| قارّة النفس |
|
مجيد هاشم في التقسيم الجغرافي التقليدي فان كوكبنا هذا يحتوي سبع قارات، خمس منها مسكونة واثنتان غير مأهولتين. وتعتبر القارتان القطبيتان الشمالية والجنوبية أكثر القارات غموضا نظرا لتطرف أحوالهما المناخية وعدم قدرة الإنسان التكيف بسهولة والعيش هناك. إلا ان أوسع القارات عمقا وأكثرها غموضا هي القارة الثامنة غير المكتشفة وهي قارة النفس الإنسانية. فكل هذه القارات السبع التي نتحدث عنها يمكن ان تقاس بالإحصاء والأرقام ويمكن ان تطوع بالكيمياء أو الفيزياء وان غير المكتشف منها سوف يكتشف غدا وان قوانينها ترتبط بعضها مع بعض بقانون شامل هو قانون السببية. أما قارة النفس الإنسانية فما تزال عصية على الفهم ومدعاة لآلاف بل مليارات الحروف التي تنتج يوميا للتعبير عن مشكلاتها ونظرتها وجنونها وعقلها. أنبياء ورسل الله خالق كل شيء وصانعه وهو اعلم بعباده ومع ذلك فقد اخبر الإمام الصادق عليه السلام ان هناك عشرات أو آلاف من آدم غير الذي نعرفه أبانا الأول. والمعادلة الإلهية للإنسان سهلة ميسورة فهذا الكائن الفريد معلق بين الرغبة المتوحشة في حيازة كل شيء وبين الانضباط الذي وفر له الله تعالى أسبابه عندما ركزها في العقل وبعث الأنبياء كي يذكروا بها ويدلوا عليها. وما بين التوحش الغرائزي والاستئناس بالنفحة الإلهية بقي الإنسان يصارع يومياته ونوازعه وقوانينه فشن لذلك حروبا وأبدع في العلم واستغل الطبيعة حد الافتراس ثم عاد يبكيها ويبحث عن محميات طبيعية. ليس ذلك فقط فهو يحاول دائما ان يخرج من حدود التوحش إلى المسؤولية الجماعية فكانت الأمم المتحدة وتشريعاتها نموذجا أسمته بعض الأدبيات السياسية بتوازن الرعب. وقد عبر نيتشه قبل نشوء الأمم المتحدة وعصبة الأمم عن الفقراء الذين يتمسكون بالأخلاق كي يدرأوا عنهم طغيان الأقوياء. فلا وجود للأخلاق في هذه الفلسفة وجودا أصليا منبعثا من الفطرة الإلهية بل تعبر عن حاجة الضعفاء للحماية. ويقدم فلاسفة العدمية الجدد “تأصيلا” لهذه النظرة عندما يصنفون قرار الفيتو على انه “حق” مرتبط بالسلاح النووي وإلا لماذا تحوز دول بعينها سلطة الاعتراض الملزم على قرارات هذه الجمعية فيما يمتثل الآخرون “صاغرين” لهذه القرارات. لا يعدو ذلك سوى ان يكون حقا للقوة بدل التعبير الشائع عن الأمم المتحدة باعتبارها تمثل قوة الحق. ومع ذلك فان هذه المنظمة وتشريعاتها وما يتفرع عنها من منظمات تلامس حدود الأمل الإنساني في اجتراح مشتركات إنسانية عامة عبرت عنها الأديان السماوية وصاغها الأنبياء والرسل من خلال أخلاقهم الشخصية وتوجيههم لأتباعهم ومحبيهم. الفقر الروحي كل المظاهر المادية للسوء التي يراها ويعيشها الإنسان نتاج لفقره الروحي. فقوانين الروح العميقة تتجه دائما نحو السلام والتعاطف وترفض الظلم والقهر والاستغلال. وهذه معادلة ليست كيميائية يمكن إثباتها بقوانين التفاعل أو التنافر بين العناصر ولا فيزيائيا بقوانين الحركة. انها اقرب إلينا جميعا من حبل الوريد نستشعرها دائما ونحسها في ابسط حركات يومنا وفي أكثرها تعقيدا على حد سواء. واستقراء تاريخ الإنسان يظهر معادلة حزينة: تبدأ الحضارات بنشاط عقلي أخلاقي يرسي أسسا مادية واجتماعية تبدأ رويدا إلى التفكك والتحلل وفقدان التماسك. وأكثر علامات هذا التفكك وأسبابه العميقة الفقر الروحي. حيرت هذه الظاهرة المهتمين بالتاريخ والذين يتنفسون أحداثه ويعشقون السباحة في بحاره. لقد كتب هؤلاء عن الاندثار الحضاري ونظرية الدورات الحضارية ودور الأخلاق في نهوض وسقوط الحضارات والتحدي والاستجابة.. الخ لكنهم لم يجيبوا عن السؤال اللغز وهو: ما الذي يدير قارة النفس الداخلية للفرد كي تتبعثر هكذا وتدمر نفسها ومحيطها؟ مأزق فرويد حاول اليهودي “التائه” سيجموند فرويد ان يفسر سرا بدا معقدا ذو أسباب خفية إذ كيف تساق جموع عسكرية إلى حتفها سعيدة جذلى؟ لقد شاهد فرويد حربين عالميتين ورأى بأم عينيه غناء عشرات بل ملايين الذاهبين للموت إلى جبهات القتال. ولا تعدو هذه الجبهات ان تكون مناطق فاصلة بين مصالح مختلف عليها حتى يتم الاتفاق مع بعض التنازلات بعد ان تراق دماء الملايين. يتكرر هذا “القانون” في مسيرة التاريخ البشري كلها لم تسلم منه حتى الديانات التي سحبتها قارة النفس الملغزة من الإيثار والسماحة إلى الظلم والعدوان. فكر فرويد في غناء الجنود وكمية الدماء المراقة والخنادق المتقابلة منذ عشرات آلاف السنين وحاول ان يضع نظرية في التاريخ تقول ان العدمية نزعة متأصلة في الذات البشرية وان الرغبة في الموت الجماعي تعبير عن هذه النزعة باحثا في أساطير الإنسان الأولى وميثولوجيا الشعوب مستخرجا من لغاتها وعاداتها وتقاليدها ما يعتبره تأكيدا لنزعة الموت الجماعي عند الإنسان. وزيادة في مراكب المغامرة يعزو فرويد هذه النزعة إلى مركبات جنسية محاولا بعد ذلك ان يعطي تماسكا لهذه السياحة الغريبة دون جدوى كبيرة. فقد ظهر تلامذة خالفوا أستاذهم وتكلموا عن إرادة القوة التي تشكل عصبا للحروب والنزاعات ومحركا لقارة النفس في ظلامها الداخلي العميق. والعلم منذ نهاية القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن العشرين ساد وعلى نطاق واسع انطباع مؤداه ان الإنسان توصل أخيرا إلى غزو القارة السوداء الثامنة أي انه وصل إلى اكتشاف ذاته ولم يبق إلا القليل كي يسيطر على هذه الذات مروضا إياها ومدجنا توحشها ومؤنسا فقرها الروحي ورعبها ونزعاتها العدمية. لقد ركب الإنسان بساطا من الريح اسمه العلم الحديث. تفتقت اللغة الرياضية عن أسرار خرقت قوانين الجاذبية الأرضية فإذا الإنسان يطير في الهواء محققا حلما راوده آلاف السنين. ثم تمكن من إيقاف الجوع الذي كان يفتك بالجنس البشري والأمراض التي قوضت تكاثر الإنسان ومدنياته. وفجأة وجد الإنسان نفسه ينتقل من قارة لأخرى بساعات وأصبح لديه وقت طويل من الفراغ لا يقضيه في الحقل أو ساحات القتال فهو يرتاد صالات الرقص والغناء والمسارح والنوادي ثم اكتظت جموعه متلهفة نازعة شروط القارة السوداء كي تشجع رموزا من الراكضين خلف جلدة منفوخة اسمها كرة القدم. ثم توغل عميقا فاكتشف خارطة الوجود الشخصي والسلالي اسمها الهندسة الوراثية وزاد عليها بأحكام اسمه الجينوم. ومع كل ذلك فهو متمسك بالفيتو وبالقنابل النووية التي باستطاعتها ان تفني هذا الكوكب (600) مرة حسب إحصاءات 1982. حاول ترميما لهذا الرعب تشييد صرح اسمه شرعة حقوق الإنسان أوكل إليها صيانة الحقوق التي تفترسها القارة الداخلية السوداء بنفس الوقت الذي خاض حربين كونيتين أزهق خلالها أكثر من خمسين مليون قارة داخلية سوداء أرعبت فرويد ودعته ان يكتب عن نزعة الموت الجماعي “المتأصلة” في الإنسان. الحلم المستحيل كل الذين يقعون في البئر أو القاع يودون الخروج منه حتى تلك الكائنات التي لا تملك وعيا بالنوع والامتداد وتقتصر على الكم من ذوات الأربع أو العجماوات. والإنسان يسعى ان يخرج من قاع القارة السوداء الدامس ويتعثر في آماله بذلك. فلم تكن صروح العقائد والنظريات والإيديولوجيات بما فيها سرديات الدولة الحديثة قادرة على إخراجه من سجن هذه القارة. أنهم ينتحرون في الغرب مثلما تتقاتل قبائل دارفور أو الحلفاية أو جنوب الرباط أو مركز القاهرة. فهم مشدودون إلى أعماق القارة السوداء العميقة التي وجد المسلمون خلاصهم بالمهدي المنتظر عليه السلام رافعين أعباء وطأة وثقل هذه القارة على المزاج والنفس والمستقبل. والمسيح المخلص أمل هو الآخر بيد انه اخذ بعدا آخر في سردية أخرى اسمها الماركسية ركزت مهديها في حكم الطبقة العاملة. وحتى تحكم هذه الطبقة وتحقق الحلم احتاجت ان تقتل أو تسجن أو تعوق أكثر من (30) مليون في الاتحاد السوفييتي وحده. لقد وسعت الماركسية وتطبيقها الشيوعي القارة السوداء العميقة بأوسع مما كانت وما زال الجرح مفتوحا هناك. ان حسا جماعيا يتبلور الآن يسمى مرة في الشرق العودة إلى الله وفي الغرب الحنين إلى الدين وفي بعض أجزاء هذا الغرب اندحار المعنى وفي الرياضيات البحث عن اليقين وفي الفيزياء مبدأ اللاتعين وفي الكيمياء الحركة الأولى والآصرة الخفية وفي الفلك سر الجاذبية.. الخ. كلها طرق تدل على شاخص لا بديل عنه لنزع قهر القارة السوداء العميقة “ان تقولوا لا اله إلا الله تفلحوا”. |