| صلاة المودعين |
|
|
|
|
يونس الصميدعي ينصح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين والمسلمين اناثا وذكورا ان يصلوا كل مرة يتوجهون فيها الى القبلة صلاة مودعين. والمودع هو الذي يشعر بقرب الاجل ووداع الدنيا بلقاء الاخرة. للاسف الشديد يمثل التفريط بالصلاة ودرجة الالتصاق الروحي خلالها سمة اصبحت غالبة لدى الكثير ممن نلتقيهم من اهلنا وابنائنا وبناتنا. ويساهم اغلب الدعاة في وصول هذا اللون من التفريط بالصلاة بطريقة وعظهم التي لا تستطيع ان تنفذ الى اعماق المتلقي. ان اعماق هذا المتلقي المسلم متحفزة كل حين كي تصل الى حقيقتها المتمثلة في الايمان واركانه. والصلاة هي احد اهم هذه الاركان. فالمسلم على العموم مهما شرق وغرب ومهما ابتعد وغاص في شؤون الدنيا فان ضميره واعماقه مرتبطين بالاخرة وبالمعاد والوقوف بين يدي الله تعالى. ان هذه القاعدة النفسية والسلوكية تمثل ذخيرة عظيمة يتمناها كل الدعاة العقائديين والايديولوجيين لاتباعهم كي يوجهونهم الوجهة اتي يريدونها. والملاحظ على اغلب الدعاة المسلمين ضعف القابلية على ايقاظ الروح الاسلامي خاصة في شباب الاجيال الجديدة. ويتبدى هذا الهدر خاصة في كيفية الدعوة الى الصلاة والتوجيه بالاهتمام بها.
أهمية الصلاة تمثل الصلاة في الاسلام فعلا سلوكيا فريدا ونادرا من جهتين: 1. الاتصال بالله تعالى. 2. حساب الوقت وتقسيمه و"السيطرة عليه". 3. جوانب سايكولوجية تتعلق بالنداء الداخلي للانسان. قد يقتل الاعتياد والروتين والتكلف جمال الاشياء وقوتها. والا كيف يتوجه الانسان للقبلة ويشعر انه بمواجهة الخالق بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ولا تحصل لدى المصلي الحضور المطلوب؟ 1. ان الجواب على هذا السؤال لا يتعلق فقط بالفرد وانما بسلوك المجتمع ايضا. فالمجتمع الذي يفرط ويهدر اساسياته لا يمكن ان يشعر بهذه الاسياسيات حتى في مجال العبادات والروحانيات. واشعر بالاسف الشديد عندما ارى خروج المصلي المسلم على اساسيات الخشوع في هذه المناسبة العظيمة التي يتوجه فيها الانسان الى ربه كان تظهر عليه علامات الكسل اثناء الصلاة وقد يتخلل التثاؤب كلمات الصلاة حتى وان كانت آيات قرانية جهارا. وهذ صوت مستفز ينم عن ابتعاد طويل عن روحانية التوجه والاساس الذي شرعت له الصلاة. في حديث للامام الصادق عليه السلام: "لا ينال شفاعتنا من استخف بصلاته". يتضح الاهتمام العظيم الذي يوليه الامام الصادق عليه السلام لموضوعة الجدية والتركيز في الصلاة اذ انها التدريب اليومي على ثقة الانسان بربه التي تنعكس بعد ذلك على ثقة الانسان بنفسه وقدرته ان يعيش الحياة بسعادة وهناء تنفتح امامه السبل في الدنيا وطرق الاخرة. تمثل الصلاة في الاسلام تاكيدا لنداء الفطرة ووعود الاسلام تنمية هذا النداء وحراسته. فصحيح ان ابواب الفقه تمتلئ بتعليمات الصلاة وتقنيات الماء والوضوء والشكوك ومكان القبلة الا ان المسلم العام يستطيع في أي مكان ان يصلي "اينما تولوا وجوهكم فثم وجه الله". ومن لا يجد الماء يتيمم. ومن لا يستطيع الحركة يجلس او حتى يؤشر فالصلاة بالاشارة تتضمن التيسير والتشديد بنفس الوقت. فالتيسير بعدم اشتراط القيام بالافعال الاعتيادية المفروضة في الصلاة على الاصحاء. اما التشديد فباعتبار ان الصلاة لا تسقط حتى عن الغريق الذي ان سمع النداء ينوي فقط الصلاة فتكون هذه النية بمثابة اداء للصلاة. ليس سهلا ولا معتادا في الديانات الاخرى ان يوجه الانسان ربه بهذه البساطة والعفوية. انها جزء من الرحمة الالهية التي فشلنا ونفشل في نقل خبراتها الضرورية الى ابنائنا وبناتنا. ان صورة الاب الذي لا ينهض لصلاة الفجر مدعاة لصورة يرسمها خيال وعقل الاطفال عن تساهل وتفريط "ممكنين" في هذه العبادة. لكن اذا صحا الاب واعتاد على هذه الصلاة في اوقاتها فانه يقدم صورة حميمة وشديدة التاثير والعاطفة على نفوس الابناء في معنى الثقة بالله سبحانه وتعالى واستمطار رحمته والعيش في عنايته. 2. سوف انقل تجربة شخصية اعتقد امكانية تعميمها لدى الافاضل من القراء عندما يقراون حروفي. ان الاحساس بالوقت وتنظيمه والسيطرة عليه يرتبط "شعوريا ولا شعوريا" بالصلاة. فعندما انهض لصلاة الفجر عليّ مراعاة توقيت النوم كي احصل على ساعات كافية من النوم قبل النهوض للصلاة. وبعد اداء صلاة الفجر يمكنني الحصول على متسع من الوقت قبل الذهاب الى العمل. وشخصيا انجز في هذه الفترة اكثر الاعمال القريبة الى قلبي والتي يتعذر عليّ فعلها في النهار. مثل قراءة كتاب او القيام ببعض التمارين الرياضية او التآمل في هذا الوقت الرائق الذي تهب فيه نسمات عليلة فيعتدل المزاج وتستقيم الصحة خاصة وانا انظر الى اولادي وزوجتي وهم يلتحفون الفراش بعد اداء الصلاة فاشعر بالقناعة والرضا وما هو اهم من ذلك... انني اصبحت وعائلتي في امان الله تعالى وحرزه. ان اثر الصلاة في هذا الوقت عندما ينهض الانسان من سكرة النوم كي يذكر الله تعالى لها اثر عجيب ومفعول من الرضا والثقة يجعلك مسيطرا على الزمن والوقت ومتجها لاداء صلاة الظهرين في وقتها المقرر دون تكاسل. وبالفترة الفاصلة بين الصلاتين تمتلئ روحك بالثقة ومحبة الانجاز والعمل المخلص كي تستقبل صلاة العشائين راضيا خاشعا ومتفائلا. ان الجلوس الى العائلة تكون ايسر واجمل عند ارتباطها باوقات الصلاة أي بعد الانتهاء من اداء المراسم وضبطها كما تقتضيه مسؤولية رب العائلة اكثر من أي شخص اخر. 3. لا اعتقد ان انسانا مسلما قد خذلته صلاته ابدا. والمقصود بالخذلان هنا ان هذه الصلاة لم تضع سياجا بين هذا الانسان المسلم وبين الغفلة او الوقوع في شرك الخطا والرذيلة اذ انها "أي الصلاة" هي جهاز الانذار المبكر لدى المسلم خاصة عندما تتمكن من روحه وشغفه بالحياة وتصبح مصدر ثراء نفسي عندما يتوجه القبلة. وقد لخص القرآن الكريم عظم هذه المسالة بقوله تعالى "واستعينوا بالصبر والصلاة وانها لكبيرة الا على الخاشعين". جاءت الفاظ الصبر والصلاة والاستعانة والخشوع في اتساق عملي يستطيع ان يفهمه جيدا المصلون الذين تؤدي صلاتهم الى الخشية. (يا بني اقم الصلاة) جاءت الآية الكريمة التي نختتم بها الحديث عن الصلاة في سياق وصايا لقمان الحكيم لابنه. وتلك الوصايا الواردة على لسان لقمان تتوجه الى جميع المسلمين بنفس القوة والسياق. فاقامة الصلاة اول علامات مشروع بناء الشخصية السليمة الواثقة السعيدة المنتجة. ان ربط الصلاة بالسعادة الشخصية والقناعة والثقة لن اجازف بالقول: انها تمثل مستقبل المسلمين. فلحد الان لم تنجح الحضارة الغربية ان تضعف احساس المسلمين بالصلاة. بل على العكس من ذلك فان المسلم الذي يهاجر الى الغرب او حتى الذي يحصل على جنسيته فانه في معظم الاحيان يشعر بالحاجة الى الصلاة واركان الايمان الاخرى اكثر مما كان في بلاده المسلمة. ومسؤوليتنا جميعا ان نجعل من الصلاة معراجا روحيا جميلا واسترخاءا نفسيا بان تغادر الروح ظلمات الجسد الى حيث الرحمة الالهية بعطرها وشذاها واليقين والسلام والعظيمين عندما تبثهما في النفس بحب وجمال وصدق الله تعالى وعده. |