مؤسسة المنتدى الثقافي العراقي

لماذا يتقدم الغرب ونتاخر؟ PDF طباعة أرسل لصديقك

د.خضير الخزاعي

كل مقومات النهوض لدينا حاضرة، لكن النهوض نفسه غائب ولا وجود له إلا في الخطب والدعايات ووسائلها الوفيرة، بينما يشهد واقعنا في العالم الإسلامي أزمات متواصلة لها أول وليس لها آخر، وما ان نخرج من أزمة إلا ونلج في غمرات أخرى، فيما الإنسان والبلدان هما من يدفع الثمن تخلفاً وقلقاً وإضطراباً ومشاكل. نعم، لدينا حضارة عريقة عميقة تستحق الإحترام، ولكننا لم نتأمل عناصرها لننهض بأجنحتها نحو المعالي، بينما لا يمتلك غيرنا عمقا ولا إرثا حضاريا ولكنه استطاع التحليق في آفاق الحياة بجدارة واقتدار وصنع مدنيات متقدمة لم يعد بإمكاننا اللحاق بركبها مهما حاولنا لافتقادنا آليات الإنطلاق، ولا يمكننا تقليص الفجوة بيننا وبينهم وهي في حالة إتساع، تؤكد عجزنا عن مجاراة قطارات حركتهم المتسارعة،

فالغرب يقطع مسافات التطور والتغيير بسرعة الصواريخ ونحن نحبوا بسرعة السلاحف، وذلك ما يضاعف الفاصلة بيننا وبينهم ويشكل تحديا كبيرا وخطيرا لنا ولأجيالنا الآتية.
أما الإمكانات الطبيعية من نفط وثروات وأراضٍ وأعداد بشرية فهي الأخرى كفيلة بالنهوض لو قدر لإنساننا استثمارها، لكن ذلك لم يحدث وبقينا أسرى التخلف المزمن الذي ضرب أطنابه في كل مرفق من مرافق حياتنا، ولم يسلم فينا منشط علمي او أدبي أو فني أو صناعي أو تجاري أو زراعي إلا وقد نال حصته من تخلفنا كاملة غير منقوصة.
ويبدو اننا وأعداءنا على حد سواء شركاء في ديمومة هذا التخلف وتكريسه ولا من سبيل للخروج من محنته وأغلاله إلا بمشروع تغييري شامل لا تنفع معه المناحة والبكائيات، ولكن هذا المشروع التغييري الشامل هو الآخر بحاجة الى إرادة جادة وثقافة فاعلة وتحشيد كامل لكل عناصر القوة والإبداع والتألق في هذه الأمة كي تبدأ حركة التغيير الشامل وفق رؤية علمية وعملية صحيحة تستحضر ما في الأمة لتوظيفه في هذا المشروع الطموح، وتعقد تجارب الأمم الناهضة للاستفادة من خبراتها كي تختصر الزمن للوصول الى الهدف المنشود.
المراقب لماكنة التطور الغربي يجدها تتحرك بخطى متسارعة لأن الإنسان هناك مصمم على التقدم ولعل أهم أسباب انطلاقته انه قد تذوق طعم جهوده وكثف من مساعيه لتحقيق المزيد منها ووضع لنفسه قوانين صارمة ثقّف نفسه على احترامها والالتزام بها حتى صار الالتزام الشعبي بالقوانين يضاهي في قوته إيمان المؤمنين الأتقياء بالنصوص الثابتة وحرص على صيانة هذه القوانين وبالشكل الذي صيّر من ثقافته ووعيه حصانة وصيانة لها من المساس او التخطي او التجاوز عليها، ولم يعد الالتزام الفردي بالقانون وحده هناك هو الضمانة لتفعيل القوانين، وانما خلق من الثقافة الشعبية سبيلا للحفاظ على تلك القوانين والتي صارت جزء من وعيه، ولم يعد يسمح لأحد بتجاوزها مما وفر للسلطات ظهيرا حقيقيا من الناس لاحترام القانون الذي أثبت الواقع قدراته الايجابية في حفظ الحقوق العامة والتي لم يكن المواطن الغربي على استعداد للتنازل عنها لأنه بذلك يتنازل عن كل الامتيازات التي حققها وصاغتها وصنعتها القوانين والتي أعطته فرصا متكافئة في العمل والحياة والحريات حتى صار بامكان أي مواطن ان يحقق أحلامه من خلال الفرص الكبيرة والوفيرة التي يوفرها القانون والتي تمكن الانسان من تحقيق ذاته وكفاءاته تحت ظلالها، ولعل وصول أفريقي أسود مثل أوباما الى أعلى قمة في الهرم السياسي الأمريكي أول دليل على ان تكافؤ الفرص بين المواطنين وبغض النظر عن جذورهم وألوانهم متساوية، وبامكان التواقين الى الرقي ان يصعدوا بقدر ما تؤهلهم لياقاتهم الفردية واستعداداتهم الذاتية ومواهبهم الشخصية. وهو ما ينتج عنه في النهاية تفجير كل الطاقات الخلاقة في مناخات من المساواة التي يستطيع التمتع بها كل الذين يفكرون بحاضر صاعد ومستقبل واعد.
وهذا ما وفر للمجتمعات الغربية أسباب النهوض الذي تعاضدت كل الجهود لخلقه، وهو ما نفتقده في عالمنا الاسلامي الذي قد يسد بوجه الموهوبين من أبنائه وأصحاب الطموحات المشروعة من مواطنيه ان يحققوا ذواتهم ويفجروا طاقاتهم وبالتالي يحرم المجتمع في عالمنا من كفاءات الكثير من المبدعين الذين توصد بوجوههم الأبواب لأسباب اقتصادية او سياسية او اجتماعية فتصيِّر منهم أصفارا مهملة لا دور لهم في التنمية وفي ذلك هدر هائل للثروات البشرية والوطنية وانتكاسة اجتماعية قد تخلق الكثير من العقد والتي طالما انفجرت غضبا وحنقا وعنفا، ولربما خروجا على القانون وانتقاما من المؤسسة الاجتماعية السياسية التي يحملها المحرومون نتائج حرمانهم وما آلت اليه أمورهم وأحوال عيشهم، ورغم كل ما نحن فيه من أزمات مازالت في الأفق بارقة أمل لنهوض حقيقي إذا ما توفرت إرادة جادة وفيّة مخلصة وفرص حقيقية لثقافة مبدعة قادرة على ان تفرض نفسها على الواقع كي تنهض به وتعليه لنتخلص من تخلفنا وأسباب نكوصنا، وافرازات ذلك التخلف وهذا النكوص.
يحضرني هنا قول للإمام علي عليه السلام يحمل فيه أسباب النهضة بوصية رائدة فيقول: (أوصيكم بتقوى الله ونظم أمركم)، وإذا ما فات الغرب التمسك بتقوى الله تعالى ليخسر بالتالي آخرته فيقيناً كان لنظم أمرهم أكبر الاثر في تقدمهم وازدهارهم وتطور حياتهم، فيما بقينا نحن نراوح مكاننا لأننا نعيش أزمة في التقوى وأزمة في تنظيم شؤوننا وهذا هو سر مأساتنا ومعاناتنا ومن لا يحظى بالتقوى ولا بتنظيم الأمور يكون قد خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.

 

التوقيت


عداد الزوار

free counters
انت الان هنا  : Home محطات لماذا يتقدم الغرب ونتاخر؟
الاستضافة العراقية الاولى تصميم واستضافة