|
طالب البديري الحياة ليست مؤامرة. لكن المؤامرة موجودة في الحياة. ان العقل البشري عجيب وغريب في تفسيره للاحداث. فبعض الناس يعتبر ان كل شيء يحدث في السياسة خاصة اذا تعلق الامر بالحروب او جرائم الاغتيال يمكن تفسيره بوجود نظرية ثابتة بوجود مؤامرة غامضة قد تحوكها الماسونية او اليهودية او قوى اخرى حسب هذا التفكير المتطرف. ان هذا ليس صحيحا حتى مع وجود تدخلات للصهيونية العالمية وللوكالة اليهودية قديما في احداث عالمية وقعت سابقا مثل سقوط الدولة العثمانية او عمليات التفجير التي حدثت في بغداد وتم على اثرها هجرة اليهود الى اسرائيل او اغتيال العلماء المبرزين من العرب والمسلمين خاصة في مجالات الطاقة النووية والفيزياء والليزر من قبل جهات صهيونية.
ومن الصعوبة ان تمر جرائم قتل سياسية على شاشة التاريخ الانساني ولا يتم الكشف عن الجناة او القتلة. ففي هذه الحال يبقى الضمير الانساني معذبا حتى لو كان المجني عليه شخصا عاديا غير ذي قيمة كبيرة للاخرين. على ان شخصيات مهمة اخرى تم اغتيالها وهي تملك حضورا ثقافيا او انسانيا مهما وقد اتخذت مواقف تخالف توجهات المؤسسة او الدولة التي تعمل فيها. والدليل على ذلك ان تصفية وقتل جون كينيدي ما يزال يمثل لغزا من الالغاز وهو الرئيس الاميركي الذي حاول ان يعقد صلحا مع كوبا ويستوعب نظامها الشيوعي الساذج بدل ان ترتمي في احضان الاتحاد السوفيتي. يقال والعهدة على رواة الاسرار من الصحفيين ان شركات صناعة الاسلحة وتجار المخدرات هم المسؤولين عن قتل وتصفية الرئيس جون كينيدي بسبب اجراءاته الرئاسية التي تحد من نشاطاتهم. 1. من قتل زهرة الباكستان؟ تمثل السيدة بنازير بوتو شخصية مؤثرة لدى الشعب الباكستاني كما ان لها حضورا ثقافيا وسياسيا واجتماعيا واسعا في العالم. والسيدة "بي نظير" التي تعني المراة التي لا نظير لها هي ابنة الزعيم الاشهر بعد محمد علي جناح وهو ذو الفقار علي بوتو. تتميز عائلة بوتو بعدة ميزات تجعلها قريبة الى نفوس الناس ومشاعرهم فضلا عن مهارة القيادة السياسية للزعيم الراحل ولادة بي نظير. كانت السيدة نصرت بوتو زوجة ذو الفقار وام بي نظير شيعية اضافة الى شخصية الاب المتدين المعتدل والذي كان يبحث عن قنبلة نووية اسلامية. فمن سجنه وقبل اعدامه خرجت مذكرات ذو الفقار علي بوتو ليقول للناس انه ضحية بحثه عن قنبلة نووية اسلامية. كان ذلك في بداية سبعينيات القرن الماضي بعد ان فجرت الهند قنبلتها النووية الاولى. فعبر ذو الفقار عن ذلك بقوله ان الحضارات الدينية الكبرى في العالم كلها نووية عدا الحضارة الاسلامية. فالمسيح واليهود والبوذويون والهندوس لديهم قنابل نووية فيما يفتقر المسلمون لهذا السلاح الذي يساهم في فرض الارادات واثبات الذات الدولية والحضارية في عملية توازن القوى او توازن الرعب. وبعد ان اعدم الجنرال ضياء الحق ذو الفقار علي بوتو في جريمة سياسية لم تسلط عليها الاضواء تم اغتيال ضياء الحق في حادث طائرة ما يزال حتى الان لغزا ولم تثبت التحقيقيات شخصية الفاعل. وقيل حينها ان الجنرال ضياء الحق انحاز الى ايران التي كانت محاصرة بحرب النظام العراقي عليها ووقوف المجتمع الاوروبي والدولي ضد ايران بطريقة سافرة وعلنية. لقد ضاعت خيوط وتفاصيل الصراع داخل باكستان بمقتل ضياء الحق بحادث الطائرة الغامض. وكانت صحيفة النظام العراقي المسماة "الثورة" قد هاجمت ضياء الحق واعتبرته منحازا الى ايران. وتعتبر السيدة بي نظير بوتو وريثة لهذه الاستار والالغاز رغم شخصيتها الرقيقة وحسها السياسي السليم. وقد استلمت السيدة بوتو رئاسة الوزارة بعد كل هذه الرحلة الماساوية للاسرة. وكان الصحفيون قد لقبوا السيدة بي نظير بابنة الشرق مرة وابنة القدر مرات اخرى. لم تفقد السيدة بي نظير والدها فقط فقد لقي اخواها نفس المصير الذي لاقاه الاب عندما تم اغتيالهما ايضا واصبحت الام السيدة نصرت تنظر بحسرة الى هذه الفجائع التي جعلتها وحيدة ترقب ابنة الشرق الجميلة وهي تخوض في هذا الميدان الصعب والشرس اي ميدان السياسة بابتسامتها الواثقة ولغتها الانكليزية المنطلقة وثقافتها الانسانية الواسعة. وفي 18- 10- 2007 وبينما كانت بي نظير تتوجه الى العاصمة الباكستانية وكانت قريبة من استلام السلطة امطرت بوابل من الرصاص وتوفيت في الحال مضرجة بدمائها دافعة ثمن ثقتها بنفسها ومتمة لتراجيديا اسرة بوتو. وتفيد اخر تقارير التحريات من باكستان ان السيدة بوتو "54 سنة" لم تمت بفعل الرصاص بل نتيجة لكسر بالجمجمة اثر اصطدام راسها بالسيارة التي كانت تقلها مما يدل على وجود يد خفية في عملية الاغتيال. فيما اتهم حزب السيدة بوتو اي حزب الشعب الحكومة بانها وراء الجريمة وان قناصا استغل "تساهل" الحكومة فنفذ هذه الجريمة. ان الساحة الباكستانية اصبحت رمزا لهذا النوع من الاغتيال الغامض فالمكان الذي تم فيها اغتيال السيدة بوتو واسمه "لياقت باغ" هو ذات المكان الذي تم فيه اغتيال اول رئيس وزراء لباكستان عام 1951 "لياقت علي خان". شكل مقتل السيدة بوتو وما يزال صدمة للعالم الذي احبها واحب ثقافتها وتسامح عائلتها وما زال السؤال مطروحا ومثيرا في باكستان والعالم: من قتل ابنة الشرق او ابنة القدر؟ 2. طائرات تسقط بلا سبب: في عام 2002 سقطت فوق الاجواء الايرانية طائرة تقل ما يقرب من خمسين عالما ايرانيا في الفيزياء النووية. كانت الرحلة متوجهة من اوكرانيا الى اصفهان. وقد تم تزويد الطائرة بالوقود من مطار تركي. توقفت الطائرة في هذا المطار فترة من الزمن وتم فحصها ثم طارت باتجاه اصفهان وفجاة تسقط الطائرة ويموت جميع من فيها من العلماء والطاقم. وبعد العثور على الصندوق الاسود للطائرة لم يتم العثور على اي خلل فني او سبب مقنع لسقوط الطائرة. وبعد هذا التاريخ بسنوات وتحديدا في كانون الثاني عام 2007 هوت طائرة اطلس غيت اي الخطوط الجوية التركية في الاناضول وكان على متنها ستة علماء كبار متخصصون في قضايا الطاقة والعلوم النووية. ضم طاقم الطائرة 57 شخصا قضوا نحبهم جميعا ولم يعثر في الصندوق الاسود للطائرة على اي خلل فني وما تزال التحقيقات حتى اليوم عاجزة عن اثبات السبب. ومن بين العالمين السيدة اندين اريك وكانت عضوا في مركز الابحاث الفيزيائي الاوروبي في جنيف واشتهرت بابحاثها الرائدة عن بدائل اليورانيوم كمصدر للطاقة. وتعتبر السيدة اريك من اهم عقول الفيزياء النووية في العالم. فقد حصلت ضمن فريق عملها على جائزة نوبل للعلوم بعد اكتشافهم مادة التوريوم المشعة والتي اعتبرها العلماء بديلا افضل من اليورانيوم كوقود نووي. وقد افصحت السيدة اريك ان تركيا تملك اكثر من 80% من المخزون العالمي من هذه المادة الاستراتيجية مضيفة ان 800 الف طن من هذه المادة "التوريوم" المشعة من اصل مليون طن موجودة في تركيا. كما ان قيمتها تتجاوز 120 تريليون دولار. اختفت الطائرة من شاشات الرادار في مدينة اسبرطة التي تبعد تقريبا 160 كيلومترا شمال البحر المتوسط وكانت قادمة من اسطنبول. ولحد الان لم يعثر على سبب سقوط الطائرة التي كان عدد ركابها 56 شخصا الا انه ارتفع الى 57 لان طفلا كان قد ولد في هذه الرحلة المشؤومة ثم سقط مع بقية الضحايا الذين لم يكتب لهم لحد الان حياة اخرى باعلان هوية الجاني. في الحلقات المقبلة نتواصل مع جرائم غامضة ذات طابع سياسي حتى لا يبقى الضمير الانساني معذبا وتائها في بحر من الاسئلة التي بلا اجابات. |