مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

المسلم السيزيفي

فيصل عبد الله

أسطورة سيزيف تتكلم عن أحدى أكثر الشخصيات مكراً، وفق الميثولوجيا الإغريقية، حيث استطاع أن يخدع إله الموت ثانتوس وتكبيله حسب الاسطورة الاغريقية، ما أغضب كبير الآلهة زيوس، فعاقبه بأن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل إلى القمة تدحرجت إلى الوادي، فيعود لرفعها ثانية للقمة، ويظل هكذا للأبد، فأصبح رمز العذاب الأبدي. ويعتبر سيزيف البطل الأسطوري الذي يقوم بمهمة، وهو يعلم أنها لن تنتهي، ولا جدوى منها، ويكافح كفاحا مريرا وهو يعلم أن الفشل ملاقيه. ونحن ابتُلينا بنوع من المسلمين أطلق عليه "المسلم السيزيفي"، أي المسلم الذي يعيد تطبيق كل ممارسة وفكرة أثبتت التجربة فشلها، ويحاول لصقها بالإسلام، والإسلام منها براء، ويبرر كل أخطائه ونكباته، فكلما تقدّم خطوة رجع إلى الوراء مرة أخرى، لأنه يريد خداع سنن وقوانين التغيير والتطور التي لن تجد لها تحويلا أو تبديلا. أصبح التبرير إذن بديلا من النقد الذاتي، ومن يبرر تعاسته بشماعة المؤامرات ضده، فقد سلب إرادة التغيير من نفسه بوضع قدره بيد الآخرين، فأصبح كمن يقيّد نفسه.

 فالأفعال الهزيلة سببها الأفكار المشوشة والهزيلة. والتدهور الذي يتعرض له المسلمون حادث لعدم دراستهم قوانين التاريخ والسنن الكونية، بل للأسف تفرغ البعض لتزييف التاريخ وصناعة الأوهام ليعيش المسلمون بغفلة تعزلهم عن حاضرهم. يقول "هربرت ويلز" في كتابه "معالم تاريخ الإنسانية": "إن نظام الكون الاجتماعي يعاقب المغفّلين كما يعاقب المجرمين". فدوي القنبلة النووية جعل اليابان تنتبه لاحترام السنن فتصبح مسالمة، بعدما كانت تطغى في الأرض، وتقسيم ألمانيا جعل الألمان يعون أن جنسهم ليس متفوقا على غيره، بل التفوق هو لمن يحترم السنن فينتصر.. عندها توحدت الألمانيتان بالسلم، وشلت مخططات هتلر لتوحيد أوروبا بالإكراه، ونجح أصحاب الفكر في توحيد أوروبا من خلال فهم سنن التعاون المشترك والاحترام المتبادل. لكن كل هذه النكبات والمآسي تعصف بالمسلمين، فلا يعون أن واقعهم لن يتغير، ما لم يغيروا ما بأنفسهم، وما داموا يكابرون ويبررون محاولين خداع سنن الخالق في التغيير والتقدم، فسوف يستمر المسلم السيزيفي حتى يتبنى نهج السنن، ويسير عليها كما سارت غيره من الأمم. يقول تعالى: "كُلّا نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً"، فالسلوكيات والكلمات والأفكار الطيبة تعطي ثمارها الطيبة، وإن لم تكن من المسلمين، فقرآننا علّمنا أن الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة تؤتي أكلها كل حين، ولم يقل الكلمة الطيبة من المسلم هي التي تؤتي أكلها فقط وأما غير المسلم فلا. هذه العدالة الإلهية تنطبق على الجميع، كي يبلوكم أيكم أحسن عملا، فاتجه الغرب نحو الكلمة والأفكار الطيبة فتقدموا. وكلما كان عزلهم للكلمة الخبيثة أكثر وتبنيهم للطيبة أكثر تقدموا أكثر. ولكن المسلمين السيزيفيين توقّف الزمن لديهم، فلا هم يتقدمون ولا يصنعون تاريخا ويحاربون فئة المسلمين من ذوي الألباب الذين يتدبرون ويتفكرون ويريدون الإصلاح ما استطاعوا. لذلك ما كان يشكو منه الأولون بأطروحاتهم هو شبيه بما يطرحه اللاحقون، ما يدلل على أن الأمة أضحت سيزيفية بحركتها، ضاعت بتيه تبريراتها وعدم اعترافها بالقصور بفهم السنن، فسارت على هواها وعارضت نواميس الكون تنتظر المعجزات والخوارق كي تتفوق، ونسوا أن القوانين الإلهية مستمرة شاء المسلمون أم أبوا. وكلما احترمت الأمم سنن الخالق في الكون أكثر، تحقق تقدّما في ما احترمت قوانينه وسننه... فليت قومي يعقلون.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home رؤى رؤى المسلم السيزيفي
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة