|
فريق أرسنال نموذج للإدارة الرشيدة! |
|
مالك تركي من أطرف العادات لدى بعض وسائل الإعلام الغربية أنها تتفق في بعض المناسبات مع شخصيات غير إعلامية على أن تتولى هذه الشخصيات رئاسة التحرير ليوم واحد. ويعني الاتفاق مع ما يسمى بـ”رئيس التحرير الضيف” التزاما من المؤسسة الإعلامية بأن تكيّف إنتاجها الصحافي حسب اختيارات الضيف وقراراته التحريرية. أي أن المؤسسة تقبل، مختارة، أن يكون الضيف هو سيد البيت. تمرين إعلامي لذيذ منعش يستزيد به الجمهور والصحافيون أنفسهم من أوكسجين الذكاء الخارجي الذي يشيع في المكان بمجيء هذه الشخصيات التي تنتمي لمجالات العلوم، والثقافة، والفنون، والسياسة، والقانون وحتى الرياضة. وهكذا فقد كان “رئيس التحرير الضيف” لمجلة “لو نوفيل أوبسرفاتور” الفرنسية أوائل الشهر الماضي هو دانيال كون-بنديت عضو البرلمان الأوروبي عن تحالف مجموعة “الخضر الأوروبيين” ومجموعة “الحلف الحر الأوروبي”.
وهو من أشهر الناشطين السياسيين الأوروبيين، وقد ذاع صيته منذ شارك في تزعم انتفاضة الطلاب في أيار (مايو) 1968، حيث أصبح يلقب منذئذ بـ”داني الأحمر”. وقد وقع الاختيار على كون- بنديت لتولي مهمة “رئاسة التحرير بالضيافة” (مثلما يقال بالنيابة أو بالوكالة) بمناسـبة عقد مؤتمر المناخ في كوبهاغن. وإذا كانت “رئاسة التحرير بالضيافة” لدى المجلة الفرنسية مسألة استثنائية مرتبطة باعتبارات محددة، فإنها ترقى لدى راديو بي بي سي الرابع إلى مستوى التقليد العريق، حيث دأب برنامج “توداي” الإخباري على أن يستضيف كل عام رئيس تحرير خارجيا أثناء الأيام الستة الفاصلة بين عيد الميلاد ونهاية السنة. وقد كان بين “الضيوف” عام 2007 مثلا مارتن إيفانز الفائز بجائزة نوبل للطب عامئذ، والمديرة السابقة للاستخبارات البريطانية ستيلا ريمنغتون، بينما كان بين ضيوف 2008 المهندسة المعمارية العراقية زهاء حديد والروائية اللامعة زيدي سميث. أما الشهر الماضي فقد كان بين الضيوف الموسيقي روبرت وايت، والرسام ديفيد هوكني، والبرلمانية المحافظة ومؤلفة القصص البوليسية بي دي جيمس، وعضو مجلس اللوردات عن الحزب الديمقراطي الليبرالي شيرلي ويليامز، والعالم الفلكي مارتن ريس إضافة إلى اللاعب السابق لفريق أرسنال لكرة القدم توني آدمز. وإذا كانت الفائدة الناجمة عن سماع برنامج شيرلي ويليامز متوقعة، حيث عالجت قضايا مثل اقتراح “ضريبة توبن” على المعاملات المالية الدولية، وما إن كان المسرح البريطاني يشهد الآن عهدا ذهبيا... فإن بي دي جيمس، التي يقارب عمرها التسعين، قد أمتعت بتخصيصها إحدى الفقرات لمشكلة تناقص قدرة عموم الناس على التعبير والإبانة (ناهيك عن الفصاحة) وطلبت إعداد تقرير يتضمن استطلاع قدرة تلاميذ مدرسة ثانوية على الإجابة على أسئلة مثل التي طرحت عليها في امتحانات التخرج من الثانوية عام 1936! وتضمن البرنامج تلاوة مجموعة من القصائد لأن بي دي جيمس تعتقد أن الشعر يقع من الهوية البريطانية في الصميم. إلا أن أقوى فقرات البرنامج تمثل في الحوار الذي أجرته مع المدير العام لبي بي سي مارك تومبسون (هذا الذي اتخذ، قبل عام، قرار منع بث مناشدات منظمات الإغاثة الإنسانية من أجل ضحايا الهجوم الإسرائيلي على غزة)، حيث أخضعته لمساءلة صارمة بشأن وقوع قناة بي بي سي التلفزيونية الأولى في مهاوي التفاهة واللهاث خلف الشعبية الرخيصة رغم أن حريتها من الإرغامات التجارية تلزمها بالرقي إلزاما، كما انتقدته على هدر الميزانية على رواتب سخية لأصحاب المناصب البيروقراطية الكثيرة المتشابهة التي لا مبرر لوجودها أصلا. ومن أطرف لمسات العالم الفلكي مارتن ريس أنه خصص في برنامجه فقرة لبحث مسألة الاختيار وما إذا كانت الديمقراطيات المعاصرة مخطئة في تغليبها حرية الاختيار على قيم أخرى قد تكون أهم؟ كما بحث مع ضيوف كان بينهم الفيلسوف سلافوي جيجاك ما إذا كان ثمة مسائل أو حقائق لن تتمكن الإنسانية من معرفتها أبدا. أما أجمل إضافات اللاعب السابق توني آدمز فقد تمثلت في تخصيص فقرة للمقارنة بين إدارة الشركات الكبرى وإدارة الفرق الكبرى لكرة القدم، حيث بيّن الحوار بين أستاذ في إحدى كليات إدارة الأعمال وبين محرر الشؤون الاقتصادية أن من مصلحة مدراء الشركات أن يقتبسوا بعض أساليب الإدارة التي يتميز بها مدرب أرسنال (المثقف والبليغ) أرسين فنغر! |