مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

صلح الحديبية الجديد

توفيق رباح

الآن وقد حطت ملاحم الكرة بين الجزائر والشقيقة الكبرى أوزارها، بغض النظر عن النتائج ومن فاز بماذا وكيف، أعتقد أنه حان أوان الجنوح للسلم وتصافي القلوب وإراحة النفوس.
تناقشت طويلا مع زميلي ، قبل مباراة انغولا الخــميس الماضي بين الشقيقة الكبرى والجزائر، فلم نصــل إلى نتيجة: هو من دعاة الجنوح للسلم وطي الصفحة والمصالحة لأسباب يراها موضوعية، وأنا من دعاة المصالحة وطي الصفحة (لكن على طريقتي) ولدي أسـبابي التي أراها موضوعية، فافترقنا.
إليكم وجهة نظري بعد تفكير طويل ـ ولم أتحدث لجزائري واحد في الأسابيع الماضية ووجدته مختلفا عني في الجوهر أو مناقضا:

بعد كل الذي حدث، أصبحت أؤمن يقينا بأن لا مخرج لنا من حالة الكراهية المستشرية هذه سوى أن يدير البلدان ظهرهما لبعض. مثل صلح الحديبية لكن بمدة أطول، ولتكن (20) سنة، وسأشرح لاحقا لماذا (20) سنة.
كنت سأكتب هذا الكلام في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بعد العيب الكبير والعار الذي صدّرته القاهرة باتجاه الجزائر عقب مباراة الخرطوم. لكنني تمهلت وأنا أرى في الأفق كأس أمم إفريقيا -ثم لا شيء إلى إشعار جديد- وشعور ما بداخلي يهمس أن الفريقين سيلتقيان مرة ثانية بأنغولا، فتمهل. وقد اخترت أن أتمهل.
أكتب وأنا في منتهى الوعي وفي كامل قواي العقلية، مدركا معنى كل كلمة أقولها ومتحملا مسؤوليتها.
ليست الكرة ولا نتيجــة مباراة سابقة أو لاحقة هي السبب. السبب أعمق وأخطر، عنوانه “الشقيقة الكبرى” مأزومة وبحـاجة إلى علاج.
ومشكلتنا أننا عندما تكون الشقيقة الكبرى مأزومة تصدّر أذاها إلى الآخرين فلا توفر أحدا، وقد وضعت لها العناية الإلهية الجزائر في الطريق فحدث العار الذي تعرفون.
من هنا يصبح من الأفضل الابتعاد ومنح هذه “الشقيقة” الوقت المطلوب لتشفى، أو بعبارة جزائرية أكثر صراحة وصدقا: اخسر وفارق!
لهذا ضرورة صلح الحديبية وفوائده.
عشرون سنة:
لا نبيع لهم ولا نشتري منهم.
لا يبيعون لنا ولا يشترون منا.
نمنع أغانيهم وأفلامهم وكتبهم فوق أرضنا ويمنعون أي كلام عنا في تلفزيوناتهم وإذاعاتهم.
نغيب عن معارضهم وأفراحهم ويغيبون عن معارضنا وأفراحنا (وقد بدأوها منذ شهرين بأن أقصونا من معرض القاهرة للكتاب وطردوا فنانينا من مهرجان القاهرة للسينما).
لا نتزوج منهم ولا يتزوجون منا.
نغيب عن المناسبات الإقليمية والدولية التي يسبقوننا إليها ويغيبون عن المناسبات التي نسبقهم إليها، ونعتذر عن المناسبات الرياضية التي ينظمونها أو يشتركون فيها.
يعتذرون عن مثلها التي ننظمها أو نعلن اشتراكنا فيها.
لا ننتظر منهم أن يفرحوا لأفراحنا، أو إذا انتصرنا في مباراة بالمونديال، وبإمكانهم أن يفرحوا إذا انتكسنا.
تنحرف طائراتنا جنوبا لتحلق تحت سماء السودان أو شمالا فوق البحر المتوسط وهي متجهة شرقا.
تنحرف طائراتهم جنوبا لتحلق فوق النيجر ومالي أو شمالا فوق البحر وهي متجهة غربا.
ينسون أن هناك شيئا اسمه الجزائر وننسى نحن شيئا اسمه الشقيقة الكبرى. لا يذكرونا ولا نذكرهم، لا بالخير ولا بالشر.
(صحيح قد تعيد فرنسا احتلالنا أو ربما تستعمرنا جيبوتي بعد أن ترفع الشقيقة الكبرى سترها عنا، لكن وارداً جدا أن يكون ذلك أرحم من هذا الابتزاز ومحاولات الإذلال التي تلاحقنا).
هذه هي دعوتي للسلم والمصالحة. إنها الطريقة الأقرب لضمان السكينة بين البلدين، وما عداها من كلام عن مصالحة وجبر ما تكسر، يشبه كنس الغبار تحت السجاد.
سيكتشف كل طرف من الطرفين أن حياته بدون الآخر لن تتوقف، بل ربما ستكون أفضل وأهدأ -أستطيع أن أجزم بصحة هذا الكلام بالنسبة للجزائر على الأقل.
الزمن هو المداوي وعشرون سنة تكفي -نظريا- لبداية النسيان.
هي أيضا العمر الافتراضي لانقراض رؤوس الفتنة، فرسان التلفزيونات المصرية ومجاهدي الصحف الذين -بسبب عنف لم يره أحد في الخرطوم- أطلقوا العنان لألسنتهم وألسنة ضيوفهم تشتم الأحياء وتلعن تاريخهم وتتطاول على القبور وتصف أشرف من فيها بالكلاب واللقطاء.
عشرون سنة هي كذلك العمر المفترض لنهاية الصلاحية عند حماة حمى الشقيقة الكبرى من مثل مصطفى بكري وإخوانهما.
أعرف أنني “رحت بعيد”، كما يقال، وسأصدم كثيرين بهذا الكلام. لكن الحقيقة ضرورية بقدر ما هي مرّة ومؤلمة.
 دعوني أقول لكم بصوت مرتفع ما تفكرون فيه، أنتم في الشقيقة الكبرى وفي الجزائر، بصوت منخفض مدركا أن قائلا بينكم سيقول إن هذا الجنون يصب في خدمة إسرائيل وأعداء الأمة.
بإمكاني أن أجادل إلى الصباح، لكن أقول بسرعة إن هذه الأمة الكسيحة لا عدو لها إلا نفسها، وان ضرر بعض دولها بحق أخرى لا يقل أحيانا عما ترتكبه إسرائيل. وأسأل هل هددت أو أزعجت “محبتنا” لبعض في السابق إسرائيل؟
يمكن أن تقسوا عليّ، لكن هذا لن يغيّر من الواقع شيئا مثلما لا تُغطى الشمس بغربال.
أستطيع أن أبيعكم كلاما معسولا عن الأخوَّة والعروبة والمصير المشترك وإسرائيل العدوة وغيرها من الشعارات الجميلة التي نسي جمال عبد الناصر أن يصطحبها معه إلى قبره، لكن سأكون أكذب على نفسي وعليكم لأنه، باختصار شديد، ليس هذا هو واقع الحال، ولا هو ما أشعر به أو يشعر به من أعرف ولا أعرف من الجزائريين.
غير هذا، كله كلام تلفزيونات وشعارات أكل عليها الدهر وشرب.
الحمد لله أن الشقيقة الكبرى فازت في أنغولا، لأن الله، بهذه النتيجة، نجانا ونجاكم من مناحات وعويل لا قِبل لأحدكم به.
أكـــرر في الختام أن الكرة ليست هي السبب، كل ما فعلته هذه الجلدة الملعونة أنها أسقطت ورقة التوت.
 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home رؤى رؤى صلح الحديبية الجديد
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة