مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

التنوير الاسلامي

زكي عبد الله

تعمد الفيلسوف الألماني الشهير عمانويل كانت أن تبدأ المؤلفات التي أصدرها في الشطر الأخير من حياته بكلمة نقد، التي صدر بها كتابه (نقد العقل الخالص) الصادر عام 1781م, وهو الكتاب الذي وصفه ول ديورانت بأنه هز العالم وأيقظه من نومه العقائدي، واعتمدها في كتابه (نقد العقل العملي)، وهكذا في كتابه (نقد ملكة المحاكمة أو التمييز). وذلك لاعتقاد كانت أن عصره هو عصر النقد، أو هكذا هو أراد حين أطلق هذه الكلمة الفعالة آنذاك، حيث أراد أن يخضع كل شيء للنقد، ويرفع الحصانة والممانعة عن كل شيء، ويعتبر أن ليس هناك ما هو خارج عن دائرة النقد. كما أنه أراد بهذه المؤلفات أن يدشن بنفسه هذا العصر، ويضع نفسه وفلسفته في قلب هذا العصر، ويجعل من النقد وجهة الفكر، ونفحة الفلسفة، وروح العصر. لأنه أراد أن يطلق طاقة العقل في أعلى درجاته، وهذه كانت مهمة كتابه (نقد العقل الخالص)، ويقال أن كانت أرسل نسخة من هذا الكتاب إلى صديقه هرز ليطلع عليه،

وهو المعروف بسعة إطلاعه، وعمق تأمله، لكن هرز أعاد الكتاب إلى كانت بعد أن قرأ نصفه، قائلاً له أنه يخشى على نفسه الجنون، لو واصل قراءة الكتاب إلى نهايته، واعتبره شوبنهور بأنه أعظم الكتب في الأدب الألماني وأكثرها أهمية. نجح كانت في هذه المهمة، ووصف ما أنجزه بالثورة الفلسفية، وقدم فتحاً عظيماً للفلسفة الأوروبية، حيث غير وجه الفلسفة، ومضى بالعقلانية إلى ذروتها، وبات يقال أن الفلسفة بعد كانت هي غير الفلسفة قبل كانت، وأحدث قطيعة فكرية كبرى في تاريخ تطور الفكر الأوروبي. وأصبح النقد هو علامة الفلسفة، بعد أن كانت الدهشة هي علامة الفلسفة في العصر اليوناني القديم،والشك هو علامة الفلسفة في العصر الديكارتي الذي سبق كانت بحوالي مائة سنة. وحينما ظهرت في هذا العصر، تيارات ما بعد الحداثة في داخل الفكر الأوروبي، كان في طليعة منطلقاتها الخوف من انطفاء شعلة النقد التي ظلت متوهجة طيلة قرون، والتي جعلت الفكر الأوروبي متوهجاً ومتحفزا، وباحثاً دوماً عن التقدم، حيث أرادت هذه التيارات إطلاق طاقة جديدة من النقد، تحافظ على ديناميته في داخل الفكر الأوروبي. والسؤال متى يبدأ الفكر الإسلامي المؤمن المعاصر عصره النقدي، مستفيدا من تلك التجربة التي مر بها الفكر الأوروبي الحديث، وقاد من خلالها مراحل التحول والانتقال من النهضة إلى التنوير، ومن ثم إلى الحداثة، وهو يتطلع اليوم إلى إنجاز مرحلة ما بعد الحداثة؟ لا شك في ضرورة أن يتخذ الفكر الإسلامي، من هذا العصر، عصراً يخوض فيه تجربته النقدية، وهي المهمة التي تأخرنا كثيراً في إنجازها، ودفعنا ثمناً باهضاً بسبب هذا التأخر، وكنا نخشى ونتهيب من الإقدام على هذه المهمة، وعطلنا بسبب ذلك ملكة النقد، إلى أن وصلنا إلى مثل هذه الأوضاع، التي تظهر وكأننا دخلنا عصر القرون الوسطى، التي جربتها أوروبا من قبل. فقد أصبح التعصب والتطرف والتكفير يتنامى ويتفشى بصورة خطيرة للغاية، ويتغلغل في صفوف أفضل وأثمن الطاقات في الأمة، وهم الشباب، ويحولهم إلى عقول بلا أمل بالمستقبل، وبلا سعي أو تطلع نحو التقدم والتمدن، وهم الطاقات التي لا ترى الأمم الأمل بالمستقبل بدونهم، ولا تنظر إلى التقدم إلا بهم.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home رؤى رؤى التنوير الاسلامي
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة