| طرائف موت الأدباء والعظماء |
|
|
|
|
اعداد: زهراء حميد رغم ان الموت قانون يسري على الأحياء جميعا وهو إحدى سنن الله في خلقه فان للموت أحيانا إشكالا وظروفا ليست طبيعية. والموت الطبيعي المقصود هنا هو ان يشيخ الإنسان ثم يسلم الروح بعد ذلك بحسب المشيئة الإلهية. وقد قسمت الأمثال الشعبية الموت إلى "محتوم ومخروم". والموت المخروم الذي يأتي نتيجة أسباب قاهرة أو مفاجئة أو مخالفة للمألوف العام في هذه القضية الشائكة. لعل القصة المشهورة عن الجاحظ وكيف سقطت عليه الكتب فمات إحدى الصور التي تحيل الإنسان إلى التساكن والتساهل مع فكرة الموت. فهذا الأديب الشقي أي الجاحظ قضى عمره متنقلا فقيرا رغم براعته وقوة ريشته حتى اعتبر من كبار أدباء العربية. ونظرا لحاجته الفائقة إلى المال وشحة ما يجري عليه من رزق كان "يكتري" دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر. والوراقون هم أصحاب المكتبات. فكان الجاحظ يبيت ليلته في المكتبة وهي مغلقة في الليل ويعطي صاحبها أجرا على مبيته كي يتمكن من قراءة الكتب التي لا يستطيع شراءها. أما القصة المشهورة الثانية في التراث العربي فتتعلق بموت أديب العربية الثاني الكبير أبي حيان التوحيدي. فأبو حيان التوحيدي يعتبر في التراث العربي أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء. ولم يكن يشق له غبار في آداب العربية وعلوم الكلام والمنطق وعلوم النفس. ومع ذلك أحس التوحيدي بصعوبة العيش والحياة وعاش فقيرا لا يستطيع ان يؤمن إلا بصعوبة بالغة رزق عائلته. فاضطر أخريات أيام حياته ان يجمع كتبه في ميدان عامة ويحرقها. ثم تذهب الروايات مذاهب تقول إحداها انه غادر الحياة منتحرا. وتذهب الأخرى إلى مرابطته في أحد الثغور الإسلامية. واعتقد ان رواية الانتحار هي الأقرب إلى الظروف النفسية التي مر بها التوحيدي. فحتى كتاباته الأخيرة لم تكن لتؤيد فكرة التحاقه بأحد الثغور. علاوة على كبر سنه وضعف حالته الصحية. وتحفل كتب الأدب العربي بصور أخرى عديدة بعضها طريق وبعضها مأساوي لوفاة الأدباء والمفكرين بعضا من هذه الحكايات صحيح والكثير منها مبالغ فيه. في التراث الغربي على العكس من الذاكرة العربية التي تبالغ في بعض الجوانب وتسكت إزاء جوانب أخرى فقد اهتمت الذاكرة الغربية بطرق وفاة وموت أعلامها في الأدب والعلم. وقد أضفت عليها صفة الدعابة أو السخرية كي تتعايش مع فكرة الموت وتجعلها أسهل قبولا على النفس. وتروي كتب الأدب الغربي قصصا مختلفة عن حوادث الموت والوفاة أشهرها للفيلسوف الأشهر أرسطو "384-322 ق. م". حاول أرسطو ان يجد تفسيرا لسبب تغير التيارات البحرية إحدى وعشرين مرة في اليوم الواحد فألقى نفسه في البحر كي يجد السبب ومات اثر ذلك. ولا تؤيد اغلب المصادر التاريخية الموثقة هذه الميتة "الشعبية" لأرسطو. لكن الروايات تقترب من شاعر أثينا أنا كريون "القرن السادس قبل الميلاد" فقد كان هذا الشاعر يعتبر أكل العنب ضمن ممارساته " المقدسة ". وقد حشرت إحدى حبات العنب في حلقه فمات. أما القصة الأكثر فكاهة فتتناول الشاعر ترباندر الذي كان يتمازح مع احد أصدقائه الذي رماه بحبة من التين فاستقرت في فم الشاعر ومات. أما الأديب اسخيلوس الجالس أمام بيته يتأمل مناظر الغروب فقد اسقط نسر كان يحمل سلحفاة بين مخالبه والتي سقطت على رأس اسخيلوس فمات في الحال. أما الكوميدي والمفكر الروماني الساخر الذي حظي بشعبية واسعة من أهل روما برجرينوس فقد كان مولعا بمنظر النيران وكان يشعل حطبا أو أية مادة أخرى ويدور حولها بإعجاب وفرح. وفي إحدى المرات ألقى نفسه في النيران ولم يخرج منها. أما زميله الشاعر هلفينوس فقد اعتقد الناس انه احد أفراد عصابة مجرمة عاثت فسادا في المدينة فقتلوه جماعيا. والفيلسوف زينون بعد ان بلغ من العمر عتيا "90 سنة" فقد قطع في موجة جنون احد أصابعه وراح يجوب شوارع المدينة داقا الأرض بيديه وقدميه مرددا بطريقة هستيرية قول احد الشعراء: لقد جئت إلى هنا فلماذا أتيت بي يا ربي؟ واخذ يكررها حتى استنزفته الدماء فمات. أما أشهر المسرحيين الإغريق يوربيدوس فقد هاجمته حسب الروايات مجموعة من الكلاب الجائعة ظهيرة يوم قائظ ولم تترك منه سوى العظام. أما الفيلسوف ديوجانس فقد كتب في وصيته ان يدفن على رأسه فقد كان يؤمن ان هذا العالم لابد ان ينقلب فإذا انقلب سوف يقف مرة أخرى على رجليه. ولا تستثني روايات الموت الطريف الملوك من الذين ادركتهم حرفة الأدب. فقد ذكرت هذه الروايات ان الملك الأديب مثيريادس "123-63 ق. م" كان مسكونا بهاجس الخوف من الموت سما وكان يطلب من خادمه ان يضع له قليلا من السم في طعامه اليومي وبعد ان اعتاد جسمه على ذلك قرر في احد الأيام الانتحار واخذ كمية كبيرة من السم فلم تسعفه بحكم تعود جسمه عليه فطلب من احد أفراد حمايته ان يدق رأسه بحجر وقد فعل هذا الأخير ناقلا صاحبه بضربة واحدة إلى الحياة الآخرة. وكان الفنان الشهير " كالخاس " قد سمع احد العرافين يحدد يوم وفاته. وبعد ان مر هذا اليوم اخذ كالخاس يضحك طويلا على نبوءات هذا العراف حتى مات من الضحك. أما فيلسوف التغيير هيرقليطس فقد غطى جسمه جميعا دون مبرر بروث البقر حتى مات اثر ذلك. وفي أقسى حدود روايات الموت "المفجع" الذي خطته الذاكرة الغربية فقد أمر الطاغية نيرون أدباء روما الكبار "سنيكا ولوكان وبتروينويس" بان يمزق كل منهم عروق يديه وفعلوا ذلك أمامه وقد جلس وسطهم ينتظر نهايتهم بعد النزف من هذه العروق. وعبورا إلى الصين فقد ركب احد اكبر الشعراء الصينيين الرومانسيين لي بو "762-700 ق. م" زورقه الأثير في إحدى الليالي المقمرة. وبعد ان عب من الخمور وغنى لنفسه وكتب شعرا رومانسيا أراد ان يعانق القمر ويقبل صورته في الماء فانقلب زورقه وغرق ومات. أما فيلسوف العقلانية الانكليزية الأشهر فرانسيس بيكون "1561-1626م" فاراد ان يعرف الوقت الذي يستغرقه جسم الأحياء بلا عفونة بعد الموت فكان يحشو الحيوانات الميتة بالجليد كي يعرف هذا الوقت حتى مات من شدة البرد. أما موليير مؤلف المسرحيات الايطالي الشهير "1725-1783م" فقد كان مغرما بأداء الأدوار التي يكتبها هو على المسرح. وفي احد أدواره التمثيلية كان يتقمص دور المريض أمام الجمهور في مسرحيته الشهيرة "المريض بالوهم" حتى لازمته نوبة من السعال والنزف أثناء أداء الدور مما اضطر أصحاب المسرح ان يسدلوا الستار كي يقع مؤلف المسرحية وممثلها ميتا. وتتعدد القصص والحكايات بين العامة والخاصة على السواء محاولة قهر فكرة الموت التي لابد منها. وفي حلقة أخرى ان شاء الله تعالى سوف نورد الحكايات حول موت طائفة أخرى من الناس الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الدين والمجتمع والوطن فاحتارت فيهم الروايات الخائفة أصلا من فكرة الموت خاصة في كيفية تأويل هذا الموت الواضح لدى أصحابه والملغز على الخائفين من الموت.
|