مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم PDF طباعة أرسل لصديقك

 احمد عبد النبي

تمر الساعات والأيام والسنون مثل السحاب حتى يجد الإنسان نفسه في فزع مما فات وفزع على ما يأتي. فهذا الكون وعلائقه وذخيرته وكل ما فيه بلا امن ولا أمان إلا عصمة من روح تهفو إلى تحقق كامل وناجز ولن يكون ذلك ممكنا إلا بعرى الإيمان بان يعرف المرء الله داخل نفسه حتى يشبع من هذه المعرفة التي تتحول محبة تفيض جوانبها إشراقا وقوة.

والاستمساك بهذه العروة الوثقى لا تجعل من وطأة السنين قاصمة للظهر ولا القادم منها مصدر خوف وقلق. تتحول الساعات والأيام بمستمسك هذه العروة إلى مواد متآخية مع العقل والقلب والضمير. فلا تبدو ساعات النهار مشحونة بالتوتر العصبي والقلق الدائم. ولا تتحول ساعات الليل إلى تقلب في المضاجع بل هدوء وسكينة واستقرار. 
من هؤلاء الذين "تتجافى جنوبهم عن المضاجع"؟ أنهم الذين يدعون الله خوفا وطمعا. هؤلاء من استطاعت التربية الأسرية والقيم الاجتماعية وحظوظهم إيصالهم إلى كنز "لا حول ولا قوة إلا بالله تعالى العلي العظيم". فهذا العرش قائم بقضائه وقدره ومحياه ومماته وشقائه وسعادته في مختبره العظيم المتكون من لا حول ولا قوة إلا بالله تعالى العلي العظيم. 
الإنسان الكادح إلى ربه 
إذا تتبعنا كل الأدب العالمي ومظاهر الثقافة والفكر والفلسفة فإنها بحث عن لا حول ولا قوة إلا بالله تعالى العلي العظيم. ويخطئ من يظن ان المعارف العلمية الصرفة خارج هذا الحول والقوة. فالأرقام التي تقدمها علوم الفضاء والمجرات والأكوان تجعل من المستحيل الخروج عن الحول والقوة الإلهيين. أما هذا الإنسان "الكادح إلى ربه كدحا فملاقيه "فان آلته الموجهة" العقل "قد ترى طولا وحولا خارج هذا الحول والقوة. أنها الغشاوة المسببة لأكثر الأمراض فتكا منذ فعلة قابيل الدنيئة. كانت مشاعر هابيل شديدة الالتصاق بالحول والقوة الإلهيين فعبر بنفس مطمئنة عن شرور قابيل بقتله "لئن بسطت يدك إلى لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين". 
النقاط العميقة 
تشكل مرحلة الذوبان في لا حول ولا قوة إلا بالله نضجا روحيا لا يرتبط بالضرورة بالمعارف الفسلفية والكلامية والعلم. يمكن لكل هذه العلوم ان تساعد على بلوغ هذه المرحلة أو لا تساعد. لكن الأصل في ذلك هو اليقين الاجتماعي الذي يعلم الأفراد معنى الحول والقوة الإلهيين. فبالتعليم تتحول هذه النقطة المركوزة في الإنسان إلى واقع يحياه ويسعد به ويمثل حيوية لشخصه وقابلية لحراكه وسعادته. 
أريد ان اشدد هنا على لغة الخطاب المستعملة في الإرشاد والدعوة. طالما يكون الخطاب موجها إلى فطرة الإنسان دون تعقيدات وإيغال في التخويف من الهول وضغطة القبر فانه يفلح في اكتشاف عظمة مناطق لا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا الأمر يكتشفه الداخلون إلى الإسلام أكثر من أغلبية المسلمين الذين تعودوا الأساليب الخشنة والغليظة في التربية الأسرية والدعوة المنبرية وحتى الكتابية. لقد برز في الآونة الأخيرة مصطلح "الإسلام الصحراوي" الذي يصف الخطاب التهييجي والتخويفي أكثر من خطاب الاكتشاف بلذة التحقق والسعادة التي تجلبها مناطق اليقين التي ركز عليها الإسلام أكثر من أي شيء آخر. يقول الإمام علي عليه السلام في وصيته لابنه الحسن عليه السلام: "احي قلبك بالوعظة وموته بالزهد وقوة اليقين وذلله بالفناء ويصره فجائع الدنيا وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الليالي والأيام واعرض عليه أخبار الماضين وذكره بما أصاب من كان قبله وسر في بلادهم وآثارهم وانظر ما فعلوا وأين حلوا وعما انتقلوا فانك تجدهم انتقلوا عن الأحبة وحلوا دار الغربة وناد في ديارهم: أيتها الدار الخالية أين اهلك ثم قف على قبورهم فقل أيتها الأجساد البالية والأعضاء المتفرقة كيف وجدتم الدار التي انتم بها.. أي بني وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم". واعتقد ان في كلام أمير المؤمن في هذا الموضع وغيره تمام الأشياء وكمالها. وهي ورطة مثلما هي سعادة ان يستشهد الإنسان بكلام لأمير المؤمنين إذ لا يبقى له بعد ذلك شيء يقوله أو يثبته أو وضحه. لكن الأمير عليه السلام يركز على جانبي حصن لا حول ولا قوة إلا بالله هما القيم الجماعية واخذ الفرد لنفسه بالوعي والاطمئنان إلى سلامة الطريق "دع القول فيما لا تعرف والخطاب فيما لا تكلف وامسك عن طريق إذا خفت ضلاله فان الكف عن حيرة الضلالة خير من ركوب الأهوال ولا تأخذك في الله لومة لائم وخض الغمرات إلى الحق حيث كان وتفقه في الدين وعود نفسك التصبر وألجئ نفسك في الأمور كلها إلى إلهك فانك تلجؤها إلى كهف حريز ومانع عزيز واعلم انه لا خير في علم لا ينفع ولا ينتفع بعلم حين لا يقال به". 
ترقى وصية أمير المؤمنين لابنه الحسن عليهما السلام ان تكون خارطة طريق إلى دخول حصن الحول والقوة الإلهيين. 
تكاثر الخبث 
ما يمنع الإنسان اكتشاف حصن لا حول ولا قوة إلا بالله كثرة الخطايا أولا والاستخفاف بها ثانيا. وكما قلنا فان هذه مسالة ليست فردية ولا تتعلق باختيارات الفرد وحده بل تزحف عليها وتحدد ملامحها نظرة المجتمع ومنظومة القيم التربوية الحاكمة فيه. وللأسف البالغ فان منظومة القيم التربوية الإسلامية أصابها العطب والترهل فلم تعد تدفع أبناء الإسلام إلى هذه الحصون المنيعة التي جعلت من عصبة صغيرة على ثرى كربلاء تخلد بالذهب وتفتدى بالأموال والأرواح فقط لأنها دخلت حصن الحسين احد حصون لا حول ولا قوة إلا بالله تعالى العلي العظيم. 
اللهم يا من لا حول ولا قوة إلا بك نسألك بلا حول ولا قوة إلا بك ان تجعلنا من أهل لا حول ولا قوة إلا بك فانه لا حول ولا قوة إلا بك.

 

التوقيت


انت الان هنا  : Home محطات لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة