمل في القطاع اللاواعي بانصار الحشوية والحنابلة وتم استخدامهم من قبل السلطة السياسية للتنكيل بالمعارضين او الاحرار. ولم يسلم رجل مثل الطبري من هذه التهمة حتى بقيت جنازته في بيته بفعل تجمهر الغوغاء والعوام ورميهم الدار بالحجارة. ويحذر الشهيد مرتضى مطهري مما اسماه بـ"حكومة العوام". وقد اصطلح الشهيد مطهري على هذه الحكومة بالاصابة بالعوام التي اعتبرها "اشد بلاءا من الاصابة بالسيول والزلازل او لسع العقارب والحيات". وقد حذر مطهري من انصياع الاحرار وخاصة من علماء الدين الى سلطة العوام قائلا "ان منظومتنا الدينية على اثر اصابتها بهذه الافة لا تستطيع ان تكون طليعة فتتحرك امام القافلة وان تهدي القافلة بالمعنى الصحيح للهداية وانها مضطرة للتحرك وراء القافلة. ان من سمات العامة انهم لا يفارقون القديم الذي اعتادوا عليه بل يتمسكون به دون تمييز بين حق وباطل. انهم يعتبرون كل جديد بدعة واتباعا للاهواء. لا يعرفون قوانين الطبيعة ومقتضيات الفطرة لذلك فانهم يخافون كل جديد من هذا المنظور ويحافظون على الوضع القديم دائما".
لقد اضطر العوام رجلا بمستوى النائيني ان يجمع نسخ كتبه "تنزيه الامة وتنبيه الملة" من السوق وحرقها رغم قناعته الداخلية الشديدة بكل الافكار والاراء التي وردت فيها الا ان سلطة العوام قد فرضت حضورها على هذا الموقف. وفي سيرة المرحوم النائيني انه اضطر ان يضع مبلغا ازاء كل نسخة مسترجعة من كتابه بعد ان ثارت ثائرة العوام ضده.
الا ان ابرز المواقف التي يغرت مسار التاريخ الاسلامي بروز الخوارج كاسوا انواع قطاع اللامعقول في السلوك الاسلامي. لقد قبل هؤلاء بغوغائيتهم الصلح وفرضوه على امير المؤمنين ثم عادوا ونقضوا ذلك اعتمادا على سلطة العوام ازاء سلطة التحرر والعقلانية التي مثلها معسكر الامام علي (ع) الذي اراد ان يحارب الخوارج لنفسهم ورفض الامام ذلك. وتمثل السلفية التكفيرية اليوم امتدادا لهذا القطاع بكل تخريبه وعصفه بالوجود الاجتماعي. الا ان ذلك يعبر مرة اخرى عن سبات العقل كما يصطلح عليه الفلاسفة وكما عبر عنه الرسم السريالي الحديث في صورة الرجل النائم تحيط به مجموعة من الجن والشياطين والطيور والحيوانات الغريبة دلالة على نوم العقل وصحوة اللاعقل. ومن فترة مبكرة حارب الائمة من اهل البيت (ص) النزعات اللاعقلانية المستندة الى رغبات العوام. فقد ضبط الامام علي معسكره وانصاره ضد هذه النزعات وقد حاجج الخوارج وكسب الكثير منهم بالعقل والنصح والارشاد. وكان الامام الباقر عليه السلام يحث انصاره دائما ان يبلغ انصارهم ومحبيهم "ان الله لا يغني عنهم شيئا الا بالعمل وانهم لن ينالوا ولايتنا الا بالورع وان اشد الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم خالفه الى غيره".
وغالبا ما يتعرض الذين يحاربون سلطة العوام محاولين بناء سلطة الراي العام الى الرحب والتبديع والتسقيط. ونذكر بهذا الصدد الحرب التي تعرض لها السيد هبة الدين الشهرستاني الحسيني الذي وصف سلطة العوام بانها "جهال الامم يميلون من قلة علمهم ونقص استعدادهم وضعف طبعهم الى الخرافات وبدع الاقوام والمنكرات فاذا سكت العلماء ولم يزجروهم او ساعدوهم على مشتهياتهم غلبت زوائد الدين على اصوله وبدعه على حقائقه وقد يمسي ذلك الدين شريعة وثنية همجية تهزا بها الامم.
ومن الغريب ان نلاحظ ان حكومة العوام كما اسماها الشهيد مرتضى مطهري ما تزال تمارس دورا في عمليات الانتخاب او صناعة الحقائق السياسية في العصر الجديد عندما يعمد بعض السياسيين الى استخدام سلطة العوام المتحدرة من ظروف القرن الثالث الهجري وليس ادل على ذلك من المؤتمرات التي تعقد في سوريا وفي السعودية.
 مع العلم ان بامكان القائمين على هذه المؤتمرات ان يعقدوها في بغداد دون حرج او خوف كما يعرفون ويعرف الجميع ذلك. ان مقياس التقدم في الابنية الاجتماعية الحديثة هو في درجة حيازتها لارضية صلبة من العقلانية والتي تعني تحييد النزعات غير العقلانية. ان هذا التحييد يسمح بوضوح الرؤية وتحديد المواقف استنادا الى المصلحة وثوابت الدين وحاجات الامة.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home رؤى رؤى سلطة العوام!
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة