مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

موجات التغيير الثلاث

احمد عبد الحكيم

لا شك أن المؤرخين في المستقبل سيذكرون أن القرن العشرين كان قرن الصراع بين الديمقراطية ونظم الحكم الاستبدادية؛ بل وسيزعمون بأن التطورات السياسية الكبيرة التي شهدتها الخريطة العالمية خلال الثلاثين عاماً الأخيرة من القرن العشرين إنما جاءت نتيجةً لهذا الصراع الذي حققت فيه الديمقراطية- وبخاصةً في منطقة وسط وشرق أوروبا- انتصاراً كبيراً، جعل البعض يطلق عليه قرن الثورة الديمقراطية العالمية، بل وجعل البعض يؤكد أنه إذا ما كان هناك من ثورة سياسية في ذلك القرن فإنما هي ما يمكن أن نطلق عليه "قنبلة المشاركة، ويرمزون بذلك إلى مشاركة الأفراد العاديين في التأثير على صناعة القرار السياسي.

موجة التحول الأولى
إذن يمكننا اعتبار القرن العشرين هو قرن التحول أو قرن العبور من أنظمة الحكم الشمولية إلى النظام الديمقراطي. وهو التحول الذي تم على ثلاث موجات كبرى اجتاحت العالم على فترات زمنية متقاربة إلى حد ما. فالموجة الأولى- وهي الأطول عمراً بين الموجات الثلاث- تمتد جذورها إلى الثورتين الفرنسية والأمريكية، إذ ما فتئت تعلو وتيرتها ببطء في الفترة التي تلتهما، وخصوصاً خلال القرن التاسع عشر، لتصل إلى ذروتها في القرن العشرين عقب الحرب العالمية الأولى مباشرة. فمع بداية عشرينيات القرن العشرين أجريت انتخابات عامة وحرة في حوالي 30 دولة، وهو ما اعتبره "روبرت دال" تحولاً إلى النظام السياسي الديمقراطي، على الأقل من الناحية الإجرائية والشكلية. إلا أن تلك الموجة تحطمت في عام 1922 مع ظهور موجة معادية ومضادة بدأت بظهور موسوليني، والتي واكبها ظهور العديد من الأنظمة السياسية الفاشية أو الديكتاتورية أو الشمولية أو العسكرية في العديد من دول أوروبا وأمريكا اللاتينية.
الموجة الثانية
وما أن انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945 حتى بدأت موجة جديدة صغيرة من التحول إلى الديمقراطية شملت بلدان ألمانيا الغربية (سابقاً) والنمسا وإيطاليا واليابان، كما شملت ستة من دول أمريكا اللاتينية والتي لم تنعم بهذا التحول طويلاً، إذ واتت العالم موجة أخرى مضادة في منتصف الخمسينيات وامتدت لتشمل ستينيات القرن العشرين لتتحول دول أمريكا اللاتينية والكثير من دول أفريقيا وآسيا مرة ثانية إلى الأنظمة السياسية العسكرية والشمولية.
الموجة الثالثة
ومن المفارقات أن بوادر الموجة الديمقراطية الثالثة بدأت مع الانقلاب العسكري في البرتغال في عام 1974، ثم شملت كلاً من اليونان وأسبانيا في أوروبا، وامتدت لتشمل أمريكا اللاتينية التي حققت في ثمانينيات القرن العشرين مزيداً من التحول إلى الديمقراطية. كما طالت الموجة بعضاً من بلدان آسيا وأفريقيا، إذ شهد منتصف الثمانينيات نهاية حكم فرديناند ماركوس في الفلبين، وبعدها بقليل في عام 1988 تم القضاء على الحكم العسكري في باكستان، كما قادت النخبة الحاكمة في كل من تايوان وكوريا الجنوبية بلادهما نحو التحرر والديمقراطية. ومع نهاية الثمانينيات بدأت "قطع الدومينو" في التساقط واحدة تلو الأخرى، إذ أخذت الأنظمة الشمولية تتهاوى، وبدأت الديمقراطية تزحف وتتقدم بسرعة على وجه الخريطة العالمية، فبعد مرور 15 عاماً على ثورة القرنفل استطاعت ثلاثون دولة في أوروبا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا تحويل البنية السياسية السلطوية الشمولية إلى بنية ديمقراطية.
توابع الموجة الثالثة
وقد صاحب تلك الموجة الثالثة كم هائل من النظريات والمناهج والمفاهيم والتحليلات المقارنة المتعلقة بفكرة تغيير النظم السياسية. وهو ما أتاح المناخ لإعادة البناء المنهجي للجوانب النظرية في بحوث التحول والتغيير. كما واكب تلك التحليلات السياسية والاجتماعية لهذه التحولات التاريخية موجة عارمة من المفاضلة والتفريق والتمييز الدقيق والحدي بين عمليات التحول المختلفة، وهو ما أدى إلى ظهور "ترسانة المصطلحات" المتعلقة ببحوث التحول والتغيير، وقد استخدمت مجموعة كبيرة من المصطلحات- بشكل مترادف أحياناً وبمعانٍ متباينة ومختلفة أحياناً أخرى- لوصف الوقائع التاريخية وعمــليات التحول المختلفة التي واكبت تلك الموجات الكبرى الثلاث، فظهرت مصـــطلحات التحول والتغيير أو الثورة والانهيار والتحلل أو السقوط والتجديد والتحديث أو الإصلاح والتحرير والتحول إلى الديمقراطية وتغيير نظم الحكم أو تغيير النظام.
ولم يقف تأثير تلك الموجة العلمية على المصطلحات المتعلقة بالتحول والتغيير فحسب، بل جاوزتها لتناقش فكرة ومصطلح الديمقراطية في محاولة للوصول إلى إجماع حول ماهية الظاهرة والثقافة الديمقراطية التي ارتبطت بالكتابة الصحفية الإعلامية والأكاديمية العلمية لدى تناول المجريات والأحداث السياسية بالشرح والتحليل.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home رؤى رؤى موجات التغيير الثلاث
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة