مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

الطبقة الوسطى
تفاخر دول نامية، ومن بينها دول عربية، باتساع الطبقة الوسطى فيها، على حساب طبقتي الفقراء والأغنياء، معتبرة ذلك أهم الدلائل على نجاح نظامها السياسي ونجاعة خياراتها التنموية واتجاه المجتمع والإدارة فيها إلى شاطئ السعادة، أي مواطنين سعداء وحكومة سعيدة كما وصف أحدهم مؤخرا الوضع في دولة عربية، متفكها بطبيعة الحال.. فلسفيا وسياسيا ودينيا، رمزت الطبقة الوسطى فعلا إلى السعادة، باعتبارها توليفة بين الفقر والغنى، وحالة وسطا بين شظف العيش وميوعة الرفاهة، وملاذا للفارين من قسوة العوز وما تجلبه كثرة الأموال من فساد وسطوة.
وقد امتدحت كتب العقائد وبيانات السياسيين الطبقة الوسطى، في ميل واضح إلى لعن الفقر مدخل الكفر، ونقد الغنى مناط التجبر والعجب والغرور. وعادة ما اقترن المتوسطون بدعاء الستر، فلا رغبة في السقوط إلى أسفل بعد اكتفاء، ولا حاجة للصعود إلى فوق خشية سوء العاقبة..والطبقة الوسطى رمز لاستقرار الأنظمة على أنواعها، فهي الطبقة الأقل حماسة للتغيير من غيرها، وما دام في الواقع ما يؤمن حاجاتها فستجدها الغالبة في مدحه والعاملة على صونه، خلافا لطبقة الفقراء المدقعين الآملين في تحول ينتشلهم من فاقتهم، أو طبقة الأغنياء التي سيوجد فيها باستمرار من هو طامع في كرسي أو حالم بعرش أو سلطة.. وكما يرى، فإن موات العالم العربي وقعوده عن أي تغيير ديمقراطي، ناتج بالأساس عن وجود طبقة وسطى عريضة في عدد كبير من دوله المتوسطة، فأبناء هذه الطبقة خائفون مرعوبون من أن يجور عليهم الزمن أو الحكم فيسلبهم ما فيه من نعم العيش وبعض رفاه الدنيا، ليسوا كالفقراء لا شيء في ملكهم يخافون ذهابه، أو كالأغنياء ممن يصرف انفاق من لا يخشى الفقر أو يخشى غضبة الكبراء.. فإذا ما قيد أهل الطبقة الوسطى، وهم موظفون وأجراء وأصحاب مصالح صغرى، بقروض وأنواع سلف لا عد لها، للمسكن والملبس والسيارة والإجازات الصيفية، أضحوا أجبن من أن يعصوا أمرا لحاكم مهما اشتد جوره، وأعجز المتطلعين إلى تبدل أو تحوير أو ثورة، على الرغم مما قد يعتمل في نفوسهم من كراهية للسائد وما يهيمن على عقولهم من نقد شديد للواقع.. والتاريخ المعاصر ربما أثبت أن الطبقة الوسطى نعمة إذا ما انبثقت عن نظام سياسي، هو في الأصل نظام ديمقراطي لا مجال للتراجع عنه لاحقا، وأنها نقمة شديدة لا محالة إذا ما نتجت عن نظام استبدادي يجعل منها متراسا صلبا في مواجهة أصوات الإصلاح والتغيير، ووعاء حديديا لخطابات النفاق والتزوير والتزويق في مواجهة أصوات الشفافية والجرأة والحرية.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home رؤى رؤى الطبقة الوسطى
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة