| الاعياء الاجتماعي |
|
د. هديل حسين يفهم أغلب السادة القراء مصطلح الإعياء باعتباره تعبا يصاحب الإنسان في مواجهته صعوبات الحياة سواء في وظائفه العضوية الجسمانية أو في توتره النفسي. وهناك نوع آخر من الإعياء قد يشترك مع الإعياء الفردي في الوصف ويختلف عنه في الوجهة والظروف العامة. فالإعياء الاجتماعي يعني وصول المجتمع "دون ان يدرك أو يحدد" إلى درجة من درجات الشعور بالعجز وضعف القوى والمقاومة إزاء صنوف المشكلات التي تواجهه. ويصل المجتمع إلى هذه الحالة من الإعياء بعد سلسلة من التجارب التي يزيد من غموضها ويربك من فهمها افتقار هذه الشعوب إلى الفكر النقدي والفلسفة بمعناهما الواسع والمستمر. فبدون هذا الفكر وهذه الفلسفة تبدو كل الأشياء متشابهة وتختفي الأنساق الفاعلة والمؤثرة في التوجيه خلف واجهات قد تعطي انطباعا عن حقائق معاكسة لما هو موجود حقيقة في قياس فاعلية وقدرة هذه المجتمعات. تحير العلماء الطبيعيون لفترة من الزمن إزاء ظاهرة انفجار بعض الطائرات في الجو دون سبب واضح. عدت هذه الظاهرة لغزا من الغاز العلم والطيران منذ منتصف الخمسينيات حتى بداية السبعينيات. وحتى بعد العثور على الصندوق الأسود لهذه الطائرات المنكوبة فلا اثر محدد وواضح يمكن يوضحه هذا الصندوق عن أسباب تفجر بعض الطائرات في الجو وما يصاحب ذلك من خسائر وفواجع إنسانية. لكن خيالا خصبا لأحد العلماء قد فسر هذه الظاهرة العلمية تفسيرا إنسانيا مقبولا ومعقولا. فقد قدم المهندس كريس نظرية "تعب المعادن". وافترض فيها ان المعدن المكون للطائرة مثل الإنسان يراكم أسبابا للتعب وفي لحظة ما ينفجر هذا التراكم أما بنوبة عصبية عند الإنسان أو عجز في احد أعضائه المهمة وفي حالة الطائرة يعبر هذا المعدن "الإنساني" عن نفسه بان "يرتاح" من التماسك الذي فرضته عليه قوانين الفيزياء والحركة. اطمأن العلماء لهذا التفسير الأدبي ثم جاوزوا هذا الاطمئنان إلى التوصية بتثبيت عمر افتراضي لمعادن الطائرات. وكثيرا ما نسمع في تفسير حوادث عن الطائرات في أيامنا هذه ان لجنة مختصة كانت أوصت بإخراج هذه الطائرة عن العمل لتجاوزها العمر الافتراضي خوفا من ان يصيبها انتحار "تعب المعادن". والفارق ان الشعوب لا تنتحر ولا تفنى وفي مسيرة التاريخ البشري الطويلة قلة من الشعوب "مثل الهنود الحمر" من توارت بسهولة عن مسرح التاريخ ولم تقاوم أسباب اندثارها وتعبها. ان صفة مقاومة الاندثار داخل طاقة الشعوب العامة تمثل علامة كبرى من علامات التاريخ الإنساني. وحول هذه العلامة نشا أدب كثير وشعر وملاحم وأنواع من الموسيقى وتم اختراع فكرة الجندي المجهول رمزا لهذه المعاني الكامنة بالقوة وبالفعل في نفوس الشعوب. وتتراوح المناعة الاجتماعية للشعوب في قدرة ثقافاتها على ترجمة هذه المعاني الكامنة من طور القوة أي وجودها الضمني في حياة الشعوب إلى الوجود بالفعل أي التطبيق العملي. ويعد مشروع الدولة الحديثة من المحطات الكبرى في مسيرة العقل البشري بل والأكبر في مسيرة هذا العقل إزاء مسالة التنظيم ومغالبة الاندثار وصيانة المناعة. ومن الأمثلة التي ترمز جليا إلى قوة جهاز المناعة الاجتماعي للدولة الحديثة فكرة الجندي المجهول. فهذا النصب الذي يقام في عواصم الدول لا يضم رفاتا لأحد. وكانت الفكرة في بدايتها ان يضم النصب "الرمزي" رفاة احد أبطال الحروب التي خاضها الشعب سواء في التاريخ القديم أو الجديد. إلا ان الخبراء النفسيين اعتبروا ذلك إبطالا لفكرة الرمزية الكامنة في الموضوع. فسوف ينظر الناس إلى النصب باعتباره قبرا لـ"فلان" حتى وان كان هذا الـ"الفلان" بطلا واهتدوا إلى فكرة إبقائه خاليا "مجهولا" رمزا لإبقاء جذوة وفكرة البطولة في نفوس الجنود وفي نظرة الشعب إلى مفهوم الجندية وتقديرها. وبالفعل أصبح الجندي المجهول "مزارا" لمسؤولي الدول وضيوفهم ومحطة لاستقبال باقات الزهور في المناسبات والأعياد الوطنية. كيف يفترس الإعياء المجتمع؟ تتطور بعض الأمراض في جسم الإنسان دون علمه حتى تصبح مشكلة كبيرة قد يعجز الطب عن إيجاد العلاج اللازم لها. وفي نظام الطب الحديث توجد بطاقة شخصية لكل مواطن تتضمن معلومات دقيقة وتفصيلية عن عائلة الشخص التي ينتمي إليها وأمراضها "الوراثية" وصنف الدم الخاص وكل ما يتعلق بالخارطة الصحية "النفسية والعضوية" لهذا الفرد. وقد تطور الأمر في عصر الانترنت بان أصبحت المعلومات "العلنية" لهؤلاء الأشخاص موجودة في ذاكرة هذا التطور العجيب ويستطيع أي طبيب في أي مكان في العالم يحل فيه المريض ان يقرا سيرته "الصحية" مهتديا إلى قدرات هذا الشخص على تحمل الأمراض أو وصف العلاج له. وفي حال طلب المريض إبقاء المعلومات سرية فانه وحده يملك مع الأجهزة الصحية المختصة في دولته مفتاحا لموقعه يسمى "الباسوورد". ويمكن اعتبار المجتمع جهازا "مناعيا" قد يتعرض للمرض الخفي الذي يصعب علاجه بعد طول تمكنه من الجسم الاجتماعي. وفي هذه الحال تتسيب المجتمعات وتنزلق إلى مشكلات ليس اقلها الحروب الأهلية أو تفشي الفقر وشيوع التفكير والأخلاق الشكلية الكاذبة فتعجز الثقافة والدين عن علاج هذه الأمراض بعد ان توارت وعملت في الجسم الاجتماعي دون ان تفضحها هذه الثقافة وان يقف بوجهها الدين قبل ان تصبح حالة إعياء تصيب جهاز المناعة الذاتية للمجتمعات وتفقدها القدرة على السيطرة والتنظيم. فيعود الطبيب "الثقافة والدين" إلى تاريخ المريض وراثيا وهو بالنسبة للمجتمع أنظمة القيم التي عجزت عن إعداد الفرد وتهيئته للانضباط والالتزام والإنتاج. وعلى سبيل المثال فان صعوبات الواقع العراقي المعاصر إزاء فكرة المشاركة السياسية الواسعة والتي تسمى الديمقراطية تنتمي إلى الصعوبات التي يواجهها جهاز المناعة الاجتماعي العراقي. فالسلالة الوراثية لأمراض المجتمع العراقي أي أنظمة القيم تنتمي إلى حقب من جراثيم فاتكة بهذا الجسم من عثمانية أو سلجوقية أو مغولية والصفوية. لقد أفرزت هذه الجراثيم أشكالا من الاستعصاء أضعفت جهاز المناعة الاجتماعي العراقي كثيرا. لقد ركزت هذه الجراثيم مشكلة الانكشارية التي تعتبر الصفة الأبرز للوجود الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في العراق. ان الانكشارية من الناحية الرمزية تعتبر النقيض المباشر لفكرة الجندي المجهول. غدت الانكشارية رمزا يضلل طريقة عمل جهاز المناعة العراقي وكأنه يرشده إلى حيث خذلان الذات وضعف المجتمعات. ولهذا السبب لا يستطيع العراقيون اليوم ان يجتمعوا حول الفهم البديهي للديمقراطية الذي تختزله أربع كلمات تقف خلفها تواريخ من العمل وأجهزة مناعة لكثير من الشعوب والدول والثقافات. وهذه الكلمات الأربع هي "حكم الأغلبية وسيادة القانون" وعلى ما في هذه الكلمات من تصلب غير مشوق في قوانين البلاغة العربية فإنها تمثل لب وجوهر المناعة الاجتماعية الحديثة. ان سبب تفرق العراقيين في قبولهم هذه القاعدة البديهية "الصعبة جدا" أول ما تستند وترتبط بضعف حركة الاستنارة الدينية في العراق. فلو اتصلت هذه الاستنارة بأصولها الإسلامية الأولى وخاصة بالمدرسة العلوية لامكن لها انجاز تقوية جهاز المناعة والطريق إلى ذلك هو في مشكلة التعريف إذ لم يعرف المسلمون أنفسهم لأنفسهم حالا بدت الحرب الأهلية في الإسلام تقويضا "منظما" وهائلا لجهاز المناعة في المجتمعات التي ابتليت بالتعدد بدل ان يكون هذا التعدد علامة لقوة لجهاز المناعة كما في المجتمعات الديمقراطية القديمة والحديثة. ان التعدد والاختلاف تعدان السمة الأكثر ركوزا في حركة التاريخ الاجتماعي والسياسي والحضاري فرديا وجماعيا. وتتمثل قدرة الشعوب والثقافات على إدراك هذه الحقيقة وتقنينها ثم صبها في أنظمة التربية للخروج بجهاز مناعة فردي قادر على رؤية الآخرين. وباجتماعه مع الآخرين يكون جهاز مناعة جماعي يسعى إلى السعادة والخير عن طريق القانون تفريقا له ولمجتمعه عن مجتمع البهائم والزواحف. جهاز المناعة العراقي يشكل نظام القيم العراقي المستمد من تاريخ العراق والعقيدة الإسلامية موضوعة المناعة التي يجب على الثقافة والفكر العراقيين التعامل معهما بمسؤولية وعناية فائقتين. لقد دخل جهاز المناعة العراقي غرفة العناية الفائقة أيام العنف الواسع الذي اسماه البعض الحرب الأهلية قبل ثلاث سنوات. وبمجرد خروج البلاد دون الانزلاق إلى هذه الحرب فان ذلك يعني شيئا لابد للثقافة ان تتعامل معه بأخلاقية عالية وهو ان جهاز المناعة العراقي ما يزال قادرا على مقاومة الجراثيم الانكشارية المتحدرة إليه من تاريخه السلالي الفوضوي. |