مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

خارطة الحداثة

محمد عامر

أريد ان أسرع فورا إلى تعريف ملح لحداثة قبل ان نهجوها أو نمدحها. فالحداثة صيرورة مركبة حدثت في الغرب وفرضت نفسها على العالم. ويكاد هذا التعريف الاختزالي ان يريح أعصابنا ونفوسنا من كثرة الكلام عن الحداثة وادعي إنني بهذا التعريف قد أحرزت نصرا على نفسي القلقة والمضطربة التي تقرا أو تشاهد أو تسمع يوميا عشرات بل مئات الأفكار والتحليلات حول الحداثة.
وعندما نقول صيرورة مركبة "وها نحن نعود للتفاصيل" فالمقصود بها جملة من التطورات التي فرضت نفسها على جميع أنحاء العالم. فلا يكاد بشر أو مجتمعات دولة بمعزل عما أنتجته هذه الحداثة من تقنيات ورؤى اجتماعية وما وفرته من وقت للفراغ والدساتير والأنظمة السياسية وحزمة كبيرة من الإبداعات والتصورات وفنون الحكم والإدارة. ويجب التنبه هنا إلى ان هناك فرقا بين انطلاقة الحداثة من جهة وبين الوعي بقوانين هذه الحداثة وإنها يمكن ان تعرف على أساس أنها كيان أو صيرورة يمكن وصفها وتصنيفها عن طريق اللغة. ولإدراك صعوبة هذا التعريف يكفي ان نشير إلى جملة من الأحداث التي رافقت تكون هذه الحداثة ونشوئها.

وتنقسم هذه الأحداث بحسب فلسفة أو إيديولوجية الذي يصنفها أو يؤرخ لها. إلا ان المشتركات العامة بين كل المؤرخين "تقريبا" تكاد تجمع على أحداث مهدت أو صنعت الحداثة أو أثرت فيها أكثر من غيرها. فمن باب العلم يمكن ان يعد اكتشاف الطباعة عام 1440 احد أهم الانجازات البشرية التي ساهمت في خروج مخاض الحداثة من عفوية الحركة والتفكير إلى التنظيم بعد ان أصبحت الذاكرة والإبداع البشريين بحكم الطباعة ليست مصانة فقط وإنما سهلة التداول فاثر هذا الاكتشاف على القيم.
ونبقى مع الاكتشافات العلمية وينبغي التوقف طويلا عند فلكيات كوبرنيكوس "1526م". ولتوضيح خطورتها في مخاض الحداثة فإنها أسقطت النظرة الكنسية التقليدية للكون وللكوكب الأرضي ولحركة المجرات والأفلاك. ويجب التوقف طويلا خاصة في ثقافتنا العربية إزاء هذا الموقف في اتصال العلم بطريقة النظرة إلى العالم. فالشعوب التي أنتجت العلم تغيرت نظرتها لهذا العالم "سلبا أو إيجابا" بالمقاييس الأخلاقية. لكنها ضرورية لفهم كيف بدأت الحداثة وكيف تركزت وابتنت لنفسها قوة داخلية "تكاد تكون مستقلة". وبنفس السياق العلمي فان اكتشاف الدورة الدموية من قبل العالم وليم هارفي قد ساعد على فهم الإنسان لتركيبته البايولوجية وعلاج الأمراض واسقط نظرية العفاريت والجن التي تحرك أعضاء الإنسان الداخلية "علما ان مكتشف هذه الدورة الدموية الأول والأصلي هو العالم المسلم المرموق الزهراوي. وهنا نتبين الفرق بين الحداثة الغربية وما يمكن ان نسميه الحداثة الإسلامية المجهضة فقد بقيت بحوث الزهراوي معزولة عن التطبيق سوى جهوده الشخصية وما قد "تمن" عليه أجهزة الدولة ببعض المال الشحيح. أما في الحداثة الغربية فقد تبنت الطبقات البرجوازية الجديدة الاختراعات والاكتشافات ثم ارتبط نجاح هذه الطبقة بنجاح الاكتشافات العلمية والتوسع في تطبيقاتها الحياتية. وهو الأمر الذي لم يحدث في الحضارة العربية الإسلامية فانكمشت الحداثة الإسلامية ولم تستطع ان تكون لنفسها هذه القوة الصلبة التي تتبناها مثل البرجوازية الغربية وبقيت رهينة الملوك والحكام وكيف يتفضلون على العلماء.
أما إذا طرقنا باب التاريخ واستنطقناه عن الأحداث التي شهدها وساهمت في صياغة أفق الحداثة ومضمونها فيمكن ان نشير إلى حدثين مفصليين متقاربين الأول اكتشاف الولايات المتحدة الأميركية عام 1492 م. والآخر سقوط بيزنطة عام 1453 م. إضافة إلى أحداث تاريخية كثيرة فقد شكل هذان الحدثان قاعدة لما يمكن ان يسمى العالم الجديد. فمن جهة هاجر إلى العالم الأميركي الجديد مجاميع مختلفة من الناس فوجدوا أمامهم ما أذهلهم من وفرة المياه والأرض البكر وما فيها من ثروات وما يحوطها من محيطات. لقد أنجز المهاجرون الذين تركوا بلادهم لأسباب مختلفة اكبر قوة اقتصادية وحضارية في التاريخ على الإطلاق. وبغض النظر عن الملاحظات حول هذه القوة ودرجة شرعيتها فمن المتفق عليه أنها طبعت العصر بطابعها ولن يكون هذا الطابع سوى انتصار الحداثة وتعميمها بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.
أما سقوط بيزنطة فقد أنهى أسطورة طالما راودت الكنيسة الكاثوليكية في مد سيطرتها على العالم استنادا إلى مبدأ القدسية الذي أسبغته على طموحاتها. لقد أحيا هذا السقوط موضوعتين أساسيتين ساهمتا في بلورة مشروع الحداثة. الأول الانكفاء الإسلامي نحو الحروب الطائفية والاستناد إلى قوى الاستبداد السياسي الطائفي الذي أغلق الباب أمام المسلمين ليمارسوا دورهم كواحدة من أهم القوى العالمية على الإطلاق. أما الموضوعة الثانية فتمثلت في دفق القوة والعافية الذي شعرت به الطبقات الناشئة "البرجوازية والمثقفون" اثر تقوض دور الكنيسة في الحياة وسقوط حججها حول حروبها المقدسة.
ولابد من الالتفات أيضا إلى مجموعة أخرى من العوامل التي تأخذ طابعا فكريا قد تضافرت مع هذه العوامل في تشكيل مشروع الحداثة واستمراره. فقد أكد مارتن لوثر 1517م ان الإنسان لا يحتاج واسطة مع الخالق جل وعلا. وان الله تبارك وتعالى رب الجميع ويختص برحمته كل عباده وان معيار العمل الصالح وليس الدماء المقدسة أو الزرقاء هي أساس الأديان. وبذلك أسقطت الإصلاحية البروتستانيتة دعاوى الكنيسة في احتكار الحق وحاولت ان توجه الدين المسيحي نحو جوهره الصافي الذي يرتبط بطروحات السيد المسيح عليه السلام. لقد كانت البروتستانيتة في هذه الفترة من التاريخ مؤمنة إيمانا كاملا بالدين وعقائده الكبرى خاصة البعث والنشور. ورغم ما أصابها بعد ذلك من تطورات سلبية أفضت إلى واقع البروتستانيتة المعاصر فإنها ساهمت بفعالية شديدة في استيلاد العالم الجديد "الحداثة" من رحم العالم القديم  "التقليد" والتوسط بين الله وعباده.
الحداثة الإسلامية الموؤودة
ليس من باب التفاخر أو الادعاء النرجسي القول ان كل هذه التطورات التي اشرنا إليها وأخرى لم نتناولها كانت لها مفاعيل قوية داخل الحضارة العربية الإسلامية. ويعترف معظم مؤرخي تاريخ العلوم والحضارات والآداب بالريادة الحقيقية للحضارة العربية الإسلامية التي شكلت قفزة كبيرة في زمانها. فالسؤال الذي يطرح نفسه باستمرار عن الكيفية التي استطاعت بها الحداثة الغربية ان تستمر وتسود العالم والطريقة التي ضمرت أو انكمشت بها الحداثة الإسلامية.
تتعدد الإجابات حول هذا السؤال الملغز وتشكل هذه الإجابات بالوقت نفسه موضوعا لجهود فكرية وبحثية على مختلف المستويات. وما تتفق عليه هذه الجهود هو جدارة الحضارة العربية الإسلامية أيام انطلاقتها الأولى. أما الذي تختلف عليه فهو طريق الاستئناف الذي يمكن ان تسلكه الحضارة العربية الإسلامية للوصول إلى مكانتها الحقيقية وتلبية الروح الإسلامي المعذب بهذا الضياع والتخلف وسوء الظن الذي لا يليق بالمسلم ولا بالإسلام.
في مقاربة لأحد المثقفين العرب ذكر ان الحداثة الغربية " اجتاحت " المجتمعات العربية الإسلامية حتى وصلت إلى الروح.
 وفي مقاربة أخرى يصف مثقف إسلامي آخر الروح الإسلامي بـ"النفس المبتورة" أي تلك التي تعاني ضياعا عن ماضيها وعن الحاضر الذي تتحكم في مدخلاته ومصادر قوته الحداثة الغربية. وقد يكتب بعضهم بلغة إنشائية عن "مصائر الإسلام في المستقبل".
 ان كل هذه التوصيفات تعزف على لحن واحد هو ضعف الهمة وتكبيل الإرادة الذي عانى منه المسلمون كل هذه المدة بفعل الاستبداد السياسي والتخلف والتفنن في صناعة قوانين القهر، قهر الشعوب وواد طموحاتها في حداثتها الإسلامية البارزة والخاصة.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home رؤى رؤى خارطة الحداثة
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة