| نهاية الدولة الوطنية العربية |
|
فليح راضي السعدون قبل الحرب العالمية الثانية كان الموضوع السائد في الغرب "السياسي والاستعماري" هو عن أي نوع من الدول تصلح لهذه الشعوب التي تقطن منطقة الشرق عامة. صحيح ان هذه النظرة تختزن قدرا موفورا ونرجسيا من القوة لكنها بنفس الوقت تعبير عن الفارق في التنظيم الاجتماعي والسياسي بين عالمين. العالمان هما الغرب الذي راكم تجربة الدولة بالثورات الدستورية والثقافة الحقوقية والدساتير الملزمة والمؤسسات الملتزمة. وعلى الطرف الاخر الشرق الذي دخل اتون حروب بلا نهاية واوجز تاريخه بتاريخ سلالات متصارعة اغلقت منافذ التاريخ امام شعوب المنطقة. وبعد الحرب العالمية الثانية تغير الوضع كثيرا. لم يعد السؤال المطروح هو عن أي نوع من الدول تصلح لهذه الكيانات المبهمة من الشعوب التي تتساكن بقلق وحذر في محيطها ومع جوارها. تحور السؤال حول الانظمة التي تحكم ومن هو الصالح كي يخدم مصالح الغرب وكيف يتم دعم هذه الانظمة. لقد ثبت هذا الامر واستفحل بعد اجواء الصراعات العقائدية وبروز نظام القطبين والتنافس المستعر بينهما. ومنذ ذلك الوقت بدات الدولة العربية "افتراس المجتمع". لقد حصلت على حماية كافية من الغرب الذي اطلق يدها ازاء شعوبها ولم يتنبه الى مخاطر هذا الاطلاق الا بعد الحادث المروع في برجي التجارة في نيويورك. البداية الصعبة ربما يشكل وصف الدولة العربية الحديثة بانها نتاج للاستعمار بعض القسوة اللغوية. الا ان هياكل هذه الدولة ومضمونها الوظيفي قد ارتبطا بالفعل بظاهرة الاستعمار. ولا يستطيع أي كتاب مدرسي او عام يؤرخ "للنهضة" العربية الا وتشخص امامه صورة نابليون الفاتح بليد الشكل الذي غير تاريخ الشرق وفتح امامه ابواب "المجهول!”. اكثر علامات هذا المجهول تمثلت في الدولة. وكانت البداية من مصر تحديدا ومن دولة محمد علي الكبير. لقد احتوت هذه الدولة مثاليا على العلاقات الرمزية والواقعية للقوة وشكل التراتب السياسي كما تبدى بعد ذلك في كل مراحل الدولة العربية الحديثة حتى سقوط اخر نماذجها في بغداد بهذا الشكل "الصادم". يحار مؤرخ الدولة العربية الحديثة في نسبة علاقات هذه الدولة الى نفسها ووظيفتها. وبين النزعة الوطنية لهذا المؤرخ وهي تشكل اخلاقه على اية حال وبين هذه الدولة قد شكل التباسا على صعيد نظرة الثقافة الى الدولة والفرد والمجموع. وقد مثلت هذه الدولة في بداية الامر بديلا سحريا للواقع العثماني الصعب والمتهرئ. فقد اتجهت في البداية نحو شكل من اشكال التعاون مع المجتمعات المحلية والاهلية والحرفية ثم توسعت في انظمة التعليم وابتنت الجيوش الحديثة واهتمت بالمراكز الحضرية. شكلت هذه الانجازات الصورة المثلى للدولة العربية الحديثة كما بشر بها المثقفون المغتربون او الاقليات المنتفعة. لكن احدا من هؤلاء المثقفين لم يعمد الى فضح الاعماق المخفية التي افرزها عمل هذه الدولة وتراكمت حتى تحولت الى اسوا انواع الاستبداد. الصدام مع الدين وجدت هذه الدولة بحكم نشاتها نفسها وجها لوجه امام التكوينات الروحية لعموم الناس وبالذات الجوهر المكون للمشرق عموما وهو الاسلام. وكان من المنطقي والاخلاقي ان يتكامل مشروع الدولة العربية الحيدثة مع المشروع التحرري الذي قاده الاسلاميون بداية عهود الاستعمار. الا ان المشكلة المزدوجة كانت نشات بسبب افتقار الحركات الاسلامية المناهضة للاستعمار لبرامج اجتماعية. لقد ركزت هذه الحركات على بيضة الدين وفكرة الامة لكنها لم تكن بحال الالتفات الى مشروع اجتماعي يقدم خدمته لافراد هذه الامة. مثل هذا الخطا مقتلا اصاب جهود الاصلاح ومكن الاتجاه العلماني التغريبي والتبسيطي ان يستاثر بالدولة العربية الحديثة خاصة في الفترة التي اشرنا اليها بداية المقال. التصقت الشعوب روحيا بقادة حركات التحرر ذات الصبغة الاسلامية لكنها وجدت نفسها بعد ذلك رهينة الوظائف والمعاش والحماية التي توفرها الدولة الحديثة تحت حكم العلمانيين المتغربين. لم يطور العلمانيون جسورا ضرورية مع عقائد المسلمين كي تحدث عملية السلام وتمهد لحداثة الدولة المحافظة على اصولها الروحية من الاغتراب والتفتت. وبعد التناقص التدريجي في قوة هذه الدولة خاصة بعد حروب فلسطين منذ عام 1948 برزت ظاهرة اطلق عليها الاعلام ومراكز البحوث خطا مصطلح "الاسلام السياسي". فلم تكن التنظيمات الاسلامية غائبة عن السياسة في كل مراحل التاريخ الاسلامي. ويمثل الدين الاسلامي حالة خاصة جدا بالنسبة لبقية الاديان في مقاومة الحداثة وبالذات في اجنحتها الالحادية او العلمانية المتطرفة او الاباحية الجنسية. اما جمهور الدولة الحديثة من المتعلمين والحرفيين الجدد فهم مادة لفكر الغرب الذي تتبناه هذه الدولة. وبالنظر لضعف الجسور الواصلة بين الثقافات الروحية والحضارية للاسلام وبين النخب التي تحكمت بفعل التاييد الغربي حدث الصدام الذي اطلقوا عليه بعد ذلك اسم الاصوليات. والاصولية تعني المدرسية والجمود والاولى ان ينطبق هذا الوصف على النخب العلمانية التي تحكمت بالدولة العربية الحديثة فكانت اصولية ازاء فكرة تطوير جسور من التعامل مع محيطها الثقافي والروحي. لقد اكتفت الاصولية العلمانية بالغطاء الغربي الذي كلف الشعوب الكثير وكان الشعب العراقي ابرز ضحايا هذه المجزرة. تهميش المجتمع في كل مراحل عمل الدولة العربية الحيدثة اتجهت جهودها نحو تهميش المجتمع. والمقصود بالمجتمع كل الفعاليات الثقافية والاخلاقية والروحية التي ينبثق منها مضمون الجماعة وحراكها الذي يؤلف بالنتيجة "المنطقية" اطار الدولة الحديثة. فهذه الدولة تمثل تاطيرا قانونيا للمجتمع وقدرة على تنظيمه وترشيد حركته بما يضمن القوة للكيان والسعادة والحقوق للافراد. الا ان هذه الدولة وجدت نفسها في موقع قوي ومتعال على المجتمع. لقد ادى ازدراء المجتمع من قبل الدولة الى نتائج فادحة وصلت بعد ذلك الى اكثر الميادين حساسية وخطورة وهو ميدان التعليم. لقد كان ميدان التعليم يمثل مصدر قوة الدولة الحديثة وقد امدها بالكثير من الشرعية التي افتقدتها في بقية مناشطها. وقد تسرب التحلل الى انظمة التعليم التي غدت صورة باهتة وتلقينية واجترارا لمعارف لا تصنع فردا ولا تقيم مجتمعا ولا تؤلف دولة. سيناريو الرعب خسرت الدولة العربية الحديثة معاركها الرئيسة وفقدت الاساس والحائط الذي يمكن ان تستند اليه. والمفروض ان يكون سقوط صدام بهذه الطريقة المسمار الاخير في نعش هذه الدولة وزوالها نهائيا. ورغم الرعب الذي ينتاب موضوعة البديل لهذه الدولة الا اننا ما نزال نرى كيف تدير النخبة المصرية معركة التوريث وكيف تناور النخبة اليمنية في الحصول على مساعدات من اميركا ودعم من القاعدة والسعودية معا. ونلاحظ بالوقت نفسه اسلوب المناورة الذي ما عاد يجدي كثيرا في محاولة هذه الدولة الخروج رابحة أي البقاء على قيد الحياة فترة اطول. لقد اسلمت هذه الدولة مجتمعاتها الى عوامل الفشل والاندثار الذي تعني ترجمته اليوم الحروب الاهلية العربية في كل مكان. ومن الصعب على اللغة العربية اليوم ان تتحدث عن النظام العربي او الامن الاقليمي فحتى حروف هذه اللغة ليست على الدرجة التي تسمح لها بالتعايش مع هذا الكم من الوهم المتفجر. تعيش الشعوب العربية اليوم مخاضا مجهولا وتبدو هذه القوى على شاشة التاريخ وكانها مقيدة باغلال لا سبيل للفكاك منها. ويعتقد الكثيرون ان مفاتيح هذه الاغلال قد قذفت بها جهود الدولة العربية الفاشلة في بحار عميقة من العدم واللامعنى وان العثور على هذه المفاتيح بحاجة الى "ثورة". مرة اخرى تعود هذه الشعوب الى منطق الثورة الذي يعني تفجير اللغة والحماس والغرائز واعادة تنظيم الصف القبلي مثل ما حدث بداية القرن الماضي ومثل ما يحدث في الفضائيات التي تدافع عن صدام حسين. من الصعب في هذه الحراجة تلمس طريق "جاهز" للخلاص. ولان الطبيعة تكره الفراغ والسياسة اكثر المجالات حساسية ازاء الفراغ فان مصير الانقاذ معلق "مرة اخرى" برقبة التنويريين الاسلاميين الذين يمثلون اللحظة وذلك لصلتهم العضوية بالناس وبالتاريخ وبافق المستقبل. اعتقد "وقد اكون مخطئا" ان الجسر الواصل بين الشعوب العربية والمستقبل يمثله التنويريون الاسلاميون الذين تتوقف على جراتهم وحماسهم واخلاصهم مصائر المنطقة وتاريخها برمته. |