| التمدن العراقي |
|
حارث العنبكي تتراوح نسبة التمدن الى المدينة والمدنية. وفي كل الاحوال فان اللفظتين تكاد تترادفان سواء في القاموس او في الواقع نفسه. الا ان مشكلتنا في العراق مع نظام القرية عويصة ومعقدة مثل كل مشكلات العراق الاخرى. فقد ارتبطت القرية بنظام صارم للقبيلة والعشائرية. وفي الهجرة الواسعة من الريف والبادية الى المدينة انتقلت انظمة القبيلة مع منظومات القرية الى الحواضر الكبرى فاصبحت بغداد "مثل اغلب المدن العربية" ريفا كبيرا ذا انماط من العلاقات بعيدة عن التمدن بوصفه منظومة علاقات تقوم على روابط الحداثة والمدنية. لقد افرز هذا الواقع الصعب عدة مشكلات في بلادنا غطت جوانب النشاط الاجتماعي والسياسي والعمراني وغيره. ويمكن اجمال الجوانب الرئيسة التي تاثرت بالنظام القروي والبدوي بالنقاط التالية: 1. النظام السياسي. 2. الانظمة التربوية. 3. النظام الاجتماعي. ومن الواضح لكل مهتم او ذي بصيرة ان هذه العوامل الثلاثة متداخلة ومتكاملة في نسبة تاثرها بالمنظومة "القروية البدوية" في كل العواصم العربية تقريبا. وفي العراق تاخذ هذه النسبة ابعادا صعبة ويفسر العلامة علي الوردي سبب ذلك بان العراق يعتبر مجاورا لاكبر موجات البدو في العالم تقريبا. اضافة الى وجود حضارات زراعية قديمة وقرى بقيت مغلقة على نفسها قرونا طويلة حتى وجدت نفسها اخيرا بمواجهة نظام المدينة الحديث. 1. النظام السياسي مباشرة وبسهولة يمكن ان نستدل على اثر القرية "والبداوة معا" في اصعب فترة من تاريخ العراق الحديث. فقد اعتمد صدام على قريته وكان يفاخر بذلك ويقدم العريف في هذه القرية على اللواء في الجيش والامي على استاذ الجامعة ونشات في المجتمع العراقي تقاليد تحاكي اخلاق النظام وقرويته لان "الناس على دين ملوكهم". والفترة الاخرى الصعبة التي عاشها الشعب العراقي كانت تحت حكم عبد السلام عارف الذي ابتدا طريقا كان قد سنه مولود مخلص في التحيز للقرية فقد قرب عبد السلام عارف ابناء قريته "ومثله في ذلك مثل صدام فان القرية تختزل بعد ذلك في القرية فالرجال الذين يثق بهم الحاكم الفاقد للشرعية هم رجال القرية ومن قبيلته تحديدا. ان شرعية هؤلاء في السلطة توازي فقدان الشرعية الشعبية العامة وقد مثل ذلك نقطة توازن قلقة وحرجة في السياسة العراقية دون ان "يجرؤ" احد الكلام عنها حتى من قبل الاقلام العراقية المعارضة في الخارج. مثل التاريخ العربي القديم عنوانا مبكرا للقبيلة التي حاول الاسلام تقويضها لصالح نظام مدني. وحتى اليوم تفاخر القيسية واليمانية وتنبعث دائما كتب الانساب والاشجار "الوهمية في اغلبها" لاثبات النسب القروي والقبائلي. وقد رد القران الكريم هذه النزعة الى الجاهلية البدائية في قوله تعالى: "الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر". اما رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقد اعتبر العودة الى البداوة بعد التمدن ما ينطبق عليه حد الردة في الاسلام. ومع ذلك تسمح القيم العراقية لرجل مثل صدام حسين ان يعين قرويا بدائيا مثل حسين كامل وزيرا للدفاع وللتصنيع العسكري. اما قادة الجيش من المرتزقة فكانوا يؤدون التحية باحترام مبالغ به لهذا القروي البدائي تعبيرا عن شعور النقص الفادح داخل شخوصهم وافتقادهم عقيدة قتال وطنية او دينية ترتبط باخلاق ايجابية. لقد اقتصر عمل هؤلاء على الارتزاق المحض فاكدوا ظاهرة الحاكم القروي او البدوي غير المنازع. وحتى ساعة الله تعالى هذه فاي سياسي عراقي يجد نفسه بحاجة الى تاييد زعماء العشائر. والمعروف عن هؤلاء التقلب وضعف الارضية من اليقين التي يتعاملون فيها مع السياسة واوضح الادلة على ذلك كانت مع ابرز رجالات التاريخ الاسلامي قاطبة "الامام علي وولديه عليهم السلام". من المؤكد ان النزعة القروية والبدوية في السياسة العراقية شديدة الضرر اذ تشد السياسة الى تنظيمات ليست قادرة على بناء الدولة الحديثة بمواصفاتها ومعاييرها المعروفة ولو بالحد الادنى منها. 2. الانظمة التربوية قدم الامام علي عليه السلام منظورا تربويا فريدا عندما تحدث عن ضرورة ان لا يقسر الاباء ابناءهم على اخلاقهم لانهم خلقوا لزمان غير زمن الاباء. ومن المؤكد ان الامام علي (ع) ومدرسته المستمرة طبق هذه القاعدة النظرية في ميدان التجريب العملي حتى استمرت المدرسة العلوية في رفد اخلاق التجديد الاسلامية حتى اليوم. ان زمن القروي والبدوي زمن راكد فهو زمن الاسلاف والاجداد والذي يعتبر الخروج على اساسياته خروجا على الدين وعلى الحياة نفسها. ان حدود الزمان القروي البدوي هي قائمة على تابوهات تاخذ صفة القداسة ومجال الحركة الوحيد اذلي يتيحه هذا الزمن البلد هو المغالبة والسبق اليها. اما موضوعة التجديد والابتكار والانفتاح فليست مدرجة في هذا العرف الذي اضنى الكيان الاجتماعي العراقي ويمنع اليوم تحول العملية السياسية في العراق الى منتج لدولة التقدم والحرية والسعادة العراقية. ان النظام الاسلامي نظام مدني فريد ومتحضر بامتاز والغريب ان لا فيلسوفاً حقيقيا او مفكرا بارعا ومنتجا قد تحدر من القرى والبوادي. فعلى طول التاريخ الاسلامي ظلت المدينة الضعيفة هي التي تنتج المعارف والعلوم والثقافات. ويذهب عالم الاجتماع الدكتور محمد الانصاري الى ان ماساة الحياة العربية المعاصرة تتمثل في البداوة المنتجة للسلطة التي تحكم المدينة المنتجة للثقافة. فالمدينة المثقفة لا تستطيع ان تحكم نفسها ازاء قوة الموجات البدوية التي تتقن لعبة المنازعة وقد اثرت في قيم التربية العراقية ومنعت هذه القيم ان تتحول الى التوفيق بين الحداثة الغربية والدين الاسلامي. ويعزو بعض الباحثين سر النجاح الماليزي الى افتقار الدولة وجودا بدويا او ريفيا قويا. افقرت المنظومات القروية والبدوية التربية العراقية ان تتحول سلاحا بيد الطبقة الوسطى التي اندثرت سريعا تحت "سنابك" خيول البدو بسهولة غير مبررة. 3. النظام الاجتماعي وليس بعيدا عن النظام السياسي والتربوي اذ ان النظام الاجتماعي يتشكل من خلال التفاعل الرمزي والحقيقي في حقول السياسة والتربية. اضعفت البداوة والتريف طاقات المجتمع العراقي كثيرا. فقد حدت اولا من عوامل الاندماج وهي المفطورة على النزاع والخلاف. ومنعت بالوقت نفسه قوى الاصلاح الديني ان تتحول الى قوى فاعلة في توجيه التاريخ العراقي. ولابد من الاشارة الى ان الانقسام الذي يشكل بنية القيم البدوية والريفية اثر حتى على الاحزاب الحركات السياسية والدينية التي تاثرت بهذه العوامل نظرا لقاعدتها الكبرى المتحدرة من مناطق البداوة والارياف. في ظل سيادة قيم الريف والبادية على المدينة العراقية يصعب وصف وحصر المجتمع العراقي ولحظته التاريخية. فمن المؤكد ان المجتمع العراقي ليس مجتمعا طبقيا كما يحلو لسذج الشيوعيين الكلام عنه ولا هو مجتمع الترابط التاريخي كما يتحدث عنه النرجسيون من القوميين او من دعاة الامة العراقية الجديدة. واعتقد ان سبب ضعف توصيف المجتمع العراقي يعود في اكثر اجزائه اهمية وحساسية الى سيادة هذه القيم المانعة لتبلور نظرية اجتماعية محايثة ومساعدة على التطور الاجتماعي بالوقت نفسه. بمجموع هذه العوامل والظروف فان القيم البدوية والريفية مؤهلة ان تبتلع العملية السياسية نفسها . وما لم تعتمد هذه العملية على ديناميكية خاصة في اعتمادها على الثقافة الحرة والديموقراطية فلا نشوء لطبقة وسطى ولا حراك على مستوى التعليم ولا حتى ولاء ينتظم جيشا وطنيا قادرا على حماية حدود البلاد. |