| الشاعرة رسمية محيبس ..الإعــــلام لا يخلق شـــــاعراً |
|
حوار: ســــلام خماط لا يختلف اثنان من محبي الشعر وخاصة قصيدة النثر عل ان الأديبة والشاعرة رسمية محيبس من الوجوة البارزة لقصيدة النثر في العراق، هذا الوجه الذي يكشف عن ثقافة عالية وعلاقة حميمة بالوطن والإنسان، ورسمية لا يجوز ان نصفها بغير المبدعة لأنها شاعرة مرة وناقدة مرة أخرى. والشعر عند رسمية تصوير وإيحاء وتكثيف، فتاتي الصورة على أفضل وجه لأنها تنقل لنا الواقع عبر هذه الصورة الجمالية، وهذا لا يعني أن القارئ لا يعرف الواقع أو لا يدركه لكنه (القارئ) يريد أن يسمو بمعرفته تلك إلى الإدراك الجمالي للأشياء. لقد أكد لي احد الأدباء ان قصيدة النثر أصعب من القصيدة الموزونة والسبب في ذلك حسب هذا الأديب أن ما ينقص القصيدة النثرية من موسيقى خارجية ينبغي أن يعوض عنه بعناصر أخرى مثل الإيقاع في المعنى والموسيقى الداخلية المتمثلة في تركيب الحروف داخل الكلمة، وهذا العمل يتطلب مهارة عالية من شاعر النثر؟ فالشعر ليس تبليغ المعنى والمضمون للقارئ فحسب بل تبليغ الشكل الذي حمل فيه المعنى لقد امتاز شعرها بالحداثة واتخذ طابع المعاصرة، لقد انطلق من جنس الشعر لهذا نراه قويا في مستواه الفني والإبداعي ومع هذا فإنها لم تنفصل عن الواقع ولم تصب بوهم الزمنية، فنصوصها فيها رؤيا يتشابك فيها الوجدان الفردي بالوجدان الجمعي حيث تنفتح على آفاق اجتماعية ووطنية وإنسانية لأنها نهلت من منابع مختلفة امتزج فيها الذاتي والإنساني، المأساوي والفوضوي، الوحدة والتشظي الشعري المتألق ,فأنتجت لنا الإبداع الخلاق. كان لنا هذا الحوار مع الأديبة والشاعرة المبدعة رسمية محيبس زاير: * ماذا أرادت الأديبة رسمية أن تقول للمتلقي في (فوضى المكان)؟ - كيف يمكن أن اختصر لك كل ما في المجموعة من الم وجراح وحلم ومطر وعطش ويتم وقتل وظلم إنها كل هذا وأكثر قد لا أكون أجدت التعبير عن ذلك بهذه الدرجة أو تلك لكنها إرهاصات انشغلت بها كثيرا وحوارا لي مع النفس ومع العالم أردت أن أقول فيه أن العالم بغير الشعر غابة مظلمة وموحشة والشاعر ان لم يعبر عما يحس به يقتله الصمت ويحس انه على هامش الحياة وهنا تحضرني قصيدة لهايني يقول فيها إذا كنت حزينا فاكتب وإذا كنت سعيدا فاكتب لا تدع قلبك يفيض عبثا ولا تنس انك شاعر فاكتب * يقول البعض أن الإعلام يستطيع أن يجعل من الشاعر اسما مقروء. - مع ان الشاعر لا يستطيع ان يستغني عن الإعلام أبدا لأنه الرئة التي يتنفس من خلالها وبدون الإعلام يكون الأديب منسيا تماما وفي عزلة تامة تقتل لديه أي شعور بالجمال لكن الإعلام وحده لا يخلق اسما قد يخلق الإعلام هالة من ضوء على اسم بعينه ويجعله يبرز في فترة قد تطول او تقصر وخاصة في هذا الظرف بالذات فقد دفع بأسماء معينة فالشاعر الذي تحتضنه هذه المؤسسة او تلك او من وجد نفسه في أحضان المؤسسة الثقافية ترعاه وتحتضنه فقد ينتفع ماديا ومعنويا لدرجة يصدق انه مهم وعظيم وان لا احد يمكن ان يصل لمكانته لكن لو حدث وتخلت عنه وزارة الثقافة ومؤسساتها. فستسقط عنه جميع الامتيازات وبالمناسبة ان المتواجدين اليوم على رأس الثقافة يحاول كل منهم الاستفادة قدر ما يستطيع طبع كتب ايفادات للخارج مؤتمرات عالمية صحف تحت تصرف هذا او ذاك ماذا يريد أكثر وفوق كل هذا حين تلتقي به تجد انه المتنبي وان الآخرين لا شيء ما عدا هذا ما يخلقه الإعلام يا صديقي لكنه لا يخلق شاعرا. * يشير بعض النقاد ممن اطلعوا على ديوانك الأخير (فوضى المكان)ان هنالك بعض القصائد تؤشر على نوع من الانزياح عن تجربتك السابقة؟ - فيما يخص الانزياح أنا أعيش حالة قلق مستمرة بشان القصيدة وأحاول على الدوام ان أجد الثيمة التي يمكنني من خلالها اكتشاف طريقتي في الكتابة لا اخفي عليك شغفي بقصيدة التفعيلة ما زال سحرها يراودني وانصاع لها من حين لآخر لكن قصيدة النثر هي الأقرب فقد وجدت فيها عالما خاصا وكشفا جديدا إنها نوع من النثر الفني المركز وهي طريقة محببة لي في الكتابة وبالرغم ما تعرضت وتتعرض له قصيدة النثر في شتى المراحل فهي مستقبل القصيدة العربية الى جانب الأشكال الأخرى التي لا يمكن لأحد الاستغناء عنها وخاصة قصيدة العمود والتفعيلة. ان محاولة الكتابة بهذا الشكل وتجريب طرق جديدة تنعش ذاكرة الكاتب والمتلقي ولا تجعله يقف في محطة واحدة وهنا يحضرني قول الماغوط ، ما اكتبه في التاسعة، اشمئز منه في العاشرة، ومن أصافحه في الصباح، أود قتله في المساء. * هل ان المثقف العراقي ما زال مقيدا بثقافة الاستعراض اللغوي، وهل إن الماضي يلعب دورا في إضاءة مستقبل القصيدة النثرية؟ لا نستطيع ان نحكم على المثقف العراقي بتبعيته لثقافة الاستعراض فقد كان هذا النوع من الأدب سائدا أيام العباسيين والأمويين أيضا حيث كان القصد منه التقرب الى السلاطين واسترضاءهم ونيل عطاياهم وقد مرت ثقافتنا بفترات من التطور والاحتكاك بالتجربة الإنسانية الأدبية على مر العصور إضافة الى الدراسة الأكاديمية لأساليب الكتابة والارتقاء بها الى مراقي الأدب العالمي وقصيدة النثر لم تكن وليدة ظروف آنية مفاجئة وهي عربية الجذور ومن الخطأ الحكم عليها بالتأثر بالأدب الغربي والتجارب أكثر من ان تحصى بتطور قصيدة النثر واتساع دائرة هذا النوع من القصيدة الفنية المركزة ذات الكثافة العالية ولا تخلو أية تجربة حتى في الأدب العالمي من وجود ثغرات هنا أو هناك لكن المستقبل يؤشر على اتساع مساحة قصيدة النثر ليس على حساب الأشكال الأخرى أو انقراضها ولكنها أكثر الأشكال الشعرية بروزا في جميع ما يثار حولها من لغط، في ما يخص الشاعرات العراقيات والعربيات يكتب اغلبهن قصيدة النثر لكن ليس بدرجات متفاوتة من الجودة أو عدمها لا نستطيع أن نحكم على جميع التجارب السنوية إذا صح التعبير بالفشل والتخبط فهذا ما يعاني منه الجميع لكن المرأة أكثر تعرضا لمثل هذه الأحكام لقلة التجارب النسائية ربما ولكن هذا لا يعني ان الساحة تخلو من وجود شاعرات متميزات في هذا المجال، لقد امتص المنفى اغلب الأقلام النسائية وبرز جيل جديد من الشاعرات لا نستطيع تشخيص معالم واضحة بعد لكن المستقبل كفيل بتطور هذا التجارب مع كل ما تلاقيه الكاتبة من ضغوط نفسية واجتماعية قاهرة. * ماذا تعني لك هذه الأسماء: محمد الماغوط، ادونيس، كزار حنتوش؟ - الماغوط أذهلتني قصائده وجعلتني اضحك وابكي في اّّن واحد كمن به مس من الجنون اجل انه يقول كل شيء ببساطة شديدة وكان محمد الماغوط ضروريا لنا في تلك الفترة التي ظهر بها وأذهلنا فكنا نردد هذا هو الشعر وهذا هو التمرد الذي يطمح اليه الكاتب فقد قال الماغوط ما عجزنا نحن ان نقوله. كزار حنتوش لا ادري أيهما أكثر تأثيرا الشاعر ام الإنسان فهو شاعر لا يتكرر أبدا على هذه الأرض، ولا اقصد انه أحسن الشعراء ولكن حتى حين يصمت ويلعن الشعر فهو شاعر في كل تصرفاته لقد خلقه الله تعالى هكذا بياض وصدق وعفوية وبراءة هو كل هذا وأكثر انه روح حرة لمس الجميع مدى نبلها لا اغلي إذا قلت ان كل ذرة في كزار جديرة بان تقدس. مهما اختلف الآخرون على ادونيس ومهما أثير من جدل بشأنه فهو ادونيس العربي وهو ركن هام وكبير من أركان الحداثة في الشعر العالمي فالجميع يقرا ادونيس والجميع يلعن ادونيس ولكن لا احد يستطيع ان يهدم هذا البناء المتماسك الذي شيده الشاعر. |