مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

التوكل غير التواكل PDF طباعة أرسل لصديقك

علي الحمامي

وردت لفظة التوكل بصيغ مختلفة في القرآن الكريم اربع وعشرين مرة. وفي كل مواردها لم تدل على معنى التواكل. والفرق واضح لكل من يعرف العربية بين التوكل والتواكل. والحقيقة فان حياتنا المعاصرة تعج بالوان من الناس بما فيهم بعض الدعاة الذين وان كانوا يستنكرون التواكل الا انهم يمارسونه في واقع الحياة.
في مسيرة التاريخ والحضارة العربية الاسلامية يترادف لفظ التواكل مع التنابلة وتزخر كتب العربية بما فيها كتب التفسير بحكايات هؤلاء الذين يزدرون العمل سواء كانوا ممن يدعون التصوف والرهبنة "ولا رهبانية في الاسلام" او من اتخذ التسول حرفة له. على ان اخطر من هؤلاء جميعا الذين يتعيشون بالدين وهم يقدمون الصورة الاكثر اغراءا للناس بامكانية التنبلة والتواكل.

يعني التوكل ان يسلم الانسان اعماق جوارحه لله سبحانه ويسلك سبيل الجد والاجتهاد في حياته. ففي قوله تعالى "هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور". وواضح من ظاهر الآية الشريفة ان ذلول الارض يعني تسخير الله تعالى لها لمصلحة الانسان في العمل والسعي والرزق.
جيئ برجل الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا للنبي (ص): ان هذا الرجل يصوم النهار ويقوم الليل فسالهم الرسول ايكم يكفيه طعامه وشرابه، فقالوا: كلنا، قال: كلكم افضل منه.
من يقلب كتب الحديث والتاريخ يقف على الكثير من الروايات التي منع النبي محمد (ص) واهل بيته (ع) من سلوك الرهبنة او من اتخاذ العلوم الدينية حرفة يعتاش منها الانسان. من المظاهر التي اودت بالديانة المسيحية معلية الرهبنة وتكاثف طبقة رجال الدين التي اصبحت الواسطة بين الانسان وربه. لقد هيمنت هذه الطبقة من رجال الدين على النصوص المقدسة التي انزلها الله سبحانه على المسيح عليه السلام. ومن الطبيعي عندما يكثر اصحاب هذه الطبقة تتحول الى مؤسسة فتكون رغبة هذه المؤسسة في السلطة خارج السياقات التي ارادها الله تعالى وتسلك في سبيل الحصول عليها نفس السبل التي يسلكها الامبراطور او القيصر او الشاه او الزعيم السياسي الديكتاتوري. ومكمن الخطورة في هذا الامر ان يربط الانسان وعموم المجتمع بين سلوك هذه المؤسسة والطبقة وبين الدين نفسه. وعندما اقصت الحركة الاصلاحية الاوروبية تدريجيا الدين عن الحياة فان مما سهل لها ذلك طبيعة هذه المؤسسة واحتكارها العلاقة مع الله تعالى وطريقة نظرتها الى العلوم والفنون والاداب.
والامر الجدير بالتنبه اليه ان الاسلام لا طبقة لرجال الدين فيه. فمن الناحية النظرية والتشريعية وكذلك نصوص الكتاب والسنة وسيرة الائمة المعصومين لا دليل اطلاقا على وجود طبقة لرجال الدين على شاكلة المسيحية. والاصل في الاسلام وجود علماء بمقتضى قوله تعالى "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون". فوظيفة الدعاة هنا الارشاد والتحذير كما هو واضح في النص المقدس.
مشكلات معاصرة
بعد الافلاس الذي اصاب الاتجاهات اليسارية والقومية معا برزت في كل العالم الاسلامي تقريبا "والعربي منه على الاخص" حركات اسلامية يسعى الكثير منها الى السلطة حسب تفسيره للشرع ولحركة الترايخ الاسلامي. فيما اكتفى القسم الاخر بالدعوة والتبشير والارشاد وطور القسم الثالث نظرية سياسية ما زالت في طور النشوء تتعلق باصول اللعبة الديموقراطية بان يقبل الاسلاميون بتداول السلطة تبعا للاليات الديموقراطية التقليدية. وعلى وجه الاجمال اصبح الاسلام عنوانا للحركة الثقافية والاجتماعية وبالنتيجة السياسية بعد فاول فكرة القومية العربية اثر هزيمة حزيران وكذلك سقوط الاغراء والجاذبية الشيوعية منذ فترة مبكرة سبقت سقوط التجربة السياسية في الاتحاد السوفيتي واوربا الشرقية.
وعلى الفور برز الى ساحة العمل والدعوة الاسلامية رجال نوعيون على قدرة كبيرة وطاقة موفورة تستطيع المزاوجة بين قيم المعاصرة واصول الاسلام. وشهدت المجتمعات الاسلامية تنازعا من نوع جديد يذكرنا بالاحداث التي جرت في العصر العباسي وقد اخذت اسم محنة خلق القران او مشكلة الجبر والتفويض. ان هذه المشكلة ظاهرها فلسفي او كلامي وباطنها اجتماعي.
تركزت جهود الاسلاميين على منطق الاحياء اكثر من منطق ابداع النظرية الاجتماعية والسياسية. وبالنتيجة خرجت الى ساحة الفعل الديني بمؤازرة الفضائيات مردا على افعال الخلاعة والمجون طبقة من الدعاة لا يمكن تصنيفها بسهولة. فالكثير من هؤلاء لا يستطيع الفصل بين التوكل والتواكل. كما انبعثت الطرق الصوفية التي تدين بالولاء لاصحاب الطريقة اكثر من النبي فضلا عن رب النبي. وصحيح ان افرادها في فطرتهم العميقة قد يخلصون النية لله سبحانه لكن اصول هذه الطرق وممارساتها تتجه نحو محض الولاء واسباغه على شيخ الطريقة. وقد عاش العراقيون وضعا غريبا في الكثير من الطرق الصوفية التي مجدت المجرم المقبور صدام ومنحته ارفع الالقاب الدينية على وقع دفوفها ومريديها. وفي تكايا هذه الطرق يجلس الكثير من المتواكلين الذين يبحثون عن ملاذ روحي بفعل موجة التهتك التي اشاعها الانفتاح على الحضارة الغربية تزامنا مع قوة الصوت الاسلامي في الحياة. وقد عشت اشهرا بين هؤلاء الناس ارقب حركاتهم فاجد الغالبية العظمى منهم باحثين عن اليقين وقد اخطاوا الطريق.
لم يقتصر الامر على هذا الضرب من التدين المتواكل فبرزت بين صفوف طلبة العلوم الدينية شدة التمسك بالمظاهر واللغة المقعرة والافتاء بجهل مترافقا مع ضعف قدرتهم على التمكن من اللغة العربية ومن قراءتهم للقران.
يعتمد هؤلاء في عملهم على كسب عواطف الناس ولهذه الغاية يسلكون سبلا ليس اقلها اعتماد الروايات الضعيفة والركون الى الاسرائيليات وخلق المنطق الغرائبي لكسب الناس. والكثير من هؤلاء يبتغي كسب الاموال بطريقة لا تليق بالاصول الرفيعة للدعوة الاسلامية. وبانشغال الدعاة الحقيين بامور السياسة وفي كل اقطار العالم الاسلامي تقريبا استطاعت هذه الفئة من الدعاة السيطرة على الشارع وتوجيه الناس بطريقة ضارة ومؤذية. لقد تفرق المسلمون على ايدي هؤلاء الدعاة البسطاء شيعا واحزابا وطرائق قددا. ويخال المرء ان طريق هؤلاء الدعاة البسطاء ياخذ بعدا انشطاريا يشطر معه المجتمع الذي خرج لتوه من اثار الالحاد الشيوعي والكفر القومي.
الخوف كل الخوف ان يعتقد الدعاة المخلصون والنابهون ما اعتقده قبلهم واخطا به من الشيوعيين والقوميين عندام فكروا خطا بان الوصول الى السلطة كفيل بتغيير الشعب وتثقيفه وتعليمه. وعندما وصولوا الى السلطة فمنهم من اغرته مكاسبها ومغانمها فولغ فيها حتى الثمالة ومنهم من وجد نفسه بلا حول ولا قوة اذ ان الشعب في واد والسلطة في واد اخر. فالثقافة الشعبية العربية واغلب الاسلامية ليست ثقافة دولة ولا مؤسسات. وما ينطبق عليها تحديدا اكثر من اي شيء اخر هو ثقافة التواكل والتبسيط والسذاجة التي تهبط بعد ذلك الى ثقافة التشظي والتفرقة والعنف المجاني.
ومن مفاخر سيدنا الشهيد محمد باقر الصدر انه كان واعيا ومحترزا بدقة لهذا المازق فبعدما اكتشف الشهيد مبكرا الافول الحتمي  للحركات الشيوعية والقومية اعتمد برنامجا ثقافيا كي يكون البديل الاسلامي قادرا على صناعة واحكام دولة الحرية والرفاة والعدل. فخرج الشهيد من خانق المذهبية والطائفية الى رحاب الاصول الكبرى للاسلام التي تعلي من قيمة التوحيد وتستنطق نصوص القران الكريم لخلق مجتمع الانتاج والرزق الحلال والاكتفاء الذاتي.
اعتقد ان المكاشفة بين الدعاة المخلصين ضرورية من اجل تدارس الحال المفجع الذي وصلت اليه احوال صغار الدعاة الجدد وعبث اغلبهم بالبناء الذي شاده رجال صدقوا ما عاهدوا الله تعالى عليه. ولن ينفع الترقيع السياسي للفتق الثقافي كما حصل مع الاتجاهات الايديولوجية التي استاثرت بالشارع العراقي فترة طويلة من الزمن.

 

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home محطات التوكل غير التواكل
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة