| الطرقات الأدبيـة والإشــــارات الحمــــراء |
|
|
|
|
باسم سليمان عند الوقوف على حجم كمية القراءة التي يخصصها العربي لنفسه، لم تعد تدهشنا ضآلة حجم ما يقرؤه، بل نوعية ما يقرأوإلى أي زمن تعود الكتب التي يقرأها؟! قديما قال الناقد العربي : اللفظ للقديم والمعنى للمحدَث، وقال: اغترب تتجدد. وعند النظر لواقع القراءة في قرننا الحالي والسابق، نجد أن الذائقة مازالت عند الكلاسيكية الجديدة، فإن شدّت من خطاها، تراها تتوقف عند خمسينات القرن الماضي، ونتيجة لذلك لا تستسيغ كل ما أنتجه الأدب بعد ذلك، وخاصة على صعيد الشعر، وعلى بقية الأجناس الأدبية بشكل عام، لذا فإنها - أي الذائقة - تطالب بعودة الأدب إلى تلك الأزمنة، وقد نقول: هذا شأن القارئ ؟! لكن واقع الحال، يُري أن قسماً لا بأس به من الأدباء، مازال ينظر لتلك المرحلة، ويعتبرها قمة لن تُطال ثانية، مادام الأدب الجديد يمعن في اغترابه كما يقولون!! ومن ثم يسفهون ما وصلت إليه تطور الحركة الأدبية في بحثها عن المحدث والمتجدد ويعتبرونه ارتهاناً للغرب؟!.
الأدب ابن اللحظة! وإن لم يكن كذلك، فهو ليس أدباً، وهذا الأدب يحتاج لأسرة القراءة كي ينمو بين أحضانها، وإن لم تتوفر له، فسيكون أشبه بالغريب الذي تتقاذفه شوارع الحياة بين أرصفتها، يمسح حذاء، أو يبيع علكة، أو ينظف بلور سيارة عند إشارة مرور حمراء! وللمفارقة فإن هذه الإشارة تعطلت، وبقيت على الضوء الأحمر، فلا مؤسسة الطرقات الأدبية تبعث بورشة صيانة تصلحها، لتتناوب الألوان فيها، ولا تحاول أن تنجز تحويلة تطلق حركة السير الأدبي من جديد! ولا مناهج تعمل على تغيير الذائقة لدى جيل القراءة المنتظر. ولزيادة بلة الطين، ترافق حدوث هذا التوقف عند اخترع التلفزيون، وكل أنواع الميديا الأخرى المرتهنة لسلطة المال وسياسة التابوهات، بحيث تعمل، من حيث تدري ولا تدري، على توطين تلك الذائقة البائسة في حاضرنا المعاصر، وبمثل بسيط نستطيع أن نتحقق أن ما تم نشره في تلك الأزمنة لم يعد مسموحاً بنشره حاليا رغم طفولة ومراهقة الذائقة الأدبية حينذاك وقلتها لجهة انتشار الأمية الرهيب وقتها، ومن المفترض أن يؤدي مرور تلك السنوات بتلك الذائقة إلى بلوغ سن الرشد، ونضوجها وانفتاحها، وخصوصا مع نمو حركة التعليم بوتيرة لا بأس بها؛ نراها اليوم أشد نكوصاً، بل و تحمل أصنام التابوهات، وتشهرها بوجه الأديب المجدد قبل السلطات، وذلك بمقاطعة نتاجه، وأكثر من ذلك، مطالبتها بالاقتصاص منه كونه خلخل السكون في مستنقع جهلها، فياليتها بقيت على ما كانت عليه. لذلك..و قبل أن نسأل عن حجم القراءة العربية، علينا أن نحدد وضع تلك الذائقة بشكل علمي مدروس، لأنها المسؤولة عن تدهور حجم القراءة العربية، والعمل على تطويرها منذ سنواتها الأولى، ورفدها بالجديد حتى تستسيغه، وتطالب به وتقبله رغم حدته وجرأته وكشفه للمستور المتعفن بمجتمعاتنا، ووضع من بيده الأمر على أنشطة كهذه، ممن أثبت قدرته وانفتاحه وتقبله لنتاجات الأدب الجديدة، وإلا فليس بمستغرب أن نرى انحدار مستوى القراءة، وقد وصل حدوداً غير معقولة . الأديب بحكم اختصاصه وانفتاحه، وهذا ما نتمناه، يطلع ويتابع الجديد في الأدب، فيهضم هذا الجديد، ومن ثم يعود وينتج جديداً أكثر جِدة؛ لكن القارئ المكتفي بذائقته تلك، سينقطع معرفيا عن نتاج هذا الأدب، وتزداد الهوة التي سيصعب ردمها يوما بعد يوم ما يؤدي إلى نشوء دائرة أدبية مغلقة حيث الأدب الجديد يستهلكه الأديب وحده فقط، وهذا في أحسن الأحوال، ويظل القارئ في حصنه رافضاً له، يجتر نتاجاً سابقاً مراوحاً في مكانه، يتأمل دوران الشمس حول الكرة الأرضية. |