|
عامر محمد غريب هذا الانسان يسيح في زمان يعرف انه سوف ينقضي ومع ذلك فهو محمل بالامال الكبار ولا يصدق الموت. والانسان اكبر الغاز الارض على الاطلاق وقد تطرق القران الكريم الى وصفه بانه ظلوم جهول الذي قبل امانة اشفقت منها السموات والارضين. وعلى عكس بقية الاحياء التي يشاطرها الحياة في الكوكب فان هذا الانسان يعيش بذاكرة "التاريخ" ويتجه نحو افق ابعد من يومه وساعته "المستقبل". انه يفكر بعقله ثم يعود هذا العقل كي يفحص مبادئه في التفكير فتنشا الفلسفة. ويستشعر الانسان وحشة الطريق وخوف المجهول ويستنكر فكرة العدم فينزل الوحي حاملا بشارات الامل بحياة اخرى تعوض ما فات وياكل فيها ما يشاء ويشرب ما يريد. واثناء ذلك يلهو بالفنون ويجاوز الفضاء الخارجي نحو كواكب بعيدة ويكتشف اسرارا داخل تلافيف الدماغ تحمل صفاته وصفات اجداده. انه يحارب ويموت ثم يتلو في الاناشيد العسكرية التي تمجد موت الاخر او حتى موته هو والقضية دائما حق معلق. العقل يشكل على العقل ولا تحل الفلسفة اشكال العقل اذ انها دائما ناتجة عن تحيز ما.
وامر غريب ان يخاصم الانسان الدين. فاسوأ الافكار التي يمكن تبنيها فكرة العدم. حاول الفلاسفة في كل شعوب الارض البرهنة على بطلان فكرة العدم. وفي الفلسفات الحديثة لم تزل فكرة البعث والحياة الاخرى قوية حتى لدى الشعوب التي تمكنت منها عدوى الالحاد او لوثة الشرك. ولا استطيع ان افسر الانغماس في المادية او "تاليه" الفنون او المال سولا البحث عن اله دليل على سقم النظر وخطا الاتجاه. وكانت تحدثني نفسي كيف يكون المرء ملحدا وهو يرى جماجم وعيون ترى واذان تسمع تخرج من نطف لا ترى بالعين. وقد تكون هذه من الادلة "الساذجة" او التقليدية وهي غير تلك الادلة التجريدية التي يحاول بها العلماء اثبات وجود الصانع. يقول باسكال: اثنان في هذه الارض جديران بالاحترام الاول وجد الله تعالى فركن اليه يعبده ويتزود من نفحاته وبركاته والثاني من بحث عن هذا الاله. ظن فلاسفة القرن الثامن والتاسع عشر ان التاريخ قد تغير وان تمحور الفكر حول الله سبحانه قد بدا يتحول نحو الانسان. ورغم التجهيل والتبسيط في هذا الطرح الا انه كلف البشرية غاليا. لقد اشاعت الفلسفة الالحادية الغربية فكرة حاولت تسويقها باضفاء صفة انسانية "تبشر" الانسان بانه ما عاد بحاجة الى اله وان الاله هو العلم او الدولة او الصناعة الثقيلة او الطبقة العاملة...الخ. والذي يحصي مشكلات الغرب التي رافقت او تولدت عن موضوعة الالحاد سوف يجد حروبا ما تزال تشتعل بعد الحربين الكونيتين الاولى والثانية. فليس صحيحا ان الفرد الغربي عيش السعادة التي تصورها الشرقيون. انه يعيش عالما خاصا من الاستهلاك الذي يصاحبه اندثار. فالسعادة مفهوم نسبي يتعلق بعوالم مركبة من داخل الانسان ومن ظروفه الخارجية. وتروي كتب السير والشخصيات ان اويس القرني الذي شهد الامام علي عليه السلام كان غنيا مترفا ويمتلك مزارع وبساتين واسعة. وفي احد الايام اطل اويس على احد مزارعيه وهو يحرث الارض وقد شد انتباهه ان هذا الفلاح وبعد جهوده في حراثة الارض فتح صرة بسيطة واخرج منها خبزا تناوله بشغف واشتهاء ثم شرب جرعة من الماء وتحت ظلال احدى الشجيرات في البستان وضع يده تحت راسه لياخذ قيلولة بسيطة يستانف بعدها العمل. سرت في روح اويس فكرة ان هذا الفلاح يمتلك من السعادة أي اليقين اكثر مما توفره كل الاموال التي بحوزته. فهذه الطريقة في تناول الطعام والشراب والقدرة على النوم في ظل شجرة تعني احساسا بالاتساق الداخلي ومحاكاة لطيفة لقوانين الوجود. فما فائدة المال الذي لا يستطيع ان يوفر سعادة لقمة الخبز وشربة الماء والنوم تحت ظل شجرة. يقول الخبر ان اويس قرر ان يهب كل ما يملك للفقراء ويلتحق بابرع شخصية دخلت نسيج الروح وعبرت عنه باقصى ما تستطيعه البلاغة والكلمات وعلى مدار العصور سيدنا ومولانا امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام. فهذا الامام الفطحل الذي غاص في دقائق العلوم وكنوز المعارف يدعو الله تعالى ان يرزقه ايمان العجائز. وبالطبع فان هذه الدعوة تعبير عن شخص الامام ومحاورته نفوس مريديه او مواطنيه في عصر خلافته. فايمان العجائز هو التسليم المطلق غيرالمشكك ولا المحاذر بالله سبحانه الذي اوجد الكون من العدم واليه تعود النفوس والاجساد والارواح. فهذا البطل غير الهياب والعالم النحرير والرياضي الدقيق وصاحب القضاء الارفع والبلاغة الاوفى وارجح العقول وسيد الاوصياء يتمنى ايمان العجائز وهو النفس المطمئنة بكل ما تنطوي عليه هذه النفس حتى عبر عنها نفسه "لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا". وياخذ ايمان العجائز وجهة اخرى لدى فيلسوف المانيا الاشهر عمانوئيل كانط. عاش كانط فترة الالحاد وشيوع الراي الذي يذهب الى نقض فكرة الالوهية. وبعد ان ساير كانط هذه الموجة تساءل في النهاية عن هذا السر الموجود في داخله "وداخل كل منا كما يقول" عن ضرورة الدين والاله. فهل من انسان لم يشعر بهذا الشعور؟ الجواب قطعا كلا. حاول كانط بعد ذلك ان يبني "دينا" على اساس الاحساس الداخلي العميق بالضرورة. وحتى اليوم تتنازع المدارس الفلسفية حول تفسير موقف كانط من الدين واجد ان المغزى الاعمق لهذا التنافس قوة فكرة الدين في النفوس واستفظاعها ان تعيش بلا اله. ومن الثابت في علوم الانثربولوجيا ان الانسان لم يعش دون دين ابدا. وذهبت المقولة الشائعة: انه في كل مدينة قد لا تعثر على نهر أو مصنع أو مدرسة لكنك لابد ان تقع على دار للعبادة في كل مراحل تاريخ الانسان. ويبقى لغز الانسان يمتد الى طاقة الرفض التي يواجه بها حقيقته الداخلية. فمن المؤكد ان هذه الحقيقة مؤمنة وان النزوع الى انكارها يمثل استجابة لطغيان من نوع ما. هزت الاوساط الالمانية قبل فترة قليلة حادثة انتحار ابرز حارس مرمى لفريق كرة القدم الالمانية. ومن المعروف ولع الشعب الالماني بالكرة حد الجنون الهستيري. وقصة حارس المرمى وانتحاره ترتبط بوفاة ابنته الصغيرة. فبعد سنتين من المكابدة والشعور الشديد بالحزن لم يتحمل الاب وقع الصدمة المستمرة على نفسه فاتجه صوب سكة القطار ليقف بوجه القطار دافعا روحه وحياته ثمنا "لذكرى" ابنته المتوفاة قبل سنتين من تاريخ انتحاره. عبرت الصحف الالمانية وجموع من الشعب عن مشاعر مختلفة ازاء الاب الذي اهدى روحه روح ابنته. لكن كاتبا المانيا علق في صحيفة دير شبيغل عن الحادث بقوله: لقد نسينا الله سبحانه فانسانا انفسنا. وهي عين الاية الكريمة عن الذين نسوا الله فانساهم انفسهم. لقد التقى التعبير الالماني بترجمته العربية مع نص للقران الكريم يتعلق بوصف حادث انتقل روح لاعب كرة القدم الاشـهر منتحرا. وفي الهند تجد العجب العجاب فاكبر دور العبادة في العالم توجد في الهند. وفي كل بقعة من هذه الدار الواسعة جدا تجد مسلما يصلي او بوذيا يتعبد او هندوسيا او مسيحيا وحتى وثنيا. كل هؤلاء تجمعهم فكرة الحاجة الى الله سبحانه. ويختلف اسم الله تعالى في اللغات المتعددة فهو في العربية لفظ الجلالة الشائع والمعروف "الله" وفي الانكليزية GOD وفي الفارسية خدا ولا اعرف كيف يتلفظ اليابانيون او سكان الغابات الاستوائية او القاطنين في الاسكيمو اوجبال الهملايا اسم الله تعالى لكنهم جميعا يشتركون في الحاجة اليه ومقاومة شكوك الفلاسفة بايمان العجائز. |