|
مالك تركي قبل أعوام كان أحد الصحافيين الظرفاء يقف أحيانا في الشوارع المزدحمة في قلب لندن، وكلما مر به أحد ممن يدفع بهم الموج البشري أمامه، ابتدره سائلا: “ما موقفك من آخر تصريحات الحزب الفلاني؟”. فينظر إليه الشخص عجبا أو شزرا ويمضي في حال سبيله. أما إذا كان شابا أو فتاة ممن أوتوا روح النكتة الإنكليزية، فإنه يرد عليه بأنه كان على القوم أن يفكروا مليا قبل الإقدام على تصريحات بهذه الخطورة. بينما يقول آخر: “لماذا؟ ما الذي حدث؟ لا تقل لي إنهم غيروا موقفهم مرة أخرى!”.
هذا المشهد اللندني الطريف، الذي يسأل فيه الصحافي سؤالا لا معنى له بالنسبة للجمهور (لأنه خارج نطاق اهتماماته)، تكرر أخيرا في نيويورك. حيث وقف صحافي يحمل في يده ميكروفونا وهو يسأل كل من مر به من السادة الذين تبدو عليهم سيماء رجال الأعمال أو موظفي البنوك الكبرى ومؤسسات الاستثمار: “ما تعريفك للحياة المثلى؟” أو “ما شكل الحياة الفضلى في تصورك؟”. سؤال يمكن أن يبدو عميقا، بل فلسفيا وجديرا بالأبوة في أنساب الأسئلة ومراتبها. سؤال يمكن أن يبدو كأنه “أبو الأسئلة” لأنه يحيل في صيغة صادمة، بل في شكل ضربة جزاء كروية، إلى قضية مركزية في فلسفة الأقدمين. أي أنه سؤال من النوع الذي “يذهب من أجله للمدارس”، حسب التعبير الفرنسي الشائع، وتشد إلى الراسخين في علمه الرحال و”تضرب إليهم أكباد الإبل” كما كان يقول أجدادنا. لكنه سؤال يمكن أن يبدو أيضا عديم المعنى، بل غير ذي موضوع. “سؤال ولا وجه للسؤال” حسب تعبير احد كتاب العرب. سؤال مباغت لا يمكن أخذه مأخذ الجد، خاصة أن من يطرحه هو صحافي يجوب الشوارع مخاطبا أناسا لا يعرفهم ولا يعرفونه. ولهذا فإن نيويورك تايمز تقول: إن الشخص الوحيد الذي تجشم عناء الرد على الصحافي قد أطرق للحظة خاطفة ثم قال: “الحياة المثلى هي أن يكون للمرء عمل. ولا بد أني سوف أفقد عملي إذا وصلت إلى الاجتماع متأخرا” (أي أرجوك لا تضع مزيدا من وقتي). ثم انطلق الرجل كالسهم لا يلوي على شيء، ولا حتى على المحل التجاري الذي يحمل اسم “بناطيل جينز ماركة الدين الصحيح!”. ولم تذكر الصحيفة هذه المعلومة التفصيلية الشاذة عن اسم المحل لتأكيد شدة المفارقة في المشهد وتغليظ وقعها فحسب، بل إنها فعلت ذلك أيضا لأن وصف هذا المشهد السوريالي قد أتى في سياق تقرير عن ندوة عقدت في وول ستريت لثلاثة أيام بعنوان “من أجل بناء اقتصاد أخلاقي” وبحثت مواضيع مثل “ما هي الحياة الفضلى؟”. مواضيع منافية لطبيعة الأشياء في وول ستريت، لكن الأزمة المالية ألزمت هؤلاء الناس بترديد بعض التعويذات عن “الأخلاقيات والمسؤولية الاجتماعية” ريثما تمر العاصفة. وقد كان كبير أساقفة كانتربري (رأس الكنيسة الأنغليكانية) روان ويليامز نجم الندوة، حيث تمكن من قول حقائق صادمة ولكن بطريقة ناعمة. وهذه ميزة من مزايا رجال الدين المسيحي في بريطانيا. حيث أني ألاحظ، بحكم مواظبتي على الاستماع لراديو بي بي سي الرابع، أن لهجة موعظة الأحد، مثلا، هي موعظة تبشير لا تنفير وأنها تتسم بالرفق. الرفق الذي تميز به نبي الإسلام (ص) ودعا إليه وحض عليه لأنه “يؤتى بالرفق ما لا يؤتى بالعنف”. ومما قاله ويليامز أن “القطط السمان” في هذه الدنيا ليسوا بالضرورة أشرارا، إنما كل ما في الأمر أنهم ضحايا حالة خطرة من حالات سوء الفهم. وهي حالة يتساوى فيها الأثرياء، والطامعون في الثراء والمتخففون من الحملين معا: لا ثراء ولا طمع. ويتمثل سوء الفهم هذا في الظن بأن المال هو الثروة. فما هي الثروة الحقيقية إذن؟ إنها “مجموع علاقات المحبة بين المرء والناس”. وعندما اعترض خبراء الاقتصاد ممن حضروا الندوة بأن عدالة التوزيع (أي الاقتصاد الأخلاقي) لا معنى لها إذا لم يكن هناك إنتاج للدخل، رد ويليامز بأنه ليس ضد إنتاج الثروة بل إنه ضد مراكمتها بكميات تتجاوز أشد التجاوز قدرة أي شخص على استخدامها على نحو مفيد أو رشيد. إلا أن من المفارقات أن قول ويليامز بأن المال ليس هو الثروة قد تزامن مع قرار المحكمة العليا الأمريكية نقض قرن كامل من الفقه الدستوري، وذلك بإلغاء أية قيود على المبالغ المالية التي يجوز للشركات للكبرى إنفاقها لمحاولة التأثير في نتائج الانتخابات. وهو أمر استنكره أوباما وفسره خبراء القانون بأن المحكمة العليا أصبحت تعدّ المال نوعا من حرية التعبير!
|