مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

مسؤولية الكتابة

 حسن حميد

لماذا تكتب؟
سؤال واجهني به أحد الأصدقاء في إحدى الليالي؛ فأجبته على الفور وبدون أي ترددٍ؛ إنما أكتب من أجل محاسبة الذات! قال لي: إذاً أنت لا تكتب للآخرين؟ رددت عليه، وهل محاسبة الذات بعيدة عن الكتابة للآخرين؟ فأنا عندما أكتب؛ إنما أقوم بمحاسبة نفسي أولاً ومن ثم المجتمع من حولي ثانياً.. وهذه رسالة الكاتب كما أظن.
فالكاتب الصادق مع نفسه ومع الآخرين ينبغي أن لا يكون مصداقاً لوصف الآية الكريمة التي تتحدث عن تلك الفئة من الناس؛ فئة الذين يقولون مالا يفعلون! فنحن قد نجد البعض ممن يمتهنون الكتابة، والكتابة الصحفية منها خاصةً، تنطبق عليهم الآية الشريفة: {يا أيها الذين آمنوا لِم تقولون مالا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالا تفعلون} (الصف:2/3).
فهذه الآية القرآنية، قد تحكي حال الكثير من الكّتاب والمتكلمين؛ فكثير منهم يقولون مالا يفعلون!!.

وبالمناسبة أتذكر أن أحد الصحفيين أخبرني بأنه قرأ موضوعاً لكاتب في صحيفة معينة -أحتفظ باسمها- يتحدث فيه الكاتب عن التدخين، مطلقاً عليه كلمة قد يكون بريئاً منها إذ وصفه بأنه (آفة العصر) وتطرق خلاله للخسائر المادية التي يجنيها الأفراد كما تجنيها الدول جرّاء التدخين، فضلاً عن الأعداد الكثيرة من الأموات! وقد زُيِّن المقال بعددٍ كبيٍر من الإحصائيات التي تدعم الموضوع، والكاتب -والكلام لزميلي الصحفي- لم يُنجز مقالته تلك إلاَّ بعد أن دخن عدداً لا بأس به من السجائر على مكتبه!؟
نعم، الكتابة مسؤولية، يفترض أن يكون الكاتب قادراً على تحملها. وإلا ما فائدة اعتكافه في مكتبه الذي يسطر فيه النصائح والتوجيهات للآخرين، من غير أن يطبقها هو؟
ربما تجيبني -أخي القارئ- لأن الكاتب لم يجد فكرة معينة لكي يكتب عنها فأراد أن يكتب أي شيء يملأ به الزاوية التي استلمها أمانة من قِبل مسؤولي التحرير. إن قلت ذلك، ضممت صوتي إليك، وقلت: نعم، ربما كتب ما كتب لأنه لم يجد فكرة ليملأ بها الزاوية التي قد تكون مصدراً لرزقه!!
لكن السؤال الذي أرغب في طرحه هنا هو التالي: ألم يكن من الأفضل للكاتب أن يكتب حول: الأسلوب الأمثل للامتناع عن التدخين، عله يمتنع؟ أو حول: تجربتي المريرة مع التدخين! أو: مشاكلي مع التدخين! بدلاً من حديثه عن التدخين كآفة للعصر، وهو أول الداعين له بسلوكه!!.
نعم، ينبغي للكاتب أن يحاسب نفسه أولاً، ومن ثم يعمل على محاسبة الآخرين، ومعلم الناس أولى بتعليم نفسه! فهل يحق لإنسان أن يتحدث عن الحوار، وهو داعية للقتال وأعمال العنف؟
هل يحق لإنسان أن يتحدث عن العمل، وهو منغمس في الكسل؟
هل يحق لإنسان أن يتحدث عن التسامح، وهو رمز للتعصب؟
هل يحق لإنسان أن يتحدث عن الخلق الحسن، وهو أسوأ الناس خلقاً؟
بالتأكيد، لا يحق لكاتب ممارسة هذه الطريقة في الكتابة، وإن مارسها فإن الآخرين لن يتقبلوا منه، لأن ما خرج من القلب استقر في القلب، وما خرج من اللسان لن يتعدَ الآذان.
ومن أراد أن يُصبح (بيّاع كلام، كما نعّبر)؛ فليُجرب ليسمع كلام الآخرين حوله وحول كتاباته. وجدير بالذكر هنا، أن الإنسان قد يستطيع التلون في هذه الحياة الدنيا، بدون أن يفتضح أمره، لكنه في عالم الآخرة لا يستطيع فعل ذلك. ومن المفارقات التي تحدث عنها القرآن الكريم، كما تحدثت عنها السنة المطهرة، أن أُناسٍ يدخلون الجنة، ويرون من أرشدهم في النار! وعند الاستفسار عن سبب ذلك، يأتيهم الجواب: إننا كنا نأمركم بالمعروف، ونحن نرتكب المنكر!
أخيراً، أُذكّر من جديد على أن الكتابة.. مسؤولية، فمن أراد ممارستها فليكن أهلاً لذلك، وإلاّ فلا. فمسؤولية الكاتب لا تنتهي عند تسطيره للحروف والكلمات؛ وإنما تبقى تبعات ما يكتب إما له وإما عليه؛ فإن كتب خيراً فخير، وإن كتب شراً فشر. وكم من كلمة خرجت من إنسان وساعدت على انتشار الخير والصلاح، وكم من كلمة خرجت من إنسان وساعدت على انتشار الشر والفساد.
فلنكن بمستوى الكلمة، ولنكن أهلاً لتحمل أمانة القلم.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home رؤى رؤى مسؤولية الكتابة
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة