مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

أكذوبة القرن الاسيوي

محمد هاشم

عندما زار الرئيس الاميركي الاسبق بيل كلينتون الصين اشترط في زيارته على المسؤولين الصينيين ان يزور احد قادة المعارضة الصينية في سجنه. ورغم ما يمكن ان تعتبره الصين من تدخل "سافر" في شؤونها وحساسيتها ازاء هذا الموضوع فقد سمحت في النهاية للرئيس كلينتون ان يزور احد قادة التمرد "الثورة" لمجزرة تيان ان مين الشهيرة عام 1989 والتي راح ضحيتها الاف الشباب الصينيين المناوئين للحكم الشيوعي. وقد خرج كلينتون من السجن بعد زيارته ليتحدث عن "شحوب" وجه المعارض الصيني وقد اعرب عن قلقه لهذا الشحوب!
وفي الزيارة الاخيرة التي قام بها قبل ايام الرئيس الاميركي الحالي الى اسيا لم يتحدث عن حقوق الانسان في الصين ابدا وفي بورما لم يطالب اطلاق سراح زعيمة المعارضة البورمية "اون سان سوكي" وزيادة على ذلك فقد قام بحركة اثارت النخبة الاميركية كثيرا عندما انحنى بقوة امام امبراطور اليابان.

تلقف الاعلاميون نتائج هذه الزيارة لاوباما ليتحدثوا عن "افول" اميركي وقرن اسيوي سوف يشهد بروز دول رئيسة من قارة اسيا تحل محل الولايات المتحدة الاميركية في السيطرة والنفوذ. ولم يقتصر الامر على التقارير الاعلامية فقد صدرت بهذا الصدد عدة كتب عن مؤلفين مهمين ومراكز بحث رئيسة تتحدث عن القرن الواحد والعشرين باعتباره قرنا اسيويا. ومن اهم هذه الكتب: عالم ما بعد اميركا للكاتب الاميركي البارز فريد زكريا حيث بقي هذا الكتاب يشكل اكثر الكتب مبيعا في الولايات المتحدة نفسها طويلا. اما الكتاب الاخر فهو "عندما تحكم الصين العالم" لمؤلفه مارتن جاك. اشار المؤلف الاخير في هذا الكتاب الى ان الاثار المترتبة على صعود الصين كقوة عظمى سيكون له من الاثر اعمق مما كان لبروز الولايات المتحدة بدايات القرن العشرين.
والطريف ان الاعلام الاميركي قد صور شخصية الرئيس اوباما في زيارته الاسيوية الاخيرة بشخصيات تشارلز ديكنز الفقيرة المتسولة. وكتبت الصحافة بالنص واصفة الرئيس اوباما بـ"الشخصية الديكنزية" نسبة الى المؤلف الاميركي الشهير الذي اهتم بحياة البؤساء معتبرة اوباما بائسا يطلب من الصين تاجيل سداد ديون الولايات المتحدة اليها!.
وفيما يدور كل هذا الجدل في اروقة العالم الغربي والاسيوي فلا اثر يذكر للعرب او العراقيين في التاثير على هذه الاحداث التي ترسم من جديد خرائط العالم وتحدد اتجاهاتها. ولولا بعض الجهود من مسلمي جنوب شرق اسيا فان احوال العرب والمسلمين سيئة بشكل مخيف ولا يمكن تصور الحال حتى في اسوا درجات الياس والتحلل.
المبالغة دائماً
من المؤكد "وحسب الاحصاءات الرقمية" فان فكرة القرن الحادي والعشرين الاسيوية ليست صحيحة ولا حتى قريبة المنال. ويمكن فهم جهود المؤلفين الاميركيين بذلك الى احساسهم بقوة اقتصاديات هذه الدول الاسيوية والتي قد تنافس الاقتصاد الاميركي وقد اخذت بالفعل بهذه المنافسة على اكثر من صعيد. ان الذي يفهم اميركا دولة وامة وثقافة يعرف ماذا تعني هذه الكتابات "التبشيرية" عن قرن اسيوي بعد افول القرن الغربي والاميركي تحديدا. انهم بهذه الكتابات يعبدون طرقا في مناطق وعرة هي مناطق العالم "الصامت" كما يطلقون على الاسيويين في الغرب. والظريف ان اسيا نفسها اكتشاف غربي او اميركي تحديدا اذ لا شيء يربط الاسيويين ببعضهم كي يكونوا مجالا حيويا مثل الذي يشكله الاوربيون او الاميركيون. ولا يكفي التقدم الاقتصادي ونسب النمو كي "يهلل" بعض الكتاب لقرن اسيوي بعيد المنال. ان جملة من الاسباب يمكن ان تبرر راينا بعدم وصول "اسيا" الى سيدة القرن الحادي والعشرين وهي كثيرة وسوف نقتصر على ما نعتقده رئيسا منها:
1. عمالقة اقتصاديون واقزام سياسيون.
2. بقاء الساحر الاميركي فاعلا.
3. بقاء وتزايد الاضطرابات المحلية في الكثير من الدول الاسيوية الرئيسة.
4. الصراعات القومية في اسيا.
1. عمالقة اقتصاديون وأقزام سياسيون
لا يمكن لاية قوة في العالم ان تسود بوجود اقتصاديات قوية فقط. فما لم يرافق هذه الاقتصاديات قوة عسكرية ورؤية للعالم لن يكون ممكنا لهذه السيادة ان تصبح ممكنة او فعلية. ودول اسيا الرئيسة لا تملك جيوشا بقوة جيوش الولايات المتحدة الاميركية ولا تقترب منها على مستوى التسليح والتدريب والانفاق. كما تمسك الولايات المتحدة بقدرة واسعة على التدخل كوسيط او طرف في اغلب ازمات العالم فيما تناور الصين بمقعدها البائس في مجلس الامن دون حضور فاعل او مؤثر على خشبة المسرح الدولي الكبير.
 وحتى في المجال الاقتصادي المحض فقد برزت عورات الاقتصاد الياباني في ازمة العقارات التي اطلقت عليها بعض الصحف اليابانية "فقاعة العقارات".
2. بقاء الساحر الأميركي فاعلاً
ما يزال المجتمع الاميركي متماسكا وموفور النشاط ويستطيع ان يحدد علاقته بالدولة باكثر الاساليب حداثة ومنفعة. يحدث ذلك في منظومة الادارة والتربية والقيم. وفي هذه الاخيرة تشهد الصين معضلة قد تتحول الى كارثة تتمثل بزيادة عدد المسنين. فجراء السياسة المتبعة "طفل واحد لكل عائلة" يزداد عدد المسنين وتتوقع المصادر المسؤولة ان يصل عددهم الى 500 مليون ليس لهم معاشات تقاعدية عام 2040. ويشير مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية الى ان الصين "سوف تشيخ قبل ان تصبح غنية". وسوف تفقد هذه الشيخوخة الصينية ابرز مزايا الاقتصاد الصيني وهي العمالة الرخيصة. وفي اليابان فان الرغبة في انجاب الذكور على حساب الاناث قد احدث خللا وضحت من الان ابعاده وخطورته اذ ان ضعف التوازن الاجتماعي يؤدي الى هزات خطيرة على مستوى الفرد والمجتمع.
وعلى مستوى اخر ما تزال المنظومة الاميركية مغرية لاغلب شباب العالم فلا احد من هؤلاء الشباب يطمح بالحصول على جنسية صينية او هندية او ماليزية وحتى يابانية وينصرف الطموح الى ما يطلق عليه باستمرار "الحلم الاميركي". ففي اميركا وحدها تقريبا يمكن ان يحصل الجميع على فرص متكافئة على اساس الكفاءة والانجاز رغم كل ما يقال عن التحيزات في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الاميركية التي تقلل من شان هذا الحلم في نظر شباب بعض البلدان العربية والاسلامية.
يمكن الاشارة بهذا الصدد الى ان اغلب اهم 500 جامعة في العالم تنتمي الى الجنسية الاميركية وان العشرة الاوائل من هذه الخمسمائة هي اميركية حصرا. كما ان اغلب جوائز نوبل واكثر من نصف اختراعات العالم تنتمي الى الولايات المتحدة الاميركية.
3. بقاء وتزايد الاضطرابات الدول الاسيوية
تعاني الصين من مشكلات داخلية واسعة وعميقة. وكان اخرها اضطهاد الاقلية المسلمة التي تنكر السلطات الصينية عليها حتى اعلان عدد نفوس هذه الاقلية التي قدرها البعض باكثر من خمسين مليوناً رفعت عنها الصين الصفر وتقول انها خمسة ملايين. ان دولة مثل هذه لا تملك "كاريزما" الدول ولا ثقتها بنفسها كي تتحول الى قوة عالمية قادرة على مد اجنحتها في جهات العالم الاربع. وتسمي الصين المظاهرات بالحوادث الجماهيرية. وباعتراف اجهزة الامن الصينية فان البلاد تشهد اكثر من 90 الف مظاهرة سنويا.
4. الصراعات القومية في اسيا
لا يمكن للاسيويين ان يكونوا سوقا اسيوية مشتركة وفاعلة على غرار السوق الاوربية المشتركة التي تعتبر من بواعث النهضة الاوربية الكبرى حتى الان. وتوجد خلافات دائمة حدودية وعقائدية ودينية بين الدول الاسيوية الكبرى التي لم تتخلص من ميراث الحروب القديمة التي جرت بين بعضها البعض. كما ن الصينيين لا يحبون اليابانيين والعكس صحيح.
الخلاصة
يمكن اضافة اسباب اخرى لتفنيد الوهم الاسيوي الذي يعبر عن رغبة اميركية في اكتشاف الاخرين اكثر مما يعبر عن حقائق فاعلة على الارض. لكن المؤكد والمامول ان الارادة العربية المستندة الى مبادئ الاسلام ودون هذه الحثالات الحاكمة يمكن ان تشكل قوة عربية افضل من كل القوى الاسيوية فقط لو امتلكت زمام عقلانيتها ودينها وحريتها.
وحتى ذلك الحين لا جامعة عربية واحدة على قائمة الخمسمائة ولا نوبل عربية من داخل العرب ومختبراتهم العلمية والحال ان قورنا فلكية تفصلنا عن ان ننافس الاسيويين انفسهم على مركز في هذا الكوكب الحائر.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home رؤى رؤى أكذوبة القرن الاسيوي
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة